نواب وخبراء يطالبون بوثيقة اجتماعية جديدة وإصدار قانون لإتاحة المعلومات وإعادة الاعتبار للتربية والثقافة والإعلام في بناء الإنسان

عقد حزب العدل، بمقر الأمانة العامة بالقاهرة، ندوة موسعة بعنوان «بين الحرية والمسؤولية.. من يقود الآخر؟»، بمشاركة عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وأساتذة الجامعات، والمتخصصين في الطب النفسي والعلوم السياسية والإعلام والعمل العام، لمناقشة العلاقة بين الحرية والمسؤولية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار الشائعات، وتراجع دور الأسرة والإعلام في تشكيل الوعي.
وأدارت الندوة الدكتورة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدل، مؤكدة أن المجتمع يواجه تحديات غير مسبوقة تستدعي فتح حوار وطني واسع حول كيفية تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبناء الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية لأي عملية تنمية.
وفي مستهل الندوة، رحب الدكتور أحمد دراج، الأمين العام لحزب العدل، بالحضور، مؤكدًا أن الهدف من هذه اللقاءات هو الخروج برؤى وتوصيات عملية تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي، وترسخ ثقافة الحوار، وتدعم استقرار المجتمع في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.

وقال النائب باسل كامل، عضو مجلس الشيوخ والأمين العام للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إن جذور الأزمة تبدأ من التربية، حيث نشأت أجيال اعتادت التلقي أكثر من النقاش، وهو ما انعكس على ضعف التفكير النقدي وتراجع القدرة على تقبل الرأي الآخر. وأضاف أن الإعلام التقليدي اعتمد لسنوات طويلة على التلقين، بينما يحتاج المجتمع اليوم إلى مساحات حقيقية للحوار وتعدد الآراء، مؤكدًا أن مواجهة الشائعات لا تكون فقط عبر القوانين، وإنما ببناء عقل قادر على التحقق من المعلومات والتمييز بين الحقيقة والزيف، في ظل توافر حد أدنى من الحريات والإعلام المهني.

من جانبه، أكد اللواء الدكتور محمد رضا الفقي، أستاذ الطب النفسي والأعصاب بالأكاديمية الطبية العسكرية، أن المجتمع أصبح يشهد ظاهرة خطيرة تتمثل في إقدام كثيرين على الحديث في قضايا لا يمتلكون معلومات كافية عنها، مدفوعين بالرغبة في إبداء الرأي أكثر من البحث عن الحقيقة. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي أفرزا كمًا هائلًا من المعلومات غير الدقيقة، ما يستوجب تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات. كما شدد على أن الحرية لا تنفصل عن الضوابط، وأن غياب دور الأسرة، وانتشار ثقافة الفضائح، وتراجع القيم الأخلاقية، كلها عوامل ساهمت في زيادة حالة الاستقطاب المجتمعي.

وأكد النائب حسام حسن، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، أن القضية الأساسية ليست تحسين صورة المجتمع، وإنما إعادة بناء المجتمع نفسه، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الحرية والمسؤولية تمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة والمجتمع. وأضاف أن الحرية لا يمكن أن تنفصل عن تحمل المسؤولية، داعيًا إلى إنشاء إطار مؤسسي يعزز ثقافة الحرية المسؤولة، وإعادة النظر في المنظومة الثقافية والسلوكية، باعتبارها قضية تتجاوز التعليم والتربية لتصبح مسؤولية وطنية تشارك فيها جميع مؤسسات الدولة.
وقال عبد الغني الحايس، مساعد رئيس حزب العدل، إن الأسرة تمثل نقطة البداية في بناء المجتمع، يليها دور المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، مؤكدًا أن غياب إتاحة المعلومات الرسمية يفتح الباب أمام الشائعات ويضعف ثقة المواطنين، وطالب بسرعة إصدار قانون إتاحة المعلومات، مشيرًا إلى أن الأحزاب السياسية ستكون أكثر قدرة على مواجهة الشائعات إذا توفرت لديها المعلومات الصحيحة، كما دعا إلى استعادة الدور الوطني للدراما المصرية، وإحياء الأنشطة المدرسية والمعسكرات، وتعزيز دور المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة في بناء الهوية والانتماء.
وأوضح حسين أبو النصر، القيادي بحزب العدل، أن المجتمع يعيش فجوة واضحة بين الأجيال المختلفة، في ظل انشغال كل فرد بمتطلبات حياته اليومية، ما أضعف الروابط الأسرية، وأكد أن التكنولوجيا ليست المشكلة، وإنما طريقة استخدامها، محذرًا من تأثير الفراغ وضعف الهوية الوطنية على توجهات الشباب، الذين أصبح كثير منهم يبحث عن تحقيق المكاسب المادية أو الهجرة خارج البلاد، داعيًا إلى استعادة الدور التربوي والثقافي للدولة ومؤسساتها.

وأكد الكاتب إبراهيم العجمي، عضو الهيئة العليا لحزب العدل، أن المجتمع أصبح في حاجة إلى إعداد وثيقة اجتماعية مصرية تحدد بصورة واضحة العلاقة بين الحرية والمسؤولية، بما يعيد التوازن المجتمعي في ظل التحولات التي فرضها العصر الرقمي، وأضاف أن محاسبة وسائل الإعلام على بعض الأخطاء لا يمكن أن تتم في ظل غياب مصادر رسمية للمعلومات، مشددًا على أن إتاحة المعلومات تمثل أحد أهم أسلحة مواجهة الشائعات، ومستشهدًا بحجب بيانات الفقر خلال العام الجاري باعتباره نموذجًا يؤكد أن غياب المعلومات يفتح الباب أمام التأويلات والشائعات.
وأضاف العجمي أن شعار «البشر قبل الحجر» الذي تبناه حزب العدل في برنامجه الانتخابي السابق ما زال يعبر عن أولوية الاستثمار في الإنسان، مؤكدًا أن التنمية العمرانية لا ينبغي أن تكون على حساب التنمية الفكرية والثقافية، وأن الدول المتقدمة تعتبر الكفاءات البشرية ثروتها القومية الحقيقية، وهو ما يستوجب إعطاء الأولوية لبناء الإنسان جنبًا إلى جنب مع بناء المشروعات.
وأكد الدكتور علي وحيد، الباحث في الشؤون السياسية، أن العلاقة بين الحرية والمسؤولية علاقة تكامل وليست تعارضًا، وأن المسؤولية هي الضمان الحقيقي لممارسة الحرية بما يحفظ حقوق الآخرين واستقرار المجتمع. وأضاف أن الوعي يسبق القوانين في بناء المجتمعات، وأن الشائعات أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه الدول، موضحًا أن غياب الوعي قد يكون أخطر من الرصاص، لأن الشائعة قد تهدد مجتمعًا كاملًا. ودعا إلى تنمية الوعي الرقمي، وتعليم الشباب مهارات التحقق من المعلومات، وتعزيز دور الأسرة والإعلام والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في بناء الإنسان الواعي.
وقالت الدكتورة مها مصطفى إن ثقافة السعي إلى “الترند” أصبحت تحل محل القيم التي تربت عليها الأجيال السابقة، مشيرة إلى أن انشغال الآباء والأمهات وغياب القدوة أسهما في ضعف قدرة الأبناء على التحقق من الأخبار، كما أن المحتوى المثير أصبح الأكثر جذبًا للشباب في ظل تراجع ممارسة الرياضة والأنشطة الاجتماعية. وأكدت أنها لا تمانع اتخاذ إجراءات تنظيمية تجاه بعض المنصات الرقمية إذا أثبتت الدراسات أن أضرارها تفوق فوائدها.
من جانبها، أكدت الدكتورة زهراء الروبي أن الحل لا يكمن في منع التطبيقات الرقمية، وإنما في تعليم الشباب كيفية استخدامها بصورة صحيحة، مشيرة إلى أن المنع لم يعد وسيلة فعالة في ظل إمكانية تجاوز الحجب تقنيًا. ودعت إلى إدراج برامج تربوية مشتركة للآباء والأبناء، وإعداد متخصصين في العلاج السلوكي داخل كليات التربية، بما يسهم في معالجة السلوكيات السلبية منذ المراحل المبكرة.

وقالت منى عبد الراضي، الصحفية والمدير التنفيذي لمبادرة “إنصاف”، إن الإعلام يظل أحد أهم أدوات تشكيل الوعي المجتمعي، داعية إلى تعزيز ثقافة الحوار والتسامح وإبراز النماذج الإيجابية في المجتمع. كما حذرت من خطورة حملات التشهير والشائعات التي تستهدف النساء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن كثيرًا من الضحايا فقدن استقرارهن الأسري والاجتماعي بسبب معلومات أو صور مفبركة.
واختتم محمود المله، عضو الهيئة العليا لحزب العدل، بالتأكيد على أن غياب مبدأ الثواب والعقاب داخل المنظومة التعليمية كان أحد أسباب تراجع الانضباط والسلوكيات الإيجابية، داعيًا إلى إعادة ترسيخ القيم داخل المدارس من خلال سياسات تربوية عادلة وواضحة.
وشهدت الندوة توافقًا بين المشاركين على مجموعة من التوصيات، أبرزها الإسراع بإصدار قانون إتاحة المعلومات، وتعزيز دور الأسرة في التربية، وتطوير الإعلام ليصبح أكثر مهنية وتعددًا، وترسيخ ثقافة الحرية المسؤولة، وتنمية الوعي الرقمي، وإعادة الاعتبار للأنشطة الثقافية والرياضية داخل المدارس والجامعات، باعتبار أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، وأن المجتمع الواعي هو الضمانة الأساسية لحماية الدولة ومواجهة الشائعات والتحديات الفكرية.




