“مش معايا عربية ولا شركة”.. استغاثات ضحايا الحذف العشوائي لبطاقات التموين
البرلمان يطالب بتعويض المتضررين وتطبيق نظام “الشباك الواحد” لإنهاء الأزمة

النائب محمد فؤاد: التموين وضعت العربة قبل الحصان ونرفض سياسة “ادفع واشتكي“
النائب بسام الصواف: لا يجوز تحميل المواطن أخطاء “السيستم” ويجب تعويض المتضررين
النائب تامر عبدالقادر: ننتظر رد الحكومة على مقترح الشباك الواحد والسيارات التكنولوجية
“جاتلي فاتورة التليفون فيها زيادة 18 جنيه .. تخيلوا 18 جنيه مكالمات زيادة مع العلم نادر لما بتكلم مع حد.. أتكلم مع مين يا حسرة ثم إني ماعنديش تليفون روحت المصلحة عشان أشتكي قالولي أدفع الأول وبعدين اشتكي”، هذا المشهد الشهير من مسرحية “شاهد ما شافش حاجة” للفنان عادل إمام، لم يكن مجرد مشهد كوميدي عابر، بل يعكس حالة العبث التي يعيشها آلاف المواطنين يوميا منذ بدء وزارة التموين في الحذف العشوائي لبطاقات التموين لأسباب لا يعلمون عنها شيئًا.
فبين ليلة وضحاها، وجد بعضهم أنفسهم متهمين بامتلاك سيارات لم يشتروها، أو شركات لم يؤسسوها، أو بالتحاق أبنائهم بمدارس خاصة رغم دراستهم في مدارس حكومية وغيرها من الأسباب التي لم تمت للواقع بصلة، فيبدأ المواطن رحلة البحث عن السبب، بين المكاتب الحكومية والجهات المختلفة للحصول على مستندات البراءة، لذنب لم يقترفه بعد.
ورغم أهمية جهود الدولة في ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فإن تكرار شكاوى الاستبعاد بسبب بيانات غير دقيقة يثير تساؤلات حول مدى صحة المعلومات التي تُبنى عليها هذه القرارات، وحجم المعاناة التي يتحملها المواطن لتصحيح أخطاء لم يكن طرفًا فيها.
شكاوى ليست فردية.. حين يتحمل المواطن أخطاء الحكومة

وقفت “منى” الأرملة الستينية في طابور العيش الطويل، وعقب الوصول للهدف، بدأت تلتقط أنفاسها لتتفاجأ بعامل يقول لها “بطاقة التموين موقوفة روحي التموين شوفيها وقفت ليه؟”، لتبدأ الرحلة الشاقة لامرأة بالغة من العمر 68 عامًا بين الجهات الحكومية بحثًا عن سبب الإيقاف.
وقالت لـ”ليبرالي”:” توجهت للاستفسار عن السبب وتم إبلاغي بأن البيانات المسجلة تشير إلى امتلاك صاحبها مصنع، وأنا لا أمتلك أي مصنع أو نشاط من هذا النوع، فتقدمت بطلب تظلم، إلا أنهم طلبوا مني أولا تحديث بيانات البطاقة عبر منصة مصر الرقمية، لكني واجهت صعوبة في استكمال الإجراءات بسبب كثرة البيانات التعجيزية المطلوبة، ومن بينها سنة ميلاد والدي ووالدتي أو بيانات وفاتهما”.
وروت سيدة أخرى أنها فوجئت بإيقاف بطاقتها التموينية أثناء توجهها لصرف السلع التموينية، وعندما ذهبت إلى مكتب التموين للاستفسار عن السبب، أُبلغت بأن لديها سيارة مسجلة باسمها، رغم تأكيدها بعدم امتلاك سيارة طوال حياتها، موضحة أن رحلة التظلم كانت مرهقة، خاصة في ظل ظروفها الصحية التي تحد من قدرتها على الحركة، حيث حصلت على خطاب من مكتب التموين، ثم توجهت إلى إدارة المرور، وطُلب منها تحديث بياناتها من خلال أحد مراكز الخدمات الإلكترونية مقابل 50 جنيهًا، قبل أن تعود إلى مكتب التموين لسداد رسوم التظلم البالغة 10 جنيهات، فضلًا عن تكاليف المواصلات والوقت والجهد، وأضافت أن المسؤولين أبلغوها بأن الرد على التظلم سيصدر خلال أسبوعين، متسائلة:” إذا كان الخطأ في السيستم، فما ذنبي أنا أن أتحمل كل هذه المشقة والتكاليف؟.

وحكى “خطاب” الرجل الستيني أنه فوجئ بحذف اسمه وزوجته وإحدى ابنتيه من البطاقة التموينية، وعند استفساره عن سبب الاستبعاد، تم إبلاغه بأن البيانات تشير إلى امتلاكه شركة وسجلًا تجاريًا، موضحًا أنه كان يمتلك محلا لبيع الأحذية منذ سنوات، لكنه أغلقه نهائيًا عام 2004، وأنه أنهى جميع إجراءاته لدى مصلحة السجل التجاري والتأمينات منذ ذلك الوقت، متسائلًا عن سبب استمرار ظهور هذه البيانات وما ترتب عليها من حرمان أسرته من الدعم التمويني.
بينما فوجئ أب لثلاثة أطفال بإيقاف بطاقته التموينية، وعند استفساره عن السبب أُبلغ بأن أبناءه مقيدون بمدارس خاصة، وهو ما نفاه تمامًا، مؤكدًا أن أطفاله الثلاثة يدرسون بإحدى المدارس الحكومية في إحدى قرى محافظة الدقهلية، وأن البيانات المسجلة لا تعكس واقع حال أسرته.
لا تبدو هذه الوقائع حالات فردية لكنها شكاوى متكررة من آلاف المواطنين في مختلف المحافظات، ممن فوجئوا بإيقاف بطاقاتهم التموينية استنادًا إلى بيانات يقولون إنها غير صحيحة أو لا تعبر عن أوضاعهم الفعلية، ما يؤكد عشوائية الوزارة في إيقاف من يستحق ومن لا يستحق أيضًا.
وفي الوقت الذي تستهدف فيه الدولة ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه يطرح تكرار هذه الشكاوى تساؤلات حول دقة قواعد البيانات وآليات مراجعتها قبل اتخاذ قرارات الإيقاف، كما يثير جدلا بشأن الأعباء التي يتحملها المواطن لإثبات أحقيته بالدعم وتصحيح أخطاء لم يكن مسؤولا عنها.
غياب رد وزارة التموين
حاول محرر “ليبرالي” التواصل مع أحمد كمال، المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية، للرد على ما يثار بشأن شكاوى المواطنين من قرارات الإيقاف العشوائي للبطاقات التموينية وآليات الاستبعاد ، إلا أنه لم يرد على اتصالاتنا حتى موعد نشر هذا التقرير.
ويستفيد من منظومة دعم السلع التموينية في مصر حوالي 61.8 مليون مواطن موزعين على ما يقرب من 22.5 إلى 23 مليون بطاقة تموين، بالإضافة إلى ذلك، يصل عدد المستفيدين من دعم الخبز البلدي المدعم لأكثر من 70 مليون مواطن، فيما استبعدت وزارة التموين نحو 850 ألف مستفيد من منظومة الدعم خلال الشهر الماضي، ضمن إجراءات المراجعة الدورية لقاعدة البيانات، وتعتمد الوزارة في الاستبعاد على مؤشرات محددة للدخل والإنفاق والحيازة، وتشمل امتلاك سيارة تتجاوز قيمتها مليون جنيه، حيازة أراضٍ زراعية تزيد عن 10 أفدنة، أو ملكية شركات برأسمال كبير.
حكومة متعبة.. وضعت العربة قبل الحصان

انتقد الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، طريقة تعامل وزارة التموين مع ملف حذف المواطنين من بطاقات التموين، معتبرًا أن الوزارة تتعامل مع الملف بعشوائية واضحة، وقال “فؤاد” لـ”ليبرالي” إن هناك قضيتين تثيران حالة من الجدل حاليًا، الأولى تتعلق بحذف المواطنين من بطاقات التموين، والثانية بملف العدادات الكودية، مشيرًا إلى أنه سيثير طرح الملفين تحت قبة البرلمان خلال الأسبوع المقبل.
وأضاف أن الوزارة بدأت بإجراءات الحذف قبل وضع قواعد واضحة ومنضبطة تحكم آلية الاستبعاد، ثم فتحت باب التظلمات بعد وقوع الضرر وهو ما وصفه بأنه “وضع العربة قبل الحصان”، متابعًا أن:” الحكومة لم تعلن عن قواعد الحذف ومعاييرها بشكل واضح ثم تطبقها، وليس من المفترض أن تحذف المواطنين ثم تطلب منهم التقدم بتظلمات لإثبات أحقيتهم، أما سياسة “ادفع واشتكي” التي تنتهجها الحكومة فهي أمر لا يجوز”.
واختتم “فؤاد” تصريحه بأن وزارة التموين تزيد أعباء إضافية على المواطنين وتثقلهم بالإجراءات، واصفًا الحكومة بأنها “حكومة تصرفاتها كلها متعبة”.
مطالب برلمانية بتعويض المواطنين

من جانبه، أشار النائب بسام الصواف، عضو الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إلى إن وزارة التموين كانت قد طبقت “وفقًا لقرارات مجلس الوزراء”، مجموعة من محددات استحقاق الدعم، تشمل امتلاك سيارة، أو حيازة أرض زراعية تزيد على عشرة أفدنة، أو إلحاق الأبناء بمدارس خاصة، أو امتلاك سجل تجاري، وغيرها من المعايير التي يُبنى عليها استحقاق الدعم التمويني.
وأضاف “الصواف” في تصريحه لـ”ليبرالي” أن تطبيق هذه المحددات أدى إلى تضرر عدد من المواطنين، مشيرًا إلى أن الوزارة فتحت باب التظلمات اعتبارًا من 14 يونيو الماضي للحالات التي تم إيقاف بطاقاتها التموينية، وأنها تُجري حاليًا مراجعة لهذه التظلمات.
وأكد “الصواف” رفضه لما وصفه بـ”العشوائية” في تطبيق معايير الحذف، قائلًا: “نحن ضد هذه العشوائية تمامًا، وما حدث يؤكد أن تطبيق المنظومة لم يكن دقيقًا”، مطالبًا بتعويض المواطنين الذين أُوقفت بطاقاتهم التموينية دون وجه حق، موضحًا أن المواطن لا يتحمل مسؤولية الأخطاء التي تقع عند تطبيق النظام الإلكتروني. قائلاً:” إذا كانت الوزارة قد طبقت “السيستيم” بصورة خاطئة، فلا يجوز أن يتحمل المواطن نتيجة هذا الخطأ”.
واقترح أن يكون التعويض من خلال منح المستحقين نقاطًا إضافية أو حصص زيادة في المقررات التموينية، تعويضًا عن الأشهر التي حُرموا خلالها من الدعم، مؤكدًا أن التعويض يجب أن يغطي كامل فترة الإيقاف غير المستحق، مؤكدًا أن إجراءات التظلم نفسها فرضت أعباءً إضافية على المواطنين، إذ اضطر كثيرون إلى استخراج إفادات من جهات مختلفة، والانتقال بين المصالح الحكومية، وتحمل تكاليف المواصلات، فضلًا عن الرسوم التي سددوها عند تقديم التظلم، إلى جانب الوقت والجهد المبذولين.
واختتم “الصواف” حديثه بالتأكيد على أن المواطن ليس مسؤولًا عن هذه الإجراءات، ولا يجوز أن يتحمل تكلفة أخطاء لم يتسبب فيها، ومن غير المقبول أن نتحدث عن بناء الجمهورية الجديدة وتحسين جودة حياة المواطنين، بينما يعاقب المواطن بسبب خلل في تطبيق منظومة لا يد له فيها، مشيرًا إلى أن الوزارة ما زالت تراجع التظلمات المقدمة، لكنه أكد عزمه التقدم بمطالبة رسمية لتعويض المواطنين الذين تضرروا من تطبيق معايير الحذف بصورة خاطئة.
الشباك الواحد والسيارات التكنولوجية.. مقترحات محل البحث

من جانبه، قال النائب تامر عبدالقادر إنه ينتظر رد وزارة التموين بشأن تنفيذ توصية مجلس النواب الخاصة بتطبيق نظام الشباك الواحد في تلقي تظلمات المواطنين المتعلقة ببطاقات التموين، بالإضافة إلى مقترحه بالدفع بسيارات تكنولوجية إلى القرى، كخطوة لتخفيف الأعباء عن المواطنين.
وأضاف “عبدالقادر” في تصريحه لـ”ليبرالي” أن تطبيق هذه المقترحات يجعل وزارة التموين الجهة الوحيدة المختصة باستقبال جميع التظلمات، ثم تتولى بنفسها مخاطبة الجهات المعنية، مثل الإدارة العامة للمرور، ووزارة الكهرباء، ووزارة الزراعة، ووزارة الإسكان، وغيرها، للتحقق من بيانات المواطنين، قبل البت في التظلمات وقبول المستحق منها أو رفضه وفقًا للقانون.
وحول عشوائية الإيقاف قال:” تفرق دم المواطنين بين القبائل، حيث أوضح لي وزير التموين أن قرارات استبعاد المواطنين استندت إلى بيانات وردت من جهات حكومية مختلفة، موضحًا أن وزارة الكهرباء أرسلت أسماء المواطنين الذين لديهم محاضر سرقة تيار، ووزارة الزراعة أرسلت أسماء من لديهم مخالفات زراعية، كما أرسلت وزارة التربية والتعليم بيانات الأسر التي يدرس أبناؤها في مدارس دولية، وتم الاستناد إلى هذه البيانات في قرارات الاستبعاد، وقمت بالرد عليه أنت المسئول السياسي أمام الشعب وأمام الحكومة عن الدعم المتعلق بالتموين ووالعيش والمواطن لا يملك ثقافة التنقل بين الجهات الحكومية المختلفة، لذلك يجب أن يتم تفعيل الشباك الواحد وعليك أن تقوم بمخاطبة باقي الوزارات وإنهاء هذه الأزمة”، مشددًا على ضرورة أن تتحمل الوزارة مسؤولية إدارة ملف التظلمات بالكامل، دون إلزام المواطنين وإرهاقهم بالتنقل بين الجهات المختلفة لاستخراج المستندات والإفادات.
متى يُصحح الخطأ؟
تعددت الأسباب والنهاية واحدة إيقاف وصول الدعم لمستحقيه، وعشوائية وزارة التموين والتي تؤكد أن الأزمة لا تتعلق فقط باستبعاد بعض المستحقين من الدعم، بل بدقة البيانات التي تُبنى عليها هذه القرارات، ومع استمرار وزارة التموين في فحص التظلمات، يبقى الأمل بسرعة تصحيح الأخطاء وتعويض المتضررين من هذه العشوائية.







