
تدخل زامبيا مرحلة حاسمة من تاريخها السياسي مع اقتراب الانتخابات العامة، المقررة في 13 أغسطس 2026، في ظل منافسة تتجاوز كونها استحقاقًا انتخابيًا دوريًا لتصبح اختبارًا لمستقبل التوازن بين الحزب الحاكم والمعارضة، ولمدى قدرة النظام السياسي الزامبي على استيعاب التحولات التي شهدتها البلاد منذ انتقال السلطة عام 2021.
وقد أعاد إعلان المرشح الرئاسي ورئيس جهاز الاستخبارات الأسبق خافيير تشونغو انسحابه من السباق الانتخابي وتأييده لمرشح المعارضة برايان السياسية، في خطوة تعكس محاولة واضحة لإعادة توحيد صفوف المعارضة بعد سنوات من الانقسامات التي أعقبت هزيمة حزب الجبهة الوطنية في انتخابات 2021، ثم وفاة الرئيس السابق إدغار لونغو، الذي كان يمثل الشخصية الأكثر تأثيرًا داخل المعارضة.
ولا يقتصر تأثير هذا الانسحاب على الجانب الانتخابي فحسب، بل يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل التحالفات الحزبية، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، وقدرة الأخيرة على إنتاج بديل سياسي قادر على منافسة الرئيس هاكيندي هيشيليما، الذي يدخل الانتخابات مستندًا إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، في مقابل استمرار الضغوط المعيشية التي تمثل أبرز أوراق المعارضة.
السياق السياسي للانتخابات
منذ فوز هاكيندي هيشيليما في انتخابات 2021، سعت الحكومة إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا للإصلاح الاقتصادي واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية، خاصة بعد نجاحها في إعادة هيكلة جزء من جزء من الديون الخارجية، وتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي بدعم من ارتفاع أسعار النحاس، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الزامبي.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى نمو الاقتصاد خلال عام 2026 بنحو 4.3٪ مع تراجع معدل التضخم إلى نحو 6.5٪ وهو أدنى مستوى منذ سنوات.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لم تنعكس بالقدر نفسه على الأوضاع المعيشية، فما زالت شرائح واسعة من المواطنين تعاني من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتراجع القوة الشرائية، وهو ما منح المعارضة مساحة واسعة لانتقاد الحكومة، معتبرة أن الاستقرار المالي لم يتحول إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
في المقابل؛ واجهت حكومة هيشيليما انتقادات من بعض أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني بشأن البيئة السياسية، لا سيما بعد إقرار قانون الجرائم الإلكترونية والتعديلات الدستورية التي اعتبرها ينتقدون منحازة للحزب الحاكم، بينما تؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات تستهدف تحديث المنظومة القانونية وتعزيز الأمن والاستقرار.
دلالات انسحاب خافيير تشونغو
من الناحية الظاهرية، برر تشونغو انسحابه باستمرار احتجازه وعدم قدرته على إدارة حملة انتخابية وطنية، داعيًا أنصاره إلى التصويت لصالح برايان موندوبيل، لكن القراءة السياسية تشير إلى أن القرار يعكس تحولاً أعمق داخل المعارضة من مرحلة تعدد المرشحين إلى محاولة تركيز الأصوات خلف مرشح واحد قادر على تقليص الفجوة مع الحزب الحاكم.
وتاريخيًا تُظهر تجارب الانتخابات في أفريقيا أن المعارضة غالبًا ما تعاني من تشتت الأصوات أكثر من ضعف التأييد الشعبي، ولذلك يصبح بناء التحالفات الانتخابية ضرورة استراتيجية، خاصة عندما يتمتع الحزب الحاكم بميزة الموارد والتنظيم وشبكات النفوذ.
ومن هذا المنطلق؛ يمكن تفسير انسحاب تشونغو باعتباره إعادة تموضع سياسي تهدف إلى الحفاظ على تأثيره داخل معسكر المعارضة، بدلاً من الاستمرار في سباق تقل فيه فرص المنافسة الفعلية.
إعادة تشكيل المعارضة من التنافس الداخلي إلى منطق التحالف
لم يكن انسحاب خافيير تشونغو حدثًا معزولاً، بل جاء في سياق محاولات متزايدة لإعادة هيكلة المعارضة الزامبية قبل أسابيع قليلة من الانتخابات.
فمنذ هزيمة حزب الجبهة الوطنية (PF) في انتخابات 2021، عانت المعارضة من أزمة قيادة وتنظيم، تفاقمت مع رحيل الرئيس الأسبق إدغار لونغو، الذي كان يمثل الشخصية الأكثر قدرة على توحيد قواعد الحزب وحلفائه.
وفي هذا السياق، برز برايان موندوبيل باعتباره أحد أبرز الوجوه السياسية داخل معسكر المعارضة، مستفيدًا من خبرته البرلمانية وشبكة علاقاته داخل الأحزاب المعارضة.
وقد منح تأييد تشونغو لموندوبيل بعدًا سياسيًا يتجاوز مجرد إضافة أصوات انتخابية؛ إذ يبعث برسالة إلى الناخبين بأن المعارضة بدأت تدرك أن استمرار التنافس الداخلي يصب في مصلحة الحزب الحاكم.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوجه يظل مرهونًا بقدرة المعارضة على تجاوز الخلافات التنظيمية والشخصية، وتحويل التوافق بين القيادات إلى تنسيق فعلي على مستوى الحملات الانتخابية والدوائر المحلية، وهو أحد واحه العديد من التحالفات المعارضة في أفريقيا خلال العقد الأخير.
الاقتصاد.. العامل الحاسم في سلوك الناخب
رغم أن الحملات الانتخابية تركز على قضايا الحريات والإصلاح السياسي، فإن الاقتصاد يبقى المحدد الرئيسي لتوجهات الناخب الزامبي.
وقد نجحت حكومة الرئيس هاكيندي هيشيليما في تحقيق تقدم في ملف إعادة هيكلة الديون الخارجية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، كما استفادت من تحسن إنتاج النحاس، الذي يمثل المصدر الرئيسي لعائدات الدولة.
لكن المعارضة ترى أن هذه المؤشرات الكلية لم تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتكاليف الطاقة، والبطالة بين الشباب، وهو ما يجعل الملف الاقتصادي ساحة المنافسة الأهم خلال الانتخابات.
ومن ثم، فإن الناخب الزامبي سيجد نفسه أمام معادلة واضحة: هل يمنح الحكومة فرصة جديدة لاستكمال برنامجها الاقتصادي، أم يفضل منح المعارضة فرصة لتقديم بديل سياسي واقتصادي؟
هل تمتلك المعارضة فرصة حقيقية؟
تُظهر التجارب الانتخابية في زامبيا أن إسقاط الحزب الحاكم يتطلب توافر ثلاثة شروط رئيسية هم كالآتي:-
- توحيد المعارضة خلف مرشح واحد.
- وجود برنامج اقتصادي مقنع.
- قدرة تنظيمية على إدارة حملة انتخابية واسعة.
وفي ضوء هذه المعايير، فإن انسحاب تشونغو يمثل خطوة إيجابية للمعارضة، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحول جذري في موازين القوى.
فالحزب الحاكم ما زال يمتلك مزايا واضحة، تشمل الانتشار التنظيمي، وإدارة مؤسسات الدولة، والاستفادة من الإنجازات الاقتصادية التي يروج لها خلال الحملة الانتخابية.
في المقابل، تعتمد المعارضة على استثمار حالة السخط الشعبي تجاه تكاليف المعيشة، ومحاولة توحيد خطابها السياسي، مع تقديم الانتخابات باعتبارها فرصة لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية في البلاد.
الأبعاد الإقليمية والدولية
تحظي الانتخابات الزامبية باهتمام إقليمي ودولي، ليس فقط بسبب مكانة زامبيا في جنوب أفريقيا، وإنما لأنها تُعد من أكثر الدول استقرارًا سياسيًا في الإقليم.
وتتابع مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (SADC)، والاتحاد الأفريقي، وعدد من الشركاء الدوليين مسار العملية الانتخابية، باعتبارها مؤشرًا على مستقبل الديمقراطية في المنطقة.
كما أن استقرار زامبيا ينعكس على ملفات إقليمية عدة، من بينها أمن الحدود، والتجارة الإقليمية، وسلاسل توريد النحاس والمعادن الإستراتيجية، التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
السيناريوهات المحتملة لانتخابات أغسطس 2026
في ضوء المعطيات السياسية والاقتصادية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات الانتخابات العامة في زامبيا، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات تمثل تقديرات تحليلية وليست توقعات حاسمة.
السيناريو الأول:- فوز الرئيس هاكيندي هيشيليما بولاية ثانية “ السيناريو الأكثر ترجيحًا”
يستند هذا السيناريو إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار تفوق الحزب الحاكم تنظيميًا، واستفادة هيشيليما من تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، إضافة إلى الدعم الذي حظيت به حكومته من المؤسسات المالية الدولية بعد التقدم في إعادة هيكلة الديون وجذب الاستثمارات.
كما أن المعارضة، رغم محاولات توحيد صفوفها، ما زالت تواجه تحديات تتعلق بسرعة بناء حملة انتخابية موحدة وتحويل التفاهمات السياسية إلى عمل ميداني منظم، وإذا استمرت هذه الفجوة، فإن فرص إعادة انتخاب الرئيس الحالي تظل مرتفعة.
السيناريو الثاني: – تضييق الفارق الانتخابي
يفترض هذا السيناريو نجاح المعارضة في استثمار حالة الاستياء الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة، مع توظيف انسحاب خافيير تشونغو باعتباره خطوة نحو توحيد الصفوف.
في هذه الحالة، قد تشهد الانتخابات منافسة أكثر تقاربًا مقارنة بالاستحقاقات السابقة، حتى وإن لم تؤدِّ بالضرورة إلى تغيير السلطة، وسيكون هذا السيناريو مؤشرًا على تعافي المعارضة واستعادتها جزءًا من حضورها السياسي.
السيناريو الثالث:- إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد الانتخابات
حتى في حال فوز الحزب الحاكم، فإن الانتخابات قد تُنتج معارضة أكثر تنظيمًا، خاصة إذا نجحت التحالفات الجديدة في الحفاظ على تماسكها بعد إعلان النتائج.
ومن شأن ذلك أن يعيد رسم الخريطة الحزبية في زامبيا، ويفرض على الحكومة التعامل مع معارضة أكثر قدرة على التأثير داخل البرلمان والرأي العام، بما يعزز التنافس السياسي في السنوات المقبلة.
الاستنتاجات المتوقعة
تكشف تطورات المشهد الانتخابي في زامبيا، أن المنافسة الحالية لا تدور فقط حول اختيار رئيس جديد، بل تعكس تحولاً أعمق في بنية النظام الحزبي وآليات العمل السياسي.
فقد أظهر انسحاب خافيير تشونغو، أن المعارضة بدأت تميل إلى منطق التحالفات بدلاً من تعدد المرشحين، وهو تحول قد يعيد تشكيل التوازنات السياسية إذا استمر بعد الانتخابات.
في المقابل، يدخل الرئيس هاكيندي هيشيليما السباق مستندًا إلى سجل اقتصادي يرى مؤيدوه أنه حقق تقدمًا في استعادة الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات، بينما تؤكد المعارضة أن المواطن لم يلمس بعد تحسنًا كافيًا في مستوى المعيشة.
ومن ثم، فإن القرار النهائي سيعتمد بدرجة كبيرة على تقييم الناخبين لقدرة الحكومة على تحويل المؤشرات الاقتصادية إلى مكاسب اجتماعية ملموسة.
وتؤكد التجربة الزامبية مجددًا أن الانتخابات في الديمقراطيات الأفريقية أصبحت تتأثر بدرجة متزايدة بعوامل الأداء الاقتصادي، وقدرة الأحزاب على بناء تحالفات واسعة، ومستوى الثقة في المؤسسات، أكثر من اعتمادها على الاعتبارات التقليدية المرتبطة بالولاءات الحزبية.







