
تشهد زيمبابوي واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية منذ الإطاحة بالرئيس الراحل روبرت موجابي عام 2017، في ظل تصاعد الاحتجاجات الرافضة للتعديلات الدستورية التي تُفسَّر من قبل قوى المعارضة باعتبارها خطوة نحو إطالة أمد بقاء الرئيس إيمرسون منانجاجوا في السلطة، ورغم أن الحكومة تبرر هذه التعديلات بضرورات الاستقرار واستمرارية مؤسسات الدولة، فإن توقيتها، بالتزامن مع أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع الثقة في المؤسسات، أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مستقبل الشرعية السياسية وآليات انتقال السلطة.
ولا تقتصر أهمية الأزمة على بعدها الداخلي، إذ تأتي في سياق إقليمي يشهد تحديات متزايدة أمام الديمقراطية الدستورية في إفريقيا، وفي ظل تنافس دولي متصاعد على الموارد الاستراتيجية التي تمتلكها زيمبابوي، وعلى رأسها الليثيوم والبلاتين والذهب، ومن ثم، فإن تطورات المشهد السياسي في هراري ستكون ذات انعكاسات تتجاوز الحدود الوطنية لتطال معادلات التوازن في الجنوب الأفريقي، فضلاً عن حسابات القوى الدولية المنخرطة اقتصاديًا في البلاد.
منذ استقلال زيمبابوي عام 1980، ظل المشهد السياسي يتسم بسيطرة حزب زانو- الجبهة الوطنية على مؤسسات الدولة، مستندًا إلى شرعية تاريخية ارتبطت بدوره في حرب التحرير ضد نظام الأقلية البيضاء، غير أن هذه الشرعية تعرضت لتآكل تدريجي بفعل الأزمات الاقتصادية، وتراجع الأداء الحكومي، وتصاعد الاتهامات المتعلقة بتقييد المنافسة السياسية.
وعندما أطيح بروبرت موجابي عام 2017، اعتُبر وصول إيمرسون منانجاجوا فرصة لإعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا، عبر تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية، إلا أن السنوات التالية أظهرت أن بنية النظام السياسي لم تتغير بصورة جوهرية، حيث استمرت هيمنة الحزب الحاكم على مفاصل الدولة، بينما بقيت المعارضة تواجه تحديات تنظيمية ومؤسسية كبيرة.
وفي هذا السياق، جاءت الاحتياجات الأخيرة لتكشف أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالتعديلات الدستورية، وإنما تعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل النظام السياسي، وحدود الإصلاح، ومدى قدرة الدولة على إدارة انتقال السلطة بصورة تضمن الاستقرار وتحافظ في الوقت ذاته على الشرعية الدستورية.
أولاً: جذور الأزمة.. الشرعية في مواجهة الاستمرارية
لا يمكن تفسير الاحتجاجات الأخيرة بوصفها رد فعل مباشر على تعديل دستوري فحسب، إذ إن الأزمة ترتبط بتراكمات سياسية واقتصادية امتدت لسنوات.
فقد واجهت الحكومة تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة، وتفاقم البطالة إلى جانب استمرار الضغوط المعيشية، وهو ما أدى إلى تراجع الثقة الشعبية في قدرة الدولة على تحسين الأوضاع الاقتصادية.
في المقابل، ترى السلطة أن الحفاظ على الاستقرار السياسي يمثل أولوية في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة، وأن أي تغيير مفاجئ في بنية الحكم قد ينعكس سلبًا على الأمن الداخلي والاستثمارات الأجنبية.
ومن هذا المنطلق، تنظر الحكومة إلى التعديلات الدستورية باعتبارها وسيلة لضمان استمرارية السياسات العامة، غير أن المعارضة تعتبر أن المشكلة لا تكمن في مضمون التعديلات وحده، بل في الرسالة السياسية التي تحملها، والتي توحي بأن آليات تداول السلطة أصبحت أقل أولوية من الحفاظ على توازنات النخبة الحاكمة.
وهنا تبرز أزمة الشرعية باعتبارها جوهر الصراع، حيث يتنافس طرفان على تعريف مفهوم الاستقرار؛ فبينما تربطه السلطة باستمرار المؤسسات، تربطه المعارضة بضمان التنافس السياسي واحترام الحدود الدستورية للسلطة التنفيذية.
ثانيًا: الفاعلون الرئيسيون .. توازنات معقدة داخل المشهد السياسي
يظل حزب زانو- الجبهة الوطنية الفاعل الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية، ليس فقط بسبب سيطرته على البرلمان والحكومة، وإنما أيضًا نتيجة شبكة العلاقات التي تربطه بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارية.
لكن الأزمة الراهنة كشفت عن وجود تباينات داخل الحزب نفسه بشأن مستقبل القيادة السياسية، فمع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تزداد أهمية ملف الخلافة، ما يفتح المجال أمام تنافس غير معلن بين مراكز القوى المختلفة، وهو ما قد يجعل الضغوط الداخلية أكثر تأثيرًا من تحركات المعارضة.
أما المعارضة، فرغم استمرار معاناتها من الانقسام وضعف الموارد، فإنها استفادت من حالة التململ الشعبي لإعادة تنظيم صفوفها، معتمدة على خطاب يركز على الإصلاح الدستوري ومحاربة الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية، كما لعبت منظمات المجتمع المدني والنقابات دورًا متزايدًا في تعبئة الرأى العام، الأمر الذي منح الاحتجاجات بعدًا مجتمعيًا يتجاوز الإطار الحزبي.
ثالثًا: الأبعاد الإقليمية والدولية.. لماذا تحظى زيمبابوي بهذا الاهتمام؟
لا تنبع أهمية زيمبابوي من موقعها الجغرافي فحسب، وإنما أيضًا من امتلاكها احتياطيات ضخمة من المعادن الاستراتيجية، وفي مقدمتها الليثيوم، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في صناعة البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة النظيفة.
وقد عزز ذلك من الحضور الصيني داخل الاقتصاد الزيمبابوي، حيث استثمرت بكين خلال السنوات الأخيرة في مشروعات التعدين والبنية التحتية، في إطار استراتيجيتها لتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إلى زيمبابوي باعتبارها جزءًا من التنافس الدولي على الموارد والنفوذ في أفريقيا، مع استمرار الدعوات الغربية إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة والإصلاح السياسي، وبالتالي، فإن أي اضطراب طويل الأمد قد يؤثر في بيئة الاستثمار، ويفتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين النفوذ بين القوى الكبرى.
إقليميًا، تتابع مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي تطورات الأزمة بحذر، انطلاقًا من إدراكها أن استقرار زيمبابوي يمثل أحد عناصر استقرار الإقليم، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه عددًا من دول الجنوب الأفريقي.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الاحتواء والاستمرار “ الأكثر ترجيحًا”
تنجح الحكومة في احتواء الاحتجاجات عبر الإجراءات الأمنية، مع تقديم بعض المعالجات الاقتصادية المحدودة، بما يسمح باستمرار الوضع السياسي الراهن دون تغييرات جوهرية.
السيناريو الثاني: تصاعد الضغوط وإعادة التفاوض
تتوسع الاحتجاجات بالتزامن مع تزايد الخلافات داخل الحزب الحاكم، وهو ما قد يدفع السلطة إلى إطلاق حوار محدود مع بعض القوى السياسية لتخفيف حدة الاحتقان، دون المساس بالركائز الأساسية للنظام.
السيناريو الثالث: أزمة سياسية ممتدة
إذا اقترن التدهور الاقتصادي باتساع الانقسامات داخل النخبة الحاكمة، فقد تدخل البلاد مرحلة من عدم اليقين السياسي، بما ينعكس على الاستثمارات الأجنبية والاستقرار الداخلي، ويزيد من الضغوط الإقليمية والدولية.
تقدير الموقف
تشير المؤشرات الحالية إلى أن النظام السياسي في زيمبابوي لا يواجه خطر الانهيار في المدى القريب، نظرًا لاستمرار تماسك مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة الأمنية، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة، فجوهر التحدي يكمن في اتساع الفجرة بين قدرة النظام على فرض الاستقرار، وقدرته على تجديد شرعيته السياسية.
كما أن استمرار الأزمة الاقتصادية سيظل العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهات الرأي العام، إذ أن نجاح الحكومة في تحسين الأوضاع المعيشية قد يحد من زخم الاحتجاجات، بينما سيؤدي استمرار التراجع الاقتصادي إلى تعزيز خطاب المعارضة، حتى وإن ظلت قدرتها التنظيمية محدودة.
وعلى المستوى الخارجي، ستواصل القوى الإقليمية والدولية اتباع سياسة حذرة، إذ لا تبدو أي من الأطراف معنية بدفع البلاد نحو مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل أهمية زيمبابوي الاقتصادية وما تمتلكه من موارد استراتيجية تدخل في صلب المنافسة العالمية على المعادن الحيوية.
تكشف الأزمة الراهنة أن زيمبابوي تقف أمام مفترق طرق بين الحفاظ على الاستقرار المؤسسي، والاستجابة لمطالب الإصلاح السياسي فالمعادلة التي حكمت الحياة السياسية منذ الاستقلال، والقائمة على هيمنة حزب واحد، تواجه اليوم تحديات متزايدة بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتغيرات في البيئة الدولية.






