١٣ ملاحظة رقابية و٦٦ مليار جنيه فجوة تمويلية.. “المحاسبات” يفتح كشف حساب اقتصادية قناة السويس
اقتصادية قناة السويس: ماذا وراء أرقام الاستثمارات؟

التجديد لرئيس الهيئة يقترب.. وتقرير الجهاز المركزي للمحاسبات وشكاوى المستثمرين يفتحان كشف لقيادات الهيئة
نواب العدل فؤاد وهريدي وناصر سبق أن أثاروا ملفات تخص المستثمرين والمرافق والأداء والحوكمة
٢١٫١ مليار جنيه موازنة استثمارية.. و١٥٫٤ مليارًا تنفيذ فعلي.. أين ذهبت الـ٥٫٧ مليار؟
مع اقتراب موعد التجديد السنوي لرئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، المهندس وليد جمال الدين، تبدو الصورة أمام الحكومة أكثر تعقيدًا من مجرد استعراض حصيلة الاستثمارات والاتفاقيات التي نجحت الهيئة في جذبها خلال السنوات الماضية، حيث يفرض تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات بشأن الحساب الختامي لموازنة الهيئة للسنة المالية 2024/2025 مجموعة من التساؤلات حول الأداء المالي والإداري، ومدى كفاءة تنفيذ المشروعات، وحل مشكلات المستثمرين والمرافق والطاقة.
وبينما نجحت المنطقة الاقتصادية في جذب استثمارات جديدة، وتحولت مناطق مثل السخنة والقنطرة غرب وشرق بورسعيد إلى مراكز أكثر حضورًا على خريطة الصناعة والاستثمار، فإن تقييم استمرار الإدارة الحالية يحتاج إلى النظر في الجانب الآخر من الصورة، والمتعلق بما تم تنفيذه فعليًا من الاستثمارات المعلنة، وعدد المصانع التي دخلت مرحلة التشغيل، والمشروعات التي لا تزال تنتظر المرافق والطاقة، فضلًا عن آليات إدارة العلاقة مع المستثمرين.

13 ملاحظة من “المركزي للمحاسبات”
وفقًا للتقرير الخاص بالحساب الختامي لموازنة الهيئة للسنة المالية 2024/2025، رصد الجهاز المركزي للمحاسبات 13 ملاحظة رقابية، تتعلق بعدد من الملفات المالية والإدارية والاستثمارية.
واللافت في عدد من هذه الملاحظات أن الجهاز سجل مخالفات أو ملاحظات، بينما ردت الهيئة بالإشارة إلى إجراءات تم اتخاذها أو تعتزم اتخاذها، إلا أن الجهاز تمسك في أكثر من حالة بملاحظاته، لعدم اكتمال المعالجة حتى تاريخ الفحص.
وتفتح هذه الملاحظات الباب أمام تساؤلات حول مدى كفاءة منظومة التخطيط والرقابة الداخلية، وقدرة الهيئة على التعامل مع الملاحظات الرقابية وإغلاقها بصورة فعلية، وليس فقط من خلال الردود أو التعهدات باتخاذ إجراءات مستقبلية.

66 مليار جنيه فجوة تمويلية
من أبرز الأرقام التي تضمنها التقرير وجود فجوة تمويلية تقدر بنحو 66 مليار جنيه، في ظل عدم حسم بروتوكولات تمويل مرتبطة بإعادة تخصيص مساحات من الأراضي، ويتضمن الموقف المالي للهيئة قرضًا قائمًا من البنك الأهلي المصري بقيمة 10 مليارات جنيه، إلى جانب موافقة مجلس الإدارة على قرض آخر من البنك التجاري الدولي بقيمة 30 مليار جنيه لمدة 17 عامًا.
وتفرض هذه الأرقام تساؤلات حول استدامة النموذج المالي للهيئة، وتكلفة التمويل، والتدفقات النقدية اللازمة لتغطية الالتزامات، والعائد المتوقع من الأصول والمشروعات التي يجري تمويلها من خلال هذه القروض.
٢١.١ مليار جنيه موازنة استثمارية و١٥.٤ مليارًا تنفيذ فعلي
وتكشف أرقام الموازنة الاستثمارية جانبًا آخر من التحديات، إذ بلغت الموازنة الاستثمارية المعتمدة نحو ٢١.١ مليار جنيه، مقابل تنفيذ فعلي بلغ نحو ١٥.٤ مليار جنيه، بفارق يقارب ٥.٧ مليار جنيه.
ولم تتوقف ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات عند عدم تنفيذ كامل الموازنة، إذ رصد مشروعات مدرجة لم تنفذ بقيمة تقارب ٣.٤ مليار جنيه، في حين جرى الإنفاق على مشروعات استثمارية لم تكن لها اعتمادات بنحو ملياري جنيه، فضلًا عن تنفيذ بعض المشروعات بتكلفة تجاوزت الاعتمادات المقررة بنحو ٥٩٥.٧ مليون جنيه.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات مباشرة حول جودة التخطيط الاستثماري، وأسباب عدم تنفيذ بعض المشروعات المدرجة، ومدى الالتزام بالاعتمادات والخطط المعتمدة.

الكهرباء أزمة تبدأ من المرافق
وتبرز الطاقة والمرافق كأحد الملفات الأكثر حساسية في تقييم أداء المنطقة الاقتصادية، خاصة مع شكاوى عدد من الشركات من صعوبات مرتبطة بتوفير الطاقة والمرافق الأساسية.
وفي منطقة القنطرة غرب، يشير تقرير الجهاز إلى وجود عقد لتوفير شبكة الجهد المتوسط والمنخفض وموزع الكهرباء وإنارة الشوارع الداخلية يعود إلى عام 2008، بقيمة تقارب 38.9 مليون جنيه، سدد منها أكثر من 80%، ومع ذلك لم يكن التيار الكهربائي قد أطلق للمستثمرين حتى تاريخ التقرير، كما لم تتوافر حلول بديلة كافية لحين حسم المشكلة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة، باعتبار أن الكهرباء والمرافق ليست خدمات هامشية بالنسبة للمناطق الصناعية، وإنما تمثل شرطًا أساسيًا لتشغيل المصانع وتحقيق الاستثمارات المستهدفة.
شركة للمرافق.. لكن المشكلة مستمرة
وفي الوقت الذي أنشأت فيه الهيئة شركة للمنطقة الاقتصادية للبنية التحتية والمرافق، فإن التقرير يثير تساؤلات حول حجم ما تحقق فعليًا على الأرض، وأشار الجهاز إلى أن الهيئة لم تكن قد استكملت، حتى تاريخ الفحص، الحصول على رخصة توزيع الكهرباء في شرق بورسعيد، كما أن نحو ١٣٨.٦ مليون جنيه من المتحصلات المرتبطة باستهلاك الكهرباء وتخصيص الخلايا لم تدخل ضمن إيرادات العام، بسبب عدم استكمال الإجراءات، في الوقت الذي لم تكن فيه الرخصة قد صدرت باسم شركة المرافق حتى تاريخ التقرير.
وهنا يبرز السؤال حول الدور الفعلي للشركة: كم مصنعًا تم توصيل الكهرباء إليه؟ وكم مشكلة مرافق تم حلها؟ وما الجدول الزمني لإنهاء المشكلات القائمة؟

مركز تسوية المنازعات نص قانوني بلا تفعيل
ولا تتوقف الملاحظات عند المرافق والتمويل، إذ تمتد إلى آليات إدارة العلاقة مع المستثمرين، فالقانون رقم 83 لسنة 2002 بشأن المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة خصص الفصل السادس، في المواد من 51 إلى 57، لإنشاء مركز لتسوية المنازعات داخل المنطقة.
ورغم ذلك، وبعد سنوات من إنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بصورتها الحالية، لا يزال مركز تسوية المنازعات المنصوص عليه قانونًا غير مفعل، وفق ما تثيره المادة محل التقرير، ويطرح ذلك تساؤلًا حول مدى اتساق الحديث عن “الشباك الواحد” و”اليقين القانوني” مع عدم تفعيل الآلية التي يفترض أن توفر مسارًا مؤسسيًا واضحًا وسريعًا لحل النزاعات بين الهيئة والمستثمرين.
فالمستثمر يحتاج إلى جهة واضحة للتعامل، ومدد زمنية محددة للرد، وآلية لتصعيد المشكلات، ومسار سريع لتسوية النزاع عند تعذر الحلول الإدارية.
1.3 مليار جنيه مكافآت نهاية الخدمة
وتضمن تقرير الجهاز ملاحظة أكثر حساسية تتعلق بنحو 1.3 مليار جنيه مرتبطة بمكافآت نهاية الخدمة لبعض العاملين، رغم الحظر الوارد بالتأشيرات العامة للهيئات الاقتصادية، وتمسك الجهاز بملاحظته بشأن الواقعة، وهو ما يثير تساؤلات حول الأساس القانوني للصرف، والجهة التي أجازته، وما إذا كانت الهيئة قد اتخذت إجراءات لتصحيح الوضع وتحديد المسؤولية المالية والإدارية.
44.5 مليون متر في ملف أراضي العين السخنة
وفي ملف الأراضي، أحالت الهيئة المسؤول عن القطاع القانوني إلى النيابة الإدارية في القضية رقم 51 لسنة 2025، بشأن ما شاب اتفاقيات تسوية الأوضاع القانونية لأراضٍ لبعض المستثمرين الصناعيين في العين السخنة، بمساحة إجمالية تقارب 44.5 مليون متر مربع.
وطالب الجهاز باتخاذ إجراءات تصحيحية تشمل رد المساحات التي تم استنزالها دون وجه حق ومحاسبة المتسبب، بينما أشار إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الهيئة حتى تاريخ التقرير اقتصرت على المسار القانوني دون اتخاذ إجراءات تعيد التوازن المالي لهذه التسويات.
وهنا تبرز أسئلة أخرى حول ما انتهت إليه القضية، وما تم استرداده فعليًا، ومدى معالجة الآثار المالية المترتبة على هذه التسويات.
“العدل” يفتح ملفات المنطقة الاقتصادية
ولا تأتي هذه التساؤلات بمعزل عن النقاش البرلماني حول أداء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إذ سبق لنواب حزب العدل، ومن بينهم محمد فؤاد وحسين هريدي وأحمد ناصر، استخدام أدواتهم البرلمانية لطرح ملفات مرتبطة بالمنطقة، شملت قضايا المستثمرين والمرافق والأداء والحوكمة.
وكان أخر هذه الأوات السؤال الذي تقدم به حسين هريدي إلى رئيس مجلس الوزراء، حول الملاحظات الواردة بتقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس للعام المالي 2024/2025، والإجراءات المتخذة لمعالجتها وحماية حقوق الدولة.

وأكد هريدي أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل أحد الأصول الاستراتيجية للدولة، لما لها من دور في جذب الاستثمارات ودعم الصناعة والخدمات اللوجستية وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة، مشيرًا إلى أن تقرير الجهاز تضمن ملاحظات مالية وإدارية وتشغيلية، بينها عدم حسم بعض الملفات المالية، وعدم إثبات بعض الأصول والأراضي، وضعف العائد من بعض الاستثمارات، وتأخر مشروعات البنية الأساسية، واستمرار التعديات على أراضي الهيئة.
وطالب النائب الحكومة بالكشف عن أسباب استمرار هذه الملاحظات، خاصة ما تكرر منها في تقارير سابقة، وتحديد المسؤولية عن أوجه القصور، فضلًا عن بيان الإجراءات المتخذة لتنفيذ توصيات الجهاز المركزي للمحاسبات.
كما تساءل هريدي عما إذا أسفرت تلك الإجراءات عن استرداد حقوق مالية للدولة أو إحالة وقائع ومسؤولين إلى جهات التحقيق، مؤكدًا ضرورة التعامل الجاد مع الملاحظات الرقابية لضمان حماية المال العام وتعظيم العائد من أصول الدولة.
ويأتي تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات ليضيف إلى هذه التساؤلات مادة رقابية رسمية مدعومة بأرقام وملاحظات محددة.
الاستثمار المعلن ليس وحده معيار النجاح
وبعيدًا عن الجدل حول حصيلة الاستثمارات التي نجحت المنطقة الاقتصادية في جذبها، فإن معيار تقييم الأداء لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الاتفاقيات أو الوفود أو الاستثمارات المتعاقد عليها، فالمؤشرات الأكثر أهمية تتمثل في حجم الاستثمارات التي تحولت بالفعل إلى مشروعات قائمة، وعدد المصانع التي بدأت الإنتاج، وحجم الصادرات، وعدد الوظائف التي تم توفيرها، والمدة التي يستغرقها المستثمر من تخصيص الأرض حتى بدء التشغيل، فضلًا عن عدد المصانع التي تنتظر الكهرباء أو المرافق.
كما تشمل مؤشرات الأداء عدد شكاوى المستثمرين، والمدة التي تستغرقها الهيئة لحلها، وعدد النزاعات القائمة، ومدى تفعيل الآليات القانونية المخصصة لتسويتها.
التجديد أمام اختبار “كشف الحساب”
لا يمكن إنكار أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نجحت خلال السنوات الماضية في جذب استثمارات والترويج لمناطقها الصناعية، كما أن إدارة المهندس وليد جمال الدين بذلت جهودًا في التواصل مع المستثمرين والترويج للمنطقة خارجيًا.
لكن هذه الجهود تظل جزءًا من مهام الهيئة، ولا تلغي الحاجة إلى تقييم شامل لأداء الإدارة من زاوية أخرى، تتعلق بإدارة الأراضي والأصول والاستثمارات والموارد العامة، وسرعة توفير المرافق، وحل مشكلات المستثمرين، والانضباط المالي، والتعامل مع ملاحظات الأجهزة الرقابية.
ومع اقتراب موعد التجديد، تبدو الحاجة قائمة إلى كشف حساب يقارن بين ما أعلنته الهيئة وما تم تنفيذه فعليًا، والأموال التي أنفقت والعائد الذي تحقق، والاستثمارات التي تم التعاقد عليها وتلك التي دخلت مرحلة التشغيل، فضلًا عن المشروعات التي تأخرت والملاحظات الرقابية التي تم إغلاقها بالفعل.

وفي النهاية، لا يصبح السؤال فقط: ماذا أعلنت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا أنجزت فعليًا؟ وماذا تعطل؟ ومن المسؤول؟
وقبل اتخاذ قرار التجديد، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت هذه هي نتائج تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، وإذا كانت مشكلات الطاقة والمرافق والمستثمرين ما زالت قائمة، وإذا كانت آلية تسوية المنازعات المنصوص عليها قانونًا لم تفعل حتى الآن، فعلى أي مؤشرات أداء سيبنى قرار التجديد؟






