
رامي محسن: مساعدة المواطنين جزء أصيل من دور الأحزاب.. ولا يجب أن تظهر فقط وقت الانتخابات
مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تحولت معارض “أهلاً مدارس” إلى واحدة من أبرز ساحات الحضور الجماهيري للأحزاب السياسية، خاصة الأحزاب الكبرى الموالية على رأسها مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الديمقراطية، التي كثفت من تنظيم الفعاليات الخدمية في المحافظات لتوفير الأدوات والمستلزمات والملابس المدرسية بأسعار مخفضة، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء عن الأسر المصرية في موسم ترتفع فيه النفقات بشكل ملحوظ.
وبينما تلقى هذه المبادرات ترحيبًا من قطاعات واسعة من المواطنين، باعتبارها توفر احتياجات أساسية بأسعار مناسبة وتقدم دعمًا مباشرًا للأسر، فإن توسع الأحزاب في هذا النوع من الأنشطة يفتح في المقابل نقاشًا حول طبيعة الدور الذي يفترض أن تؤديه الأحزاب السياسية، وحدود الفصل بين العمل الحزبي والعمل الخدمي، وما إذا كانت هذه المبادرات تمثل ممارسة مجتمعية مشروعة لتعزيز التواصل مع المواطنين، أم تتحول تدريجيًا إلى وسيلة لبناء الشعبية والحضور الانتخابي خارج الإطار السياسي والتشريعي.

ويرى منتقدون أن التوسع في تقديم الخدمات المباشرة للفئات الأكثر احتياجًا يعيد إلى الأذهان، من حيث الشكل، أحد الأساليب التي اشتهرت بها جماعة الإخوان المسلمين على مدار سنوات، عبر ربط الحضور السياسي بتقديم الخدمات والمساعدات للمواطنين، وهو ما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت الأحزاب الحالية تعيد إنتاج هذا النهج بصورة جديدة، رغم اختلاف السياق والمرجعيات، وما إذا كان دور الحزب السياسي يجب أن يتجاوز تقديم الخدمة المباشرة إلى العمل على صياغة السياسات والتشريعات التي تعالج أسباب الأزمات من جذورها.

قال محمد سامي، الرئيس الشرفي لحزب الكرامة، إن تنظيم بعض الأحزاب لمعارض “أهلاً مدارس” وتقديم مستلزمات دراسية بأسعار مخفضة للمواطنين يمثل خطوة إيجابية، مؤكداً أن تقديم الخدمات للمواطنين لا ينبغي رفضه لمجرد أن جماعة الإخوان سبق أن اتبعت هذا الأسلوب.
وأوضح سامي في تصريحات لـ”ليبرالي” أن “كون جماعة الإخوان كانت تنظم مثل هذه الأنشطة لا يعني أن ذلك مبرر لرفضها أو انتقادها”، مشيراً إلى أن الجماعة قدمت خلال فترات سابقة مجموعة من الخدمات للمواطنين، إلى جانب ممارسات أخرى كانت محل خلاف، وأنه لا ينبغي الخلط بين الأمرين.
وأضاف أن جماعة الإخوان استطاعت في وقت من الأوقات توظيف الخدمات التي قدمتها في بناء صورة وسمعة لدى قطاعات من المواطنين، وهو ما ساعدها على تحقيق حضور انتخابي واسع والسيطرة على مجالس عدد من النقابات المهنية.

وأشار الرئيس الشرفي لحزب الكرامة إلى أن الإخوان تمكنوا من الوصول إلى نقابات مثل المهندسين والمحامين والأطباء، بينما كان اختراق نقابة الصحفيين أكثر صعوبة، معتبراً أن الخدمات التي قدمتها الجماعة كانت أحد العوامل التي ساعدتها في بناء هذا الحضور.
وأكد سامي أنه “عندما أجد حزباً استطاع، بوسيلة أو بأخرى، أن يلتفت إلى خدمة البسطاء، فأنا أحييه، أياً كان خلافي معه أو تحفظاتي عليه، وأياً كانت رؤيتي لطريقة حصوله على هذه الموارد”.
وتابع: “التفات الحزب إلى مساندة البسطاء في بداية الموسم الدراسي وتوفير احتياجاتهم يمثل لفتة طيبة تستحق الثناء”، مشدداً على أن تقييم هذه المبادرات يجب أن ينطلق من مدى استفادة المواطنين منها، بعيداً عن هوية الحزب الذي ينظمها أو الخلافات السياسية معه.
ومن جانبه، قال رامي محسن، رئيس المركز الوطني للاستشارات البرلمانية، إن دور الأحزاب السياسية لا يقتصر على ممارسة العمل السياسي، وإنما يمتد إلى القيام بدور مجتمعي، مؤكداً أن المبادرات التي تنظمها بعض الأحزاب لمساعدة المواطنين في ظل ارتفاع الأسعار تعد دوراً محموداً يستحق الدعم والتشجيع.
وأوضح محسن أن هذه المبادرات لا ترتبط في الوقت الراهن بأي استحقاق انتخابي، ولا تستهدف الترويج لانتخابات أو شراء أصوات، وإنما تأتي في إطار الدور المجتمعي للأحزاب ومساندتها للمواطنين، مشيراً إلى أن ما تقوم به بعض الأحزاب حالياً يمثل جانباً أصيلاً من عملها.

وأضاف أن هذه المبادرات تترك في النهاية لتقييم المواطن، كما تعكس مدى حضور الحزب وتفاعله مع المواطنين على الأرض، لافتاً إلى أن قيام الأحزاب بهذه الأدوار يسهم في خلق حلقة وصل بينها وبين المواطنين.
ودعا رئيس المركز الوطني للاستشارات البرلمانية مختلف الأحزاب إلى تبني مبادرات مماثلة، وعدم اقتصار حضورها على فترات الانتخابات أو المناسبات السياسية والمطالب الفئوية.
وأكد أن الدور المجتمعي للأحزاب يجب أن يكون مستمراً على مدار العام، سواء من خلال تنظيم معارض لبيع مستلزمات المدارس بأسعار مخفضة، أو إقامة شوادر لبيع المنتجات بأسعار مناسبة، أو توفير البطاطين، إلى جانب مساعدة الفئات الأكثر احتياجاً والفقراء، مشدداً على أن ذلك يمثل جزءاً كبيراً من دور الأحزاب إلى جانب ممارسة العمل السياسي.
وفيما يتعلق بأوجه التشابه بين المبادرات التي تنظمها بعض الأحزاب حالياً وما كانت تقوم به جماعة الإخوان المسلمين، قال محسن: “شتان ما بين الاثنين”، موضحاً أن هناك اختلافاً جوهرياً بين طبيعة الدورين.
وأشار إلى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت، بحسب رؤيته، توجه جانباً من خدماتها إلى المنتمين إليها أو المتعاطفين معها، بينما تستهدف المبادرات الحزبية الحالية المواطنين بصورة عامة دون قصر الاستفادة منها على أعضاء الحزب.
وأضاف أن الإخوان كانوا يربطون ما يقدمونه من خدمات بخطاب ديني، وتوظيف تلك المساعدات في إطار مشروعهم السياسي والفكري، بينما تقوم الأحزاب حالياً بتقديم خدماتها للمواطنين تحت مظلة الحزب، دون ربطها بأي نشاط ديني أو خطاب يتعلق بالدين.
وشدد محسن على أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة الهدف من هذه المبادرات وآلية تقديمها، مؤكداً أهمية استمرار الأحزاب في أداء دورها المجتمعي والتواجد بين المواطنين، بما يعزز ثقة الشارع في العمل الحزبي ويعيد للأحزاب حضورها خارج مواسم الانتخابات.

من جانبها، قالت النائبة السابقة مارجريت عازر ، نائب عميد معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الوفد، إن الحزب السياسي القوي لا ينبغي أن يكتفي بتقديم “مسكنات مؤقتة” لمواجهة الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وإنما عليه أن يستخدم جميع أدواته البرلمانية والسياسية والرقابية لمعالجة أسباب الأزمة وحماية المواطن بصورة مستدامة.
وقالت عازر إن الأحزاب، من خلال أعضائها في البرلمان، مطالبة بتفعيل دورها الرقابي بصورة أكبر، عبر تقديم طلبات الإحاطة والاستجوابات للحكومة بشأن ارتفاع أسعار السلع، ومتابعة أداء الأجهزة الرقابية ومدى قيامها بدورها في ضبط الأسواق، إلى جانب مساءلة الجهات المسؤولة عن الاحتكار والممارسات التي تضر بالمنافسة.
وأضافت أن الدور الرقابي لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بوقوع الأزمات فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى المتابعة الدورية للأسواق والأسعار، بما يسمح برصد أي تحركات غير مبررة في أسعار السلع والتدخل في الوقت المناسب قبل تفاقم الأزمة.
وأشارت إلى أهمية أن تعمل الأحزاب على إنشاء “مرصد حزبي للأسعار”، يتولى متابعة حركة أسعار السلع بصورة مستمرة، ورصد الزيادات غير المبررة، وإعداد تقارير يمكن الاستناد إليها في الرقابة البرلمانية والسياسية، مؤكدة أن هذه الخطوة يمكن أن تمثل أداة مهمة لربط العمل الحزبي بمشكلات المواطنين اليومية.
وشددت عازر على أن الأفضل هو الجمع بين الدور الخدمي العاجل والدور السياسي والرقابي طويل المدى، موضحة أن الأحزاب يمكنها التحرك عبر مسارين متوازيين؛ الأول عاجل يتمثل في توفير منافذ مؤقتة للسلع بأسعار مناسبة خلال الأزمات والمواسم، والثاني استراتيجي يعتمد على الرقابة البرلمانية، وإنشاء مراصد متخصصة للأسعار، والعمل على تطوير التشريعات ومتابعة أداء السوق بشكل مستمر.
وأكدت أن الهدف في النهاية يجب ألا يكون دفع المواطن إلى انتظار «منفذ حزب» للحصول على سلعة بسعر عادل، وإنما العمل على معالجة أسباب ارتفاع الأسعار وضمان وجود سوق منضبط ومنافسة حقيقية، بما يجعل حصول المواطن على السلعة بالسعر العادل أمرًا طبيعيًا ومستدامًا، وليس مرتبطًا بمبادرة مؤقتة من أي حزب.






