مقالات

من 11 سبتمبر إلى غزة وطهران ومصر تدفع ثمن حروب لم تُشعلها

في بعض الاحداث لا ينتهي اثرها بانتهاء يومها. وهجمات 11 سبتمبر واحدة من هذه الاحداث. فقد وقعت الجريمة في الولايات المتحدة قبل خمسة وعشرين عاما لكن تداعياتها لم تتوقف عند حدودها بل امتدت الى منطقتنا العربية وفتحت ابوابا لحروب وتدخلات وسقوط دول وتغير تحالفات ما زالت الشعوب تدفع ثمنها حتى اليوم.

موقفنا من الارهاب واضح ولا يحتاج الى مواربة. استهداف المدنيين جريمة كاملة لا تبرير لها ايا كان مرتكبها وايا كان الشعار الذي يرفعه. لا توجد قضية سياسية او دينية تمنح جماعة او دولة الحق في قتل الابرياء. لكن ادانة الارهاب لا تعني منح اي قوة دولية تفويضا مفتوحا لخوض الحروب او اسقاط الدول او تفكيك مؤسساتها او فرض خرائط جديدة على شعوبها.

السؤال الحقيقي بعد خمسة وعشرين عاما ليس فقط من ارتكب هجمات 11 سبتمبر. السؤال الاهم هو ماذا فعل العالم بهذه الجريمة. هل واجه الارهاب بالقانون والعدالة ام استخدمه مدخلا لحروب تجاوزت اهدافها المعلنة وتحولت الى مشروع لاعادة تشكيل المنطقة بالقوة.

بعد 11 سبتمبر بدأت الحرب في افغانستان ثم جاء غزو العراق. قيل ان الهدف هو حماية العالم ونشر الديمقراطية لكن النتيجة كانت انهيار مؤسسات دول وظهور جماعات مسلحة واتساع التدخلات الخارجية وملايين الضحايا والنازحين.

العراق لم يكن مسؤولا عن هجمات 11 سبتمبر ومع ذلك دفع ثمنا هائلا. جرى غزو الدولة وتفكيك مؤسساتها وفتح المجال امام الفراغ الامني والانقسام والتدخل الخارجي. وما حدث في العراق يجب ان يظل درسا حاضرا امامنا. اسقاط الدولة لا يعني اسقاط ازماتها. وتفكيك المؤسسات لا يصنع الديمقراطية. والفراغ الذي تتركه الدولة تملؤه الفوضى والجماعات المسلحة والقوى الخارجية.

هذه الحقيقة تفسر كثيرا مما جرى في المنطقة خلال السنوات التالية. فالدول التي ضعفت مؤسساتها اصبحت ساحات مفتوحة للصراع. والحدود التي فقدت قدرتها على الحماية تحولت الى ممرات للسلاح والهجرة والجماعات المسلحة. والشعوب التي وعدت بالحرية وجدت نفسها امام الفقر والنزوح وانعدام الامن وتدخلات لا تنتهي.

مصر كانت من اكثر الدول ادراكا لهذه الحقيقة. ولذلك جاء موقفها داعما لوحدة الدول ومؤسساتها الوطنية ورافضا لتحويل المنطقة الى كيانات ضعيفة متصارعة. مصر لم تصنع حروب افغانستان والعراق ولم تشعل ازمات ليبيا وسوريا واليمن والسودان لكنها تحملت نتائجها بحكم موقعها ومسؤوليتها وثقلها العربي والافريقي.

تحملت مصر اعباء امنية على حدودها وضغوطا انسانية بسبب موجات النزوح وتحديات اقتصادية بسبب اضطراب التجارة والطاقة والملاحة وعبئا سياسيا ودبلوماسيا في التعامل مع ازمات متتالية. ومع ذلك لم تتخل عن دورها ولم تغلق ابوابها امام الاشقاء ولم تتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة للمغامرة او فرصة للنفوذ.

في ليبيا كان الموقف المصري واضحا في الدفاع عن وحدة الدولة ورفض تحويلها الى ساحة مفتوحة للمرتزقة والجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية. وفي السودان تحملت مصر اعباء انسانية وسياسية وامنية كبيرة مع تمسكها بوحدة السودان ومؤسساته ورفض تفكيك الدولة. وفي كل هذه الملفات كانت الرسالة المصرية واحدة وهي ان انهيار الدولة لا يمكن ان يكون طريقا الى الاستقرار.

وفي غزة ظهر الدور المصري في اكثر صوره تعقيدا. مصر لم تتعامل مع الحرب باعتبارها ازمة انسانية منفصلة عن جذورها السياسية. القضية الفلسطينية في جوهرها قضية احتلال وحقوق وطنية وشعب يتعرض للقتل والتهجير وتدمير مقومات الحياة.

تحملت مصر مسؤولية فتح المسارات الانسانية وادخال المساعدات والتفاوض على وقف اطلاق النار ورفض التهجير والحفاظ على بقاء الفلسطينيين في ارضهم. وهذا الدور لم يكن بلا كلفة. فمصر واجهت حدودا ملتهبة وضغوطا سياسية متعارضة واحتياجات انسانية متزايدة وتداعيات مباشرة على امنها القومي واقتصادها.

الموقف المصري من غزة ليس موقفا عاطفيا او اعلاميا فقط. هو موقف سياسي وامني مرتبط بالامن القومي المصري والامن العربي ومستقبل المنطقة كلها. قبول التهجير يعني فتح باب خطير لا يمكن السيطرة على نتائجه. وقبول تدمير المدن والمستشفيات والبنية الاساسية يعني تحويل المدنيين الى اداة ضغط. وقبول افلات الاحتلال من المحاسبة يعني اضعاف القانون الدولي في كل مكان.

وفي الوقت نفسه فان دعم الحق الفلسطيني لا يتعارض مع رفض استهداف المدنيين ايا كان الفاعل. مصر لا تحتاج الى ازدواجية في موقفها. هي تدافع عن الشعب الفلسطيني وترفض الاحتلال والتهجير والعقاب الجماعي وتتمسك في الوقت نفسه بالقانون ورفض قتل المدنيين. وهذا هو جوهر الموقف السياسي المسؤول الذي لا يخلط بين مقاومة الاحتلال واستهداف الابرياء ولا يسمح باستخدام القانون لتبرير الاحتلال.

اما الحرب الامريكية الايرانية الدائرة حاليا فهي تؤكد ان المنطقة لم تخرج من منطق القوة الذي ترسخ بعد 11 سبتمبر. مرة اخرى تتحول المنطقة الى مسرح لمواجهة بين قوى كبرى بينما يدفع المدنيون الثمن وتتعرض الممرات البحرية والطاقة والاقتصاد العالمي لمخاطر كبيرة.

هذه الحرب ليست بعيدة عن مصر. فاي تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس على الخليج والعراق وسوريا واليمن والبحر الاحمر وقناة السويس. كما يضغط على التجارة والطاقة ويرفع تكلفة النقل والتامين وقد يفتح جبهات جديدة يصعب احتواؤها.

مصر ليست مطالبة بالدخول في حرب لا تخدم مصالحها. لكنها في الوقت نفسه لا تقف موقف المتفرج. فحماية الامن القومي المصري تعني حماية الملاحة ومنع اتساع الصراع ودعم خفض التصعيد ورفض استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والدفع نحو مسار سياسي يمنع تحول المواجهة الى حرب اقليمية شاملة.

الدور المصري هنا ليس دورا محايدا بين الحق والباطل ولا دور متفرج على ازمات المنطقة. مصر تتحرك من مصالحها وامنها القومي لكنها تدرك ان حماية هذه المصالح تحتاج الى التوازن والحوار والقدرة على التفاوض بقدر ما تحتاج الى القوة.

مصر تملك عناصر تجعلها قادرة على اداء هذا الدور. موقعها الجغرافي وخبرتها التاريخية وعلاقاتها بمختلف الاطراف وثقلها العربي وقدرتها على التواصل مع اطراف لا تستطيع دول اخرى الوصول اليها. وهذه العناصر تمنح مصر مساحة للحركة لكنها تضع عليها ايضا مسؤولية كبيرة في منع الانزلاق الى حرب اوسع.

وفي البحر الاحمر لا يمكن فصل امن الملاحة عن طبيعة الازمات السياسية والامنية في المنطقة. اي اضطراب في البحر الاحمر او باب المندب ينعكس على قناة السويس والتجارة الدولية واسعار الطاقة والغذاء. لذلك فان حماية الملاحة ليست قضية تجارية فقط بل جزء من الامن القومي المصري والاقليمي.

ومصر التي تحملت كثيرا من اعباء المنطقة لا يجب ان تتحمل وحدها مسؤولية حمايتها. المطلوب تضامن عربي حقيقي لا يقتصر على البيانات بل يتحول الى سياسات ومواقف ودعم اقتصادي وانساني وسياسي. ما يحدث في غزة والسودان وليبيا وسوريا واليمن والبحر الاحمر ليس شانا مصريا منفردا بل مسؤولية عربية مشتركة.

كما ان المجتمع الدولي مطالب بمراجعة سياساته. لا يمكن مكافحة الارهاب مع تجاهل الاحتلال. لا يمكن الدفاع عن حقوق الانسان بمعايير مزدوجة. لا يمكن الحديث عن القانون الدولي بينما يتم تعطيله عندما يتعلق الامر بحليف قوي. ازدواجية المعايير اضعفت الثقة في المؤسسات الدولية وساهمت في خلق بيئة يستغلها المتطرفون لتبرير العنف وتجنيد الغاضبين.

الامن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها. يحتاج الى عدالة واحترام للسيادة وحماية للمدنيين وانهاء الاحتلال ومعالجة جذور الفقر والتهميش وبناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية مجتمعاتها. اما تحويل كل ازمة الى ملف امني وكل شعب الى تهديد وكل خلاف الى مبرر للحرب فلن يؤدي الا الى مزيد من الانفجار.

بعد ربع قرن من 11 سبتمبر اصبحت المنطقة تحمل ارثا ثقيلا من الحروب. شعوب نزحت ودول تفككت واقتصادات انهكت ومؤسسات ضعفت وجماعات مسلحة توسعت وتدخلات خارجية اصبحت اكثر حضورا. ومصر لم تكن بعيدة عن هذه الكلفة بل كانت في كثير من الاحيان في مقدمة الدول التي واجهت نتائجها.

تحملت مصر اعباء حماية الحدود واستقبال الاشقاء والمشاركة في جهود الوساطة وادخال المساعدات وحماية الملاحة والتعامل مع ازمات لا تنتهي رغم ان قرار اشعال معظم هذه الحروب لم يكن مصريا. وهذا فارق يجب ان يقال بوضوح. مصر لم تكن جزءا من صناعة الكارثة لكنها كانت من اكثر الدول تحملا لاثارها.

ومع ذلك لم تتخل مصر عن دورها. حافظت على قنوات الحوار ودافعت عن القضية الفلسطينية ورفضت تفكيك الدول وتمسكت بالحل السياسي حين كانت قوى كبرى تفتح ابواب الحرب. وهذا الدور لا ينبغي النظر اليه باعتباره واجبا مفروضا على مصر وحدها بل باعتباره موقفا وطنيا وعربيا يحمي ما تبقى من تماسك المنطقة.

دعم الدور المصري ليس مجاملة سياسية ولا انحيازا بلا حساب. هو اعتراف بان مصر وقفت في مواجهة مشاريع تفكيك الدولة الوطنية ودافعت عن امن المنطقة في وقت كانت فيه قوى كبرى تعيد رسم خرائطها. وهو ايضا اعتراف بان القاهرة اختارت طريق المسؤولية السياسية لا طريق المغامرة وانحازت الى الحلول التي تحافظ على الشعوب والدول بدلا من تحويلها الى ساحات للصراع.

بعد 25 عاما من 11 سبتمبر ما زالت الرسالة واضحة. الارهاب لا يواجه بحروب مفتوحة. والاحتلال لا يصنع امنا. واسقاط الدول لا يبني ديمقراطية. والقوة لا تمنح اصحابها الحق في تقرير مصير الشعوب.

مصر لم تشعل هذه الحروب لكنها دفعت ثمنها وحملت اعباءها وحاولت منع امتدادها. ومن غزة الى طهران ومن البحر الاحمر الى السودان تبقى مصر دولة تدافع عن الدولة الوطنية وتساند الحق الفلسطيني وتحمي امن المنطقة وترفض ان تتحول الشعوب العربية الى وقود دائم لصراعات القوى الكبرى.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى