الصادرات تاريخية.. لكن أي ميزان نقرأ؟
تحدث وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو أديب، عن وصول الصادرات المصرية إلى مستوى تاريخي، وانخفاض عجز الميزان التجاري غير البترولي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2010.
الرقمان صحيحان، ونمو الصادرات تطور إيجابي يستحق التقدير. لكن الاحتفاء بهما يحتاج إلى وضعهما في إطارهما الاقتصادي الكامل؛ لأن القضية ليست في صحة الرقم، بل في المؤشر الذي نختاره لقياس النجاح.
ما طرحه الوزير بشأن زيادة الإنتاج، وتوسيع قاعدة المصدرين، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية، وتطوير منظومة رد الأعباء يمثل اتجاهًا سليمًا. كما أن إشارته إلى تركز نسبة كبيرة من الصادرات في نحو 100 أو 200 شركة تكشف أحد أوجه الضعف الهيكلي.
لكن التصدير ليس سباقًا لتحقيق أكبر رقم اسمي. وظيفته الاقتصادية هي زيادة صافي موارد الدولة من النقد الأجنبي، وتعميق الإنتاج المحلي وتقليص الفجوة التجارية. ولذلك لا يكفي أن نسأل: كم صدّرنا؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كم استوردنا لإنتاج هذه الصادرات؟ وما القيمة المضافة المحلية؟ وكم بقي داخل الاقتصاد من كل دولار تصدير؟
صادرات تتضاعف والعجز ثابت
ارتفعت الصادرات السلعية الكلية من نحو 23 مليار دولار في 2016 إلى 51.4 مليار دولار في 2025، بزيادة تقارب 124%. وفي المقابل، ارتفعت الواردات من 70.7 مليار دولار إلى نحو 101 مليار دولار.
وفي 2024 بلغت الصادرات 45.3 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 95.3 مليار دولار، ليسجل العجز حوالي 50 مليار دولار. ثم ارتفعت الصادرات في 2025 إلى 51.4 مليارًا، لكن الواردات ارتفعت أيضًا إلى 101 مليار، ليظل العجز الكلي عند نحو 49.6 مليار دولار.
إذن، الصادرات تضاعفت تقريبًا، لكن الفجوة التجارية الكلية لم تنخفض بالصورة التي قد يوحي بها الاحتفاء برقم الصادرات منفردًا.
الأقل منذ 2010.. ولكن في أي ميزان؟
بحسب أرقام الوزير، ارتفعت الصادرات غير البترولية من 41.5 مليار دولار في 2024 إلى 48.6 مليارًا في 2025، بينما ارتفعت الواردات غير البترولية من 79.3 إلى 82.7 مليار دولار. وبذلك انخفض العجز غير البترولي من 37.8 إلى نحو 34.2 مليار دولار، ليصبح أقل من مستواه في 2010 البالغ نحو 35.1 مليارًا.
لكن القول إنه الأقل منذ 2010 لا يعني أنه الأفضل في تاريخ مصر؛ فالعجز في سنوات سابقة على 2010 كان أقل. كما أن تسجيل أفضل رقم خلال خمسة عشر عامًا لا يجعل العجز منخفضًا؛ فالصادرات لا تزال تغطي نحو 59% فقط من الواردات غير البترولية.
إنها نتيجة إيجابية مقارنة بسنوات أكثر اختلالًا، لكنها ليست تحولًا كاملًا في هيكل التجارة. والأهم أنها تخص الميزان غير البترولي، بينما ظل العجز التجاري الكلي قريبًا من 50 مليار دولار.
مستهدف 2030 بعيد عن المسار الحالي
تستهدف الحكومة رفع الصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول 2030. ومن نقطة انطلاق تبلغ 51.4 مليار دولار في 2025، يتطلب ذلك زيادة تراكمية بنحو 182% خلال خمس سنوات، ومتوسط نمو مركب يقارب 23% سنويًا.
هذا ليس مستحيلًا نظريًا، لكنه بعيد عن المسار الحالي. فالبيانات التي استند إليها السؤال البرلماني المقدم في أغسطس 2026 تشير إلى نمو الصادرات الكلية، بما فيها البترولية، بنحو 7% فقط خلال النصف الأول من العام، مقابل ارتفاع الواردات الكلية بنحو 23%.
وكل عام يمر دون تحقيق المعدل المطلوب يرفع معدل النمو اللازم في السنوات التالية. لذلك لا يكفي إعلان رقم نهائي لعام 2030، بل يجب نشر مسار سنوي يوضح قيمة الصادرات المستهدفة، والقطاعات التي ستقود النمو، والاستثمارات والطاقة والمدخلات اللازمة لتحقيقه.
تقرير الوزارة يقدم إنذارًا مبكرًا
يكشف أحدث تقرير لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن التحسن المسجل في 2025 لم يستمر في أحدث فترة متاحة. فوفق نطاق التجارة غير البترولية، ارتفعت الصادرات خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 2.97% فقط، من 24.773 إلى 25.508 مليار دولار. وفي المقابل، قفزت الواردات بنسبة 20.96%، من 39.759 إلى 48.092 مليار دولار.
بمعنى مباشر: مقابل كل دولار إضافي تحقق من الصادرات غير البترولية، زادت الواردات غير البترولية بأكثر من 11 دولارًا. وكانت النتيجة ارتفاع العجز بنسبة 50.7%، من نحو 15 إلى 22.6 مليار دولار، وانخفاض نسبة تغطية الصادرات للواردات من 62.3% إلى 53%.
ولا يوجد تعارض بين نمو الصادرات الكلية بنسبة 7% ونمو غير البترولية بنسبة 2.97%، فلكل رقم نطاق مختلف. لكنهما يقودان إلى النتيجة نفسها: نمو الصادرات أقل كثيرًا من المسار المطلوب، بينما تنمو الواردات بوتيرة أسرع.
البنك المركزي يشرح طبيعة الواردات
يؤكد تقرير السياسة النقدية للبنك المركزي الاتجاه نفسه؛ إذ سجل ارتفاع عجز الميزان التجاري غير البترولي خلال الربع الأول من 2026 بنحو 65% مقارنة بالربع نفسه من 2025.
وأوضح التقرير أن الزيادة في الواردات تركزت أساسًا في السلع الوسيطة اللازمة للإنتاج، بالتزامن مع تسجيل الناتج المحلي الحقيقي معدل نمو سنوي بلغ 5% خلال الربع الأول من 2026 ذاته.
وهذا يعني أن ارتفاع الواردات ليس كله استهلاكًا سلبيًا؛ فقد يكون جزء منه ضروريًا لتشغيل المصانع. لكن السؤال هو: هل تتحول هذه المدخلات إلى إنتاج وصادرات بقيمة أعلى، أم تظل تكلفة استيرادها أكبر من الحصيلة الناتجة عنها؟
ويؤكد ذلك تقدير انحدار خطي بسيط باستخدام البيانات السنوية للفترة من 2016 إلى 2025؛ إذ يشير إلى أن كل زيادة قدرها مليار دولار في الصادرات اقترنت إحصائيًا بزيادة تقارب 1.05 مليار دولار في الواردات. وهذه العلاقة لا تثبت السببية، لكنها تشير إلى اعتماد مرتفع على الخامات والمكونات والآلات المستوردة.
الطاقة تلتهم ثلث الفجوة
في 2025 بلغ الفارق بين الواردات الكلية وغير البترولية نحو 18.3 مليار دولار، بينما لم يتجاوز الفارق بين الصادرات الكلية وغير البترولية 2.8 مليار دولار. وبذلك أضاف الجانب البترولي عجزًا صافيًا يقترب من 15.5 مليار دولار، بما يمثل أكثر من 31% من العجز التجاري السلعي.
وهذا يفسر تأكيد صندوق النقد الدولي أن الحساب الجاري تعرض لضغوط نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة مشتريات الغاز المسال. كما قدّر تقرير مورجان ستانلي عجز ميزان الطاقة بنحو 19 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، ووضعه بين 18 و23 مليار دولار في العام التالي، بحسب مسار أسعار النفط.
الاقتصاد لا يعرف الفصل الإداري بين التجارة والبترول؛ فالدولار الذي يدخل من تصدير الملابس أو الأسمدة هو نفسه الذي يخرج لاستيراد الغاز والوقود. بل إن صناعات تصديرية مهمة تعتمد على الغاز، ولذلك تضغط أزمة الطاقة على الميزان من جهتين: ترفع الواردات، وقد تحد من الإنتاج والصادرات.
ما المؤشر الذي نحتاجه؟
الزاوية الأهم ليست إنكار نمو الصادرات، بل رفض اختزال النجاح فيه. لذلك أوصي بأن تنشر الحكومة مسارًا سنويًا للوصول إلى مستهدف 145 مليار دولار، ضمن لوحة متكاملة لا تكتفي بإجمالي الصادرات، بل تشمل صافي حصيلة النقد الأجنبي، ونسبة المكون المحلي والقيمة المضافة، وعدد المصدرين المستمرين، ونسبة تغطية الصادرات لإجمالي الواردات، والعجز الكلي متضمنًا الطاقة.
فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما تنمو الصادرات أسرع من الواردات بصورة مستدامة، وتنخفض فاتورة الطاقة، ويرتفع ما يحتفظ به الاقتصاد من كل دولار تصدير. أما الاحتفاء بكفة واحدة، فهو يقدم رقمًا صحيحًا، لكنه لا يقدم الميزان كاملًا.




