مقالات

مصاريف المدارس

أشرف عبدالغني

أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية

أصبحت مصاريف المدارس تمثل أحد أكبر الأعباء التي تواجه الأسرة المصرية، في ظل ارتفاع الرسوم الدراسية وتراجع القدرة الشرائية، لتتحول بداية العام الدراسي من مناسبة للاحتفال بعودة الأبناء إلى المدارس، إلى اختبار حقيقي لقدرة الأسرة على تحمل الأعباء المتزايدة.

ولا تقتصر تكلفة التعليم على المصروفات الدراسية وحدها، وإنما تشمل مجموعة واسعة من البنود، تبدأ بالرسوم المدرسية، ومرورًا بالحقائب والأحذية والزي المدرسي، الذي تفرض بعض المدارس شراءه من محال بعينها وبأسعار مرتفعة، ثم مستلزمات الدراسة والمواصلات، وصولًا إلى الدروس الخصوصية التي تمثل عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة.

وتشير التقديرات الواردة في هذا السياق إلى أن الدروس الخصوصية تستنزف نحو 247 مليار جنيه سنويًا من جيوب المصريين، وهو رقم يعكس حجم الضغوط التي تتحملها الأسر من أجل ضمان حصول أبنائها على تعليم جيد.

وعلى الرغم من أن الدستور ينص على تخصيص نسبة لا تقل عن 6% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على التعليم، فإن الواقع الفعلي يشير إلى أن معدلات الإنفاق على التعليم تتراوح بين 2% و3% من الناتج المحلي الإجمالي، وربما كان ذلك أحد العوامل التي أسهمت في تراجع مستوى التعليم الحكومي وزيادة الإقبال على التعليم الخاص.

ويبلغ عدد طلاب التعليم قبل الجامعي نحو 25.6 مليون طالب، بينما يستحوذ القطاع الخاص على نحو 10.6% من إجمالي أعداد الطلاب، ومن المنتظر، وفقًا لرؤية مصر 2030، أن ترتفع مساهمة القطاع الخاص في التعليم إلى 18%.

وبالطبع، لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين مصروفات المدارس الحكومية التي تبدأ من نحو 525 جنيهًا في مرحلة رياض الأطفال، والمصروفات التي تصل في بعض المدارس الخاصة إلى 30 ألف جنيه، لكن من الإنصاف أيضًا القول إن الخدمات التعليمية المقدمة في المدارس الحكومية لا يمكن مقارنتها بما تقدمه المدارس الخاصة، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى تحمل أعباء مالية أكبر بحثًا عن مستوى تعليمي أفضل لأبنائها.

وتظهر المشكلة الأكبر في مصروفات الدراسة بصورة واضحة لدى أبناء الطبقة المتوسطة، الذين يجد كثير منهم أنفسهم مع بداية كل عام دراسي مضطرين إلى اللجوء للاستدانة أو الحصول على قروض أو الاشتراك في الجمعيات، من أجل توفير احتياجات أبنائهم التعليمية، وهو ما ينعكس في النهاية على مستوى معيشتهم وبقية احتياجات الأسرة.

وتحاول وزارة التربية والتعليم تحديد المصروفات الدراسية كل عام، إلا أن بعض المدارس تتحايل، بطرق مختلفة، على هذه الضوابط، وهو ما يزيد من الأعباء الواقعة على أولياء الأمور ويضع الأسر أمام تكاليف إضافية يصعب تحملها.

ومن وجهة نظري، فإن الحل يتطلب إصدار قانون جديد يُطبق بحزم على جميع المدارس الخاصة، ويلزمها بالالتزام بالنسب والضوابط التي تحددها وزارة التربية والتعليم، مع وجود آليات واضحة للرقابة والمحاسبة، بما يضمن عدم تحميل أولياء الأمور أعباء إضافية خارج الإطار القانوني.

تدهور أحوال التعليم الحكومي يعد أحد الأسباب المباشرة وراء انتشار التعليم الخاص منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم تعد المدارس الخاصة قاصرة على أبناء الأسر الأعلى دخلًا، بل أصبح أبناء الطبقة المتوسطة، بل وكثير من الأسر محدودة الدخل، يحاولون الإنفاق على تعليم أبنائهم بكل طاقتهم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل الأبناء.

وهنا تكمن القضية الأساسية؛ فالتعليم لم يعد مجرد خدمة يحصل عليها الطالب، وإنما أصبح بالنسبة إلى الأسرة المصرية مشروعًا للمستقبل، تتحمل من أجله أعباء مالية قد تتجاوز قدرتها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية.

ومن ثم، فإن مواجهة أزمة مصروفات المدارس لا ينبغي أن تقتصر على تحديد الرسوم الدراسية فقط، وإنما يجب أن تمتد إلى تطوير التعليم الحكومي ورفع جودته، وتشديد الرقابة على المدارس الخاصة، وضمان وجود تعليم جيد ومتاح لجميع أبناء المجتمع، دون أن تتحول بداية كل عام دراسي إلى أزمة مالية جديدة للأسرة المصرية.

كلمة أخيرة: الاستثمار الحقيقي في مستقبل مصر يبدأ من التعليم، وحماية الأسرة من أعبائه المتزايدة لا تنفصل عن بناء منظومة تعليمية قوية وعادلة، تضمن للطالب حقه في تعليم جيد، وللأسرة القدرة على تحمل تكلفته.

زر الذهاب إلى الأعلى