
مع انطلاق دور الانعقاد الثاني لمجلس النواب، تتجه الأنظار إلى الأجندة التشريعية المطلوبة لمواكبة التطورات المتسارعة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في ظل التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والخدمات الإلكترونية وتصاعد مخاطر الأمن السيبراني. وفي هذا السياق، طرح خبير تكنولوجيا المعلومات علاء أبو المجد رؤية تشريعية تتضمن 5 قوانين وتشريعات رئيسية، يرى أنها تمثل أولوية لتنظيم القطاع ومواكبة التحولات التكنولوجية، بدءا من قانون الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وصولا إلى تحديث قانون تنظيم الاتصالات ووضع إطار أكثر شمولا للأمن السيبراني والهوية الرقمية.
قال علاء أبو المجد، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لم يعد قطاعا خدميا منفصلا عن الاقتصاد، وإنما أصبح أحد المكونات الأساسية للأمن الاقتصادي وجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل وتطوير الخدمات الحكومية وتعزيز تنافسية الدولة.

وأضاف أبو المجد في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى التوسع في البنية التحتية الرقمية أو زيادة معدلات استخدام التكنولوجيا المالية، وإنما تتطلب أيضا بناء بيئة تشريعية استباقية تواكب التطور التكنولوجي وتضع قواعد واضحة للتقنيات الجديدة قبل اتساع نطاق استخدامها.
وأوضح أن هناك مجموعة من الملفات التشريعية التي يرى ضرورة أن تحظى بالأولوية أمام مجلس النواب خلال دور الانعقاد الثاني، بما يدعم نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي بصورة عامة.
وأكد أبو المجد أن إصدار قانون متكامل للذكاء الاصطناعي يجب أن يأتي على رأس الأجندة التشريعية، مشيرا إلى أن الهدف من التشريع لا ينبغي أن يكون تقييد استخدام هذه التكنولوجيا، وإنما تنظيمها وتمكين استخدامها بصورة آمنة ومسؤولة.
وأوضح أن القانون المقترح يجب أن يتضمن تعريفا واضحا للذكاء الاصطناعي ونماذجه وخوارزمياته، إلى جانب تصنيف تطبيقاته وفقا لمستويات المخاطر، وتحديد المسؤوليات القانونية المرتبطة بالقرارات التي يتم اتخاذها أو دعمها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن التشريع يجب أن يحدد ضوابط استخدام الأنظمة مرتفعة المخاطر، مع ضمان وجود إشراف بشري فعال عليها، إلى جانب إقرار حق المواطن في معرفة ما إذا كان القرار المؤثر عليه قد تم اتخاذه أو دعمه بواسطة نظام آلي، في الحالات التي يحددها القانون.
وأشار إلى أهمية وضع قواعد لحماية البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والمحتوى الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق «Deepfakes».
وقال أبو المجد إن مصر تحتاج كذلك إلى قانون شامل للاقتصاد الرقمي، ينظم الإطار القانوني للتعاملات الرقمية بين الدولة والشركات والمواطنين والمنصات الرقمية.

وأوضح أن التشريع يمكن أن يتناول العقود والمعاملات الرقمية، والهوية الرقمية، والخدمات والمنصات الرقمية، والإثبات الإلكتروني، والتوقيع الإلكتروني، والأرشيف الرقمي، فضلا عن القواعد المنظمة للمعاملات العابرة للحدود.
وأضاف أن التطور الكبير الذي شهدته المعاملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة يجعل من الضروري مراجعة الأطر التشريعية القائمة، والتأكد من قدرتها على التعامل مع أنماط الاقتصاد الرقمي الجديدة.
وأشار خبير تكنولوجيا المعلومات إلى أهمية إعداد إطار تشريعي متكامل لتنظيم البيانات والبيانات الحكومية المفتوحة، باعتبار البيانات أحد الأصول الاقتصادية المهمة في الاقتصاد الرقمي.
وأوضح أن التشريع المطلوب يجب أن يحسم عددا من القضايا، من بينها ملكية البيانات، وحوكمتها، وآليات مشاركتها بين الجهات الحكومية، وكذلك تحديد البيانات الحكومية غير الحساسة التي يمكن إتاحتها للباحثين والشركات، مقابل البيانات التي يجب أن تظل محمية وغير متاحة للجمهور.
وأكد أن تنظيم إتاحة البيانات الحكومية يمكن أن يساهم في دعم البحث العلمي والابتكار وتطوير الخدمات الرقمية، مع الحفاظ على البيانات التي تتطلب الحماية القانونية.
وطالب أبو المجد كذلك بإعادة النظر في قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، مشيرا إلى أن البيئة التكنولوجية التي صدر فيها القانون تختلف بصورة كبيرة عن الواقع الحالي.
وقال إن ظهور شبكات الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، وغيرها من التطبيقات والتقنيات الجديدة، يفرض مراجعة الإطار التشريعي المنظم لقطاع الاتصالات.
وأضاف أن التحديث المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم خدمات الاتصالات التقليدية، وإنما يجب أن يمتد إلى تنظيم البنية التحتية الرقمية، بما يشمل مشاركة البنية التحتية وأبراج الاتصالات وشبكات الألياف الضوئية وشبكات الجيل الخامس، مع وضع أطر مستقبلية للتقنيات التي قد تظهر خلال السنوات المقبلة.
ووضع أبو المجد إصدار قانون للأمن السيبراني ضمن أولويات المرحلة المقبلة، مشيرا إلى تزايد الاعتماد على البنية التحتية الرقمية في مختلف القطاعات، بما يجعل حماية هذه البنية جزءا أساسيا من الأمن الاقتصادي.
وأوضح أن القانون يجب أن يتضمن تصنيفا للبنية التحتية الرقمية، ووضع حد أدنى لمعايير الأمن السيبراني التي يتعين الالتزام بها، مع تحديد مسؤوليات الجهات الحكومية والمؤسسات والشركات في القطاعين العام والخاص.
كما طالب بوضع قواعد واضحة للإبلاغ الإلزامي عن الحوادث السيبرانية الجوهرية، إلى جانب تنظيم أمن مراكز البيانات باعتبارها من العناصر الأساسية للبنية التحتية الرقمية.
وأشار أبو المجد إلى ضرورة وضع إطار تشريعي أكثر شمولا للهوية الرقمية والتوقيع الرقمي، بحيث لا يقتصر استخدام الهوية الرقمية على الخدمات المالية وإجراءات التعرف الإلكتروني على العملاء، وإنما يمتد إلى مختلف الخدمات التي يحتاجها المواطن.
وأوضح أن الهوية الرقمية يمكن أن تستخدم، وفقا لضوابط قانونية واضحة، في الحصول على الخدمات الحكومية، والتعامل مع البنوك وشركات التأمين والاتصالات، وتوقيع العقود، فضلا عن الخدمات التعليمية والصحية والتجارية.
وأكد أن وجود إطار قانوني موحد للهوية الرقمية من شأنه دعم التحول إلى الخدمات الرقمية وتقليل الإجراءات الورقية وتعزيز الثقة في المعاملات الإلكترونية.
ولفت أبو المجد إلى أهمية إصدار تشريع خاص بالشركات التكنولوجية الناشئة وشركات التكنولوجيا المالية، يتعامل مع طبيعة هذه الشركات واحتياجاتها المختلفة عن الشركات التقليدية.
وأوضح أن القانون المقترح يمكن أن يتناول إجراءات تأسيس الشركات التكنولوجية، وآليات دخول وخروج المستثمرين، وتنظيم استثمارات رأس المال المخاطر، إلى جانب وضع آليات أكثر مرونة لتصفية الشركات التي لا تنجح في الاستمرار.
كما دعا إلى وضع حوافز للشركات التي تطور منتجات وخدمات تكنولوجية داخل مصر، وكذلك الشركات التي تعمل على تصدير الخدمات التكنولوجية والمالية إلى الأسواق الخارجية.
وأكد أبو المجد أن الأجندة التشريعية المقترحة لا تتوقف عند هذه الملفات، وإنما يمكن أن تمتد إلى تنظيم بيئات الاختبار التشريعي «Sandbox» للتقنيات والخدمات الجديدة، بما يسمح باختبار الابتكارات في بيئة منظمة قبل التوسع في استخدامها.
وأشار كذلك إلى الحاجة إلى أطر قانونية تنظم الاقتصاد التشاركي والمنصات الرقمية، إلى جانب وضع قواعد أكثر وضوحا للحكومة الرقمية والخدمات الحكومية المقدمة إلكترونيا.
وأكد أن التطور المتسارع في التكنولوجيا يفرض على المشرع التحرك بشكل استباقي، قائلا إن المطلوب ألا تنتظر التشريعات ظهور المشكلات الناتجة عن التكنولوجيا ثم تبدأ في التعامل معها، وإنما أن تواكب التطور وتضع القواعد المنظمة له مسبقا.
وأضاف أن هذه الملفات تمثل، من وجهة نظره، بداية لأجندة تشريعية أوسع يمكن أن يطرحها البرلمان والحكومة خلال الفترة المقبلة لمواكبة التحول الرقمي ودعم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي.




