«استمرارية السعي لا تعني حتمية الوصول» ولكن ماذا لو لم تكن بحاجة إلى أن تصل؟
نظرة واحدة فقط كفيلة لتكشف لك إلى اي مدي نركض كثيرًا .. أكثر حتي مما ينبغي، وأسرع مما نحتمل، وكأن العالم سيعاقبنا لو توقفنا للحظة واحدة.
نحن نركض نحو أهداف نعرفها، وأهداف أخري قد لا نعرفها، وأهداف اخترعناها فقط كي لا نشعر بالفراغ.
لكن ماذا لو كان الوصول مجرد فكرة جميلة وجذابة تعلمنا منذ الصغر أنها حتمية، لكن هل فكرت يوما هل هي ضرورية؟.
ماذا لو كان السعي نفسه هو ما يمنح حياتك معنى، لا يرتبط مطلقا بالنقطة المضيئة التي تراها في آخر الطريق؟.
الوصول دائمًا يبدو كأنه الحل السحري والنهاية السعيدة في أفلام “الأبيض والأسود” وهذا ما يجعله مجرد فكرة رومانسية صنعها العقل كي يبرر استمرار الركض . كم من أهداف وصلنا إليها ولم نشعر بشيء؟.
وكم من طرق لم نكملها، ومع ذلك تركت فينا أثرًا أعمق من أي نهاية نعرفها.
لعلك الآن يا عزيزي تتصور أنني تركت المسرح وأجلس علي مقهاي أعظ وأقدم النصح أو حتي أهرطق وأبالغ في التنظير وهدم الثوابت كي أجد مكانا لمقالي هذا علي مواقع “السوشيال ميديا” إلا أنني مازلت هنا في كواليس مسرحي الحبيب وبين دفاتر أوراق علم نفس الإبداع وأبحاث رعاية الموهوبين أحاول تصميم مشهدا جديدا من فصول مسرحية ان بطلها ومؤلفها ومخرجها أيضا .
في المسرح كل شئ معد مسبقا وتم التدريب عليه بعناية لكن الحياة لا تمنحك هذا الترف.
الحياة لا تعطيك “بروفة”، ولا تمنحك فرصة لإعادة المشهد، ولا تنتظر حتى تحفظ الدور جيدًا.
الحياة تُلقيك في منتصف الخشبة وتطلب منك أن تتحرك، أن تقول شيئًا، أن تختار اتجاهًا… حتى لو لم تكن مستعدًا .
دعني هنا أشاركك أحد الأسرار التي تعلمتها خلال محاولاتي لدراسة الممرات السحرية بين الفنون وعلم النفس ألا وهو “مواصلة الاتجاه” .
في دهاليز علم نفس الإبداع، لا يعني هذا المفهوم إيقاعًا صارمًا نحو مزيد من الركض، بل هو تلك الجسارة الهادئة واليقظة العقلية التي تجعل العقل يقتفي أثر فكرته الأولى دون التفات.
إنه كالمغناطيس الخفي الذي يربط وجدانك بالمسار لا بالخطوة الأخيرة، فيدفعك لتسير خلف بريق الفكرة الخافت عبر دروب التجريب المستمر، غير آبهٍ بذلك التشتت أو إغراءات الالتفات إلى الخلف؛ هو ببساطة الوفاء للرحلة ذاتها.
والمفارقة المدهشة التي يهمس بها إلينا هذا المفهوم، هي أن “مواصلة الاتجاه” لا تكترث بالتصفيق الذي ينتظر خلف الستار، ولا تعبأ بإنارة المسرح الكاملة عند النهاية، إنها تتعلق كليًا بحالة التدفق وبالاندماج الشغوف في إيقاع حركتك الحالية على الخشبة، وبعشقك اللامشروط للمشهد الذي تصنعه هنا والآن.
وأن تواصل اتجاهك يعني أن تظل مخلصًا للنص الذي تكتبه – الحياة التي تختارها – ليس لأن محطة الوصول تضمن لك السعادة، بل لأن السير في مسارٍ يشبهك هو المكافأة الحقيقية. إنه الملاذ الذي يحميك من عبثية الركض العشوائي خوفًا من الفراغ. وحين تختبر هذا الامتلاء، ستدرك السر .
أنت في حقيقة الأمر تصل في كل لحظة تختار فيها أن تستمر



