المسرح والمساحات الآمنة
تكمن المفارقة في كون المسرح ذلك المكان الذي نظنه من أكثر الأماكن اصطناعًا، إلا أن الحقيقة أنه قد يكون أحيانًا أكثر الأماكن صدقًا، نحن نذهب إليه ونحن نعرف أن كل شيء نشاهده مجرد تمثيل غير حقيقي؛ فهذه ليست مدينة، وهذا ليس منزلًا، والشخص الذي يقف أمامنا ليس بالضرورة هو الشخصية التي يؤديها، والكلمات مكتوبة مسبقًا، والضوء مصنوع، وصوت العصافير أو ذاك النباح مجرد صوت مسجل غير حقيقي، ومع ذلك، نضحك من قلوبنا، ونبكي بصدق، ونتوتر بشدة خوفًا على مصير بطل العرض.
المسرح، يا عزيزي، ليس مجرد مكان للفرجة، والمساحة الآمنة ليست ذلك المكان الذي لا نخاف فيه أبدًا، ولا المكان الذي يوافق فيه الجميع على الجميع، ولا المكان الذي يراعي الألم أو الاختلاف، ربما هي ببساطة المكان الذي نستطيع فيه أن نجرب، وأن نخطئ، وأن نكتشف جزءًا من أنفسنا، ونحن نعرف أن هناك من سيحترم حدودنا الإنسانية.
لكن ما الذي يجعل المسرح قادرًا على خلق هذه المساحة؟
ربما لأن المسرح يقوم على شيء واحد لا يمكن اصطناعه، وهو الحضور، حين يقف شخص على الخشبة، فهو موجود بكامل جسده، بصوته، بارتباكه، وضعفه، وبكل ما يحاول إخفاءه في حياته اليومية، وحين يجلس الآخرون في الظلام، فهم موجودون أيضًا، ليسوا كقضاة، بل كشهود على اللحظة.
فالمسرح يفعّل ما يسميه علماء النفس بتنظيم الانفعال، حيث تسمح الحركة والإيقاع والصوت للجهاز العصبي بأن يهدأ تدريجيًا، فيصبح الشخص أكثر قدرة على مواجهة مشاعره بدلًا من الهروب منها، كما يعمل المسرح على تفعيل الخلايا العصبية المرآتية؛ فعندما يرى الفرد شخصًا آخر يعبّر بصدق، يبدأ هو أيضًا في الاسترخاء، وكأن الجسد يتلقى إذنًا غير منطوق بأن يكون حقيقيًا، أما من منظور نظرية التعلق، فالمسرح يخلق ما يشبه جماعة صغيرة تمنح الفرد شعورًا بالانتماء دون شروط، وهو أحد أهم عناصر تكوين المساحة الآمنة.
فالمسرح الحقيقي لا يلغي الاختلاف، ولا يمنع النقد، ولا يجعل الجميع متشابهين، ولا يحوّل المكان إلى مساحة خالية من الصراع. بالعكس، المسرح في جوهره قائم على الصراع، وعلى اختلاف الرغبات والأصوات ووجهات النظر، لكن وجود هذا الصراع داخل إطار من الحضور والاحترام يجعل التجربة قابلة للتحمل، ويحوّل الخوف من تهديد إلى فرصة للفهم.
الأمان الحقيقي لا يلغي الخوف، لكنه يجعله محتملًا، ولا يمنع الألم، لكنه يمنحنا القدرة على مواجهته، وربما لهذا فإن أكثر الأماكن أمانًا ليست تلك التي تغلق أبوابها في وجه العالم، بل تلك التي تفتح لنا بابًا للعودة إليه ونحن أكثر قدرة على أن نكون أنفسنا.



