عربي ودولي

تحالف البقاء الإثيوبي من تنسيق المعارضة إلىمحاولة بناء بديل سياسي لآبي أحمد

توجد ثلاثة اختبارات رئيسية للتجالف تتنوع ما بين التنظيمي والسياسي ونجاحه في بناء جسور مع القوى المدنية والمجتمعية

لم يعد تحالف “قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء” يكتفي بإعلان التقارب بين مكوناته أو طرح هدف مشترك يتمثل في مواجهة حكومة آبي أحمد، بل بدأ يتجه نحو صياغة إطار عمل أكثر تنظيمًا، وفق ما كشف عنه البيان الصادر عقب اجتماعه الدوري السادس الذي عقد أمس السبت، والذي أقر خلاله خطة متوسطة الأجل تجمع بين التحرك السياسي والشعبي والدبلوماسي والإعلامي.

ويعكس هذا التطور محاولة لنقل التحالف من مستوى الإعلان السياسي إلى بناء أدوات تنسيق يمكن أن تمنحه حضورًا أوسع داخل إثيوبيا وخارجها، لكن ذلك يفتح في الوقت نفسه أسئلة حول قدرته على تجاوز خلافات مكوناته وتقديم مشروع وطني قابل للاستمرار.

وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة التكوين غير التقليدي للتحالف، الذي أعلن عن تأسيسه في 20 سبتمبر 2026، بمشاركة سبع قوى إثيوبية، من بينها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب تنظيمات تمثل أقاليم وقوميات أخرى. ويجمع هذه الأطراف موقف معارض لحكومة آبي أحمد، رغم اختلاف خلفياتها السياسية والقومية، وتباين مطالبها المتعلقة بشكل الدولة وتوزيع السلطة ومستقبل الأقاليم.

من إعلان التحالف إلى بناء آليات مشتركة

تكشف الخطة الجديدة عن إدراك لدى قيادة التحالف بأن الإعلان عن وحدة الموقف لا يكفي وحده لتكوين قوة سياسية مؤثرة،  ولذلك ركز البيان على توحيد الأنشطة، ورفع القدرات التنظيمية للأعضاء، وتوسيع التعاون مع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والأكاديميين والشخصيات العامة، إلى جانب تطوير العمل الدبلوماسي والإعلامي.

وتشير هذه الأولويات إلى محاولة بناء شبكة أوسع من العلاقات تتجاوز التنظيمات المؤسسة، بما يسمح للتحالف بتقديم نفسه باعتباره إطارًا سياسيًا يتحدث عن قضايا إثيوبية عامة، وليس مجرد تنسيق بين حركات مسلحة تنشط في أقاليم مختلفة.

فالتحدي الأساسي أمامه لا يتعلق فقط بتنسيق المواقف تجاه الحكومة، وإنما بقدرته على تحويل المطالب الإقليمية المتباينة إلى برنامج سياسي مشترك يتضمن تصورًا واضحًا لشكل الحكم والمرحلة الانتقالية ومستقبل المؤسسات الاتحادية.

ومن هنا، تبدو الإشارة إلى العمل مع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ذات دلالة مهمة؛ إذ يحاول التحالف توسيع قاعدته السياسية والاجتماعية، وتخفيف الانطباع بأنه تحالف عسكري بالأساس، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بمدى انفتاح مكوناته على القوى المدنية المستقلة، وقدرتها على تقديم ضمانات بشأن المشاركة السياسية وعدم احتكار القرار خلال أي مرحلة انتقالية محتملة.

الخصم المشترك لا ينهي الخلافات القديمة

تتمثل إحدى أبرز نقاط القوة النظرية للتحالف في امتداد مكوناته جغرافيًا، بما يربط بؤر المعارضة في تيجراي وأمهرا وأوروميا ومناطق أخرى،  وهذا التنوع يضع الحكومة أمام تحديات أمنية وسياسية متعددة، ويجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدًا من التعامل مع تمرد محصور في إقليم واحد.

لكن هذا الانتشار يحمل في داخله مصدرًا واضحًا للهشاشة،  فالعلاقة بين بعض مكونات التحالف لم تكن تاريخيًا علاقة توافق، بل شهدت خلافات وصدامات ترتبط بالهوية والحدود والنفوذ السياسي،  كما أن رؤى هذه القوى بشأن الفيدرالية ومستقبل السلطة المركزية ليست متطابقة، وهو ما يجعل الاتفاق على مواجهة الحكومة أسهل من الاتفاق على شكل الدولة التي يفترض أن تأتي بعدها.

وتشير تحليلات بحثية تناولت التحالف إلى أن الخلافات بين بعض أطرافه، والانقسامات داخل عدد منها، تثير تساؤلات حول مدى قدرتها على العمل المشترك، فضلًا عن عدم وضوح هيكل القيادة السياسية والعملياتية للتحالف.

ومن ثم، فإن إقرار خطة عمل مشتركة يمثل خطوة تنظيمية، لكنه لا يثبت وحده وجود قيادة موحدة أو توافق كامل على القرارات الاستراتيجية.

الدبلوماسية والإعلام.. معركة على الشرعية

يبرز تطوير العمل الدبلوماسي والإعلامي باعتباره أحد أهم محاور الخطة، إذ يسعى التحالف إلى نقل صورته من ائتلاف معارض للحكومة إلى طرف يطرح نفسه ضمن أي نقاش مستقبلي بشأن تسوية الأزمة الإثيوبية.

وتنبع أهمية هذا المسار من أن الصراع في إثيوبيا لم يعد مرتبطًا فقط بموازين القوة على الأرض، بل أصبح يتصل أيضًا بمسألة الشرعية السياسية، ومدى قدرة كل طرف على إقناع الداخل والخارج بأنه يمتلك تصورًا لإدارة الدولة، فالحركات التي تنشط في أقاليم مختلفة تحتاج إلى تجاوز خطاب المطالب المحلية، وتقديم رؤية تتناول قضايا المواطنة، وتوزيع الموارد، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وضمانات المشاركة السياسية.

لكن مخاطبة المجتمع الدولي تتطلب أكثر من البيانات والدعوات العامة؛ إذ تحتاج إلى برنامج سياسي معلن، وموقف واضح من حماية المدنيين، والالتزام بالحلول السياسية، وتحديد طبيعة المرحلة الانتقالية وصلاحيات مؤسساتها، كما أن أي غموض بشأن استخدام القوة أو مستقبل التعددية السياسية قد يحد من قدرة التحالف على اكتساب ثقة أطراف خارجية لا تنظر فقط إلى معارضته للحكومة، بل إلى طبيعة البديل الذي يطرحه.

القرن الإفريقي.. اتساع الأزمة خارج الحدود

 

يحمل تركيز البيان على تعزيز علاقات الصداقة والتعاون مع شعوب وحكومات القرن الإفريقي بُعدًا يتجاوز المجاملة الدبلوماسية، إذ يعكس إدراكًا بأن الأزمة الإثيوبية باتت متشابكة مع حسابات أمنية وسياسية إقليمية، خصوصًا في ظل تجدد المواجهات في تيجراي وتصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة.

وتكتسب هذه المسألة حساسية إضافية بسبب موقع إثيوبيا الجغرافي وارتباط تجارتها الخارجية بممرات إقليمية، فضلًا عن التوترات المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر وميناء عصب، ولذلك فإن أي اتساع للمواجهة الداخلية قد ينعكس على علاقات إثيوبيا بجيرانها، ويضع أمن الحدود والممرات التجارية والاستقرار الإقليمي أمام اختبارات جديدة.

وفي هذا السياق، فإن إعلان التحالف رغبته في بناء علاقات تعاون مع حكومات المنطقة لا يعني بالضرورة حصوله على دعم رسمي منها، كما لا ينبغي الخلط بين اتصالات المعارضة الخارجية ومواقف الدول التي تستضيف بعض مكوناتها. فالمواقف الإقليمية تحكمها اعتبارات السيادة والأمن والمصالح الوطنية، وليس مجرد التقاطع مع أهداف أي طرف إثيوبي.

ومن المهم كذلك ألا تتحول التحركات الدبلوماسية للتحالف إلى عامل إضافي في الاستقطاب بين دول القرن الإفريقي، خصوصًا أن أي اتهامات متبادلة بشأن دعم أطراف داخلية قد تزيد من احتمالات انتقال الأزمة إلى ما وراء الحدود.

ثلاثة اختبارات تحدد مستقبل التحالف

يمكن قراءة المرحلة المقبلة من خلال ثلاثة اختبارات رئيسية الأول تنظيمي، ويتمثل في قدرة المجلس على تحويل الخطة المتوسطة الأجل إلى آليات تنفيذ واضحة، تتضمن توزيع المسؤوليات وتحديد أولويات العمل ومتابعة الالتزام بين الأعضاء.

أما الاختبار الثاني فهو سياسي، ويتعلق بمدى قدرة المكونات على صياغة مشروع انتقالي يجيب عن الأسئلة الخلافية المتعلقة بشكل الدولة والفيدرالية والحدود وتقاسم السلطة، بدلًا من تأجيلها إلى ما بعد مواجهة الحكومة، فتأجيل الخلافات قد يحافظ مؤقتًا على وحدة التحالف، لكنه لا يلغي احتمالات عودتها بصورة أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بتوزيع النفوذ وإدارة المؤسسات.

ويتمثل الاختبار الثالث في مدى نجاح التحالف في بناء جسور مع القوى المدنية والمجتمعية، وتقديم خطاب يتجاوز الحسابات التنظيمية والقومية، ويضع حماية المدنيين ووحدة البلاد والتسوية السياسية ضمن أولوياته.

في المحصلة، يمثل الاجتماع السادس وإقرار خطة العمل المشتركة تطورًا في مسار تنظيم تحالف «البقاء»، لكنه لا يكفي وحده للحكم على قدرته على التحول إلى بديل سياسي متماسك، فالفارق كبير بين توحيد القوى حول خصم مشترك، والاتفاق على مشروع لإدارة دولة متعددة القوميات والمصالح والتحديات.

وستظل المسألة الأكثر أهمية هي ما إذا كان التحالف قادرًا على تحويل التنسيق بين مكوناته إلى رؤية وطنية جامعة، أم أن تباين المصالح والأجندات الإقليمية سيبقيه في إطار التفاهم المرحلي.

وفي الحالتين، فإن تداعيات هذا المسار لن تتوقف عند حدود إثيوبيا، بل ستمتد إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث يرتبط استقرار المنطقة بقدرة الأطراف المعنية على احتواء الصراعات الداخلية ومنع تحولها إلى مواجهات إقليمية أوسع.

زر الذهاب إلى الأعلى