عربي ودولي

لولا دا سيلفا.. من طفل فقير إلى رئيس يحكم البرازيل للمرة الرابعة

حكاية أم حملت أبناءها بحثًا عن حياة أفضل، وطفل دخل سوق العمل مبكرًا، وعامل وجد طريقه إلى السياسة عبر المصانع، رحلة صعود مرّت بالهزائم والسجن والعودة، لتضع لولا دا سيلفا مجددًا في قلب المشهد السياسي بأمريكا اللاتينية.

لم تكن الشاحنة التي حملت أسرة لويز إيناسيو لولا دا سيلفا من شمال شرقي البرازيل إلى ولاية ساو باولو عام 1952 تحمل سياسيًا ينتظر مستقبله، بل طفلاً في السابعة من عمره، ضمن أسرة تبحث عن فرصة للعيش.

استغرقت الرحلة 13 يومًا، وكانت واحدة من المحطات التي رسمت ملامح طفولته قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بتاريخ البرازيل الحديث.

وُلد لولا في 27 أكتوبر 1945 بمدينة جارانهونس، في ولاية بيرنامبوكو، وكان السابع بين ثمانية أبناء، لم تكن أسرته تمتلك امتيازات اجتماعية أو سياسية، ولم يبدأ حياته من أبواب الجامعات المرموقة أو دوائر النفوذ، كانت البداية أكثر تواضعًا؛ أسرة كبيرة، وموارد محدودة، وأم تحاول توفير حياة أفضل لأبنائها.

بعد انتقال الأسرة إلى ساو باولو، عاشت في غرفة واحدة خلف حانة بحي إيبيرانغا، وفي الثانية عشرة، حصل لولا على أول وظيفة له في مغسلة ملابس، وعمل أيضًا ملمّعًا للأحذية وصبيًّا في مكتب، ثم اتجه إلى التدريب المهني، ليتخصص في تشغيل المعادن ويبدأ حياته عاملًا صناعيًا.

لم يكن العمل المبكر مجرد تفصيل في سيرته، بل تجربة وضعته على تماس مباشر مع عالم الطبقات العاملة، حيث ترتبط الأجور وساعات العمل والأمان الوظيفي بالاحتياجات اليومية للأسرة.

ومن هذا العالم ستخرج لاحقًا لغته السياسية، وقاعدته الشعبية، والطريق الذي قاده إلى الرئاسة.

المصنع الذي غيّر مسار الحكاية

لم يدخل لولا السياسة من بوابة مؤسسة حزبية تقليدية، بل من المصنع، ففي منطقة ساو برناردو دو كامبو الصناعية، بدأ يتعرف إلى الحركة النقابية، بمساعدة  شقيقه خوسيه فيريرا دا سيلفا، المعروف باسم «فراي شيكو»، الذي كان له دور في تعريفه بهذا المجال.

تدرج لولا في العمل النقابي، وانتُخب رئيسًا  لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو ودياديما عام 1975، بعدما كان قد شغل مواقع نقابية سابقة. وكان يمثل آنذاك نحو مئة ألف عامل.

جاء صعوده في فترة شديدة الحساسية؛ فالبرازيل كانت تعيش تحت الحكم العسكري، بينما أخذت الحركة العمالية تستعيد قدرتها على التنظيم والمطالبة بحقوقها.

وفي أواخر السبعينيات، قاد لولا تحركات وإضرابات واسعة، كان من أبرزها توقف نحو 170 ألف عامل عن العمل في منطقة إيه بي سي الصناعية عام 1979.

لم تعد المطالب تتعلق بالأجور وحدها، فقد أصبح التنظيم العمالي جزءًا من حركة أوسع تطالب بمساحة أكبر للمشاركة السياسية، في بلد كان يسعى إلى الخروج تدريجيًا من الحكم العسكري، وفي هذه المرحلة، برز لولا بوصفه قائدًا يتحدث من داخل الحركة التي يمثلها، لا من خارجها.

وفي عام 1980، اعتُقل لمدة 31 يومًا بموجب قانون الأمن القومي، خلال حملة استهدفت قيادات نقابية، لكن التجربة لم تُنهِ حضوره السياسي؛ ففي العام نفسه، شارك في تأسيس حزب العمال، إلى جانب نقابيين ومثقفين وناشطين اجتماعيين وقيادات من حركات مختلفة.

كان الانتقال من النقابة إلى الحزب تحولًا أساسيًا في حياته، فبدلًا من الاكتفاء بالتفاوض على ظروف العمل، أصبح يسعى إلى تحويل مطالب العمال والفئات الأقل حظًا إلى برنامج سياسي ينافس على إدارة الدولة.

ثلاث هزائم قبل الوصول إلى القصر

لم تكن الطريق إلى الرئاسة سهلة، خاض لولا الانتخابات الرئاسية أعوام 1989،1994،1998،  لكنه خسر في المرات الثلاث، وكان عليه أن يواجه حقيقة أن الشعبية النقابية لا تتحول تلقائيًا إلى أغلبية انتخابية في بلد كبير ومتعدد المصالح مثل البرازيل.

مع مرور الوقت؛ أخذ خطابه يتطور  حافظ على اهتمامه بالعدالة الاجتماعية وحقوق العمال، لكنه اتجه أيضًا إلى بناء تحالفات سياسية أوسع، وسعى إلى طمأنة قطاعات من المجتمع بشأن الاستقرار الاقتصادي، لم يكن ذلك تخليًا كاملًا عن جذوره النقابية، بل محاولة للانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الحكم.

وفي انتخابات 2002، فاز لولا بالرئاسة، وحصل على نحو 53 مليون صوت، كان وصول عامل سابق إلى قمة السلطة حدثًا رمزيًا في بلد عُرف بتفاوتاته الاجتماعية، لكنه وضعه أمام سؤال أكثر صعوبة من الفوز نفسه، كيف يمكن تحويل الوعود الاجتماعية إلى سياسات قادرة على تحسين حياة الناس، من دون الإضرار باستقرار الاقتصاد؟

عندما أصبح الفقر ملفًا رئاسيًا

تولى لولا الرئاسة في يناير 2003، واختارت حكومته الجمع بين سياسات تستهدف الاستقرار الاقتصادي وبرامج اجتماعية واسعة، وكان برنامج «بولسا فاميليا» للتحويلات النقدية للأسر محدودة الدخل من أبرز المبادرات المرتبطة بعهده، إلى جانب برامج لتوسيع الوصول إلى الكهرباء والتعليم وتحسين فرص الفئات الأقل حظًا.

وساعدت سياسات الأجور والبرامج الاجتماعية، بالتوازي مع النمو الاقتصادي والظروف الدولية المواتية لصادرات البرازيل، في تحسين أوضاع قطاعات واسعة من السكان، وتراجع الفقر خلال سنوات حكمه الأولى، بينما اكتسبت التجربة البرازيلية اهتمامًا دوليًا بوصفها محاولة للجمع بين النمو الاقتصادي وتوسيع الحماية الاجتماعية.

بالنسبة إلى أنصاره، كانت هذه السياسات دليلًا على أن الدولة تستطيع أن تلعب دورًا أكبر في تقليص التفاوتات، أما منتقدوه، فركزوا على جوانب أخرى من تجربته، منها التحالفات السياسية والفساد والجدل الذي أحاط ببعض مؤسسات الحكم.

وكانت قضية “مينسالاو”، المرتبطة باتهامات بدفع أموال للحصول على دعم برلماني، من أبرز الفضائح التي هزت الحياة السياسية خلال رئاسته، وهنا ظهرت إحدى مفارقات تجربته، رئيس ارتبط اسمه بتوسيع البرامج الاجتماعية، لكنه لم يكن بمنأى عن الأزمات التي كشفتها منظومة السياسة البرازيلية.

أُعيد انتخابه عام 2006، وأنهى ولايته الثانية في نهاية 2010 بشعبية مرتفعة، غير أن مغادرته القصر لم تكن نهاية حضوره؛ فقد ظل اسمًا مؤثرًا في السياسة، قبل أن يدخل واحدة من أصعب مراحل حياته.

السجن والعودة التي لم تكن مضمونة

مع تصاعد التحقيقات المرتبطة بعملية «لافا جاتو» لمكافحة الفساد، أصبح لولا نفسه في قلب المواجهة القضائية، وفي عام 2018، سُجن بعد إدانته في إحدى القضايا، ما منعه من خوض الانتخابات الرئاسية في ذلك العام.

أثارت القضية انقسامًا واسعًا داخل البرازيل، رأى خصومه أن محاسبته ضرورية لمواجهة الفساد، بينما اعتبر أنصاره أن الإجراءات القضائية شابتها دوافع سياسية.

وفي عام 2021، ألغت المحكمة الاتحادية العليا أحكام إدانته لأسباب تتعلق باختصاص المحكمة التي نظرت القضايا، كما قضت في قضية منفصلة بتحيز القاضي سيرجيو مورو.

أعادت هذه التطورات إلى لولا حقوقه السياسية، لكنها لم تُنهِ الانقسام حوله، فقد عاد إلى المنافسة في بلد أصبح أكثر استقطابًا، وواجه في انتخابات 2022 الرئيس المنتهية ولايته جايير بولسونارو.

فاز لولا بفارق ضيق، وعاد إلى الرئاسة في يناير 2023، كانت العودة استثنائية، لكنها لم تعنِ استعادة الظروف التي أحاطت بولايتيه الأوليين؛ فقد تغيرت البرازيل، وتبدلت أولويات الناخبين، وأصبحت قضايا الأمن العام وتكاليف المعيشة والاستقطاب السياسي جزءًا أساسيًا من اختبار الحكم.

ولاية رابعة .. فصل جديد في تاريخ البرازيل

في 25 أكتوبر 2026، فاز لولا بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، بعد تغلبه على فلافيو بولسونارو في جولة الإعادة، وأعلنت المحكمة الانتخابية العليا حصوله على 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه.

وجاء الفوز في منافسة شديدة، وسط انقسام سياسي واضح، ورفض بولسونارو الاعتراف بالنتيجة، معلنًا عزمه الطعن فيها، بينما أكد إعلان المحكمة الانتخابية فوز لولا.

لكن النتيجة الانتخابية، مهما كانت أهميتها، لا تنهي الأسئلة المتعلقة بمستقبل البلاد، فالرئيس العائد يواجه مهمة إقناع مجتمع منقسم بأن خبرته الطويلة يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة، وأن سياساته قادرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

ولذلك، تختلف دلالة الولاية الرابعة عن دلالة فوزه الأول عام 2002، يومها، كان لولا يمثل احتمالًا جديدًا لصعود رجل من الطبقة العاملة إلى قمة السلطة، أما اليوم، فهو سياسي مخضرم يحمل سجلًا من الإنجازات والانتقادات، ويخضع لتقييم لا يتعلق بماضيه وحده، بل بما سيقدمه في المرحلة المقبلة.

الإنسان الذي سبق الرئيس

تظل حكاية لولا أكثر تعقيدًا من قصة طفل فقير أصبح رئيسًا، فهي ليست حكاية صعود بلا عثرات، ولا سيرة نجاح يمكن فصلها عن الجدل السياسي والقضائي الذي أحاط بصاحبها.

لقد جمع لولا بين خبرة العامل وقوة القائد النقابي، ثم تعلم كيف يبني التحالفات ويدير دولة كبيرة، وحقق خلال سنوات حكمه مكاسب اجتماعية مهمة، لكنه واجه أيضًا فضائح سياسية وانتقادات لم تنتهِ بمجرد عودته إلى السلطة.

قد يرى فيه أنصاره رمزًا لتوسيع الفرص أمام الفئات المهمشة، بينما يعتبره خصومه جزءًا من منظومة سياسية تحمل تناقضاتها ومشكلاتها، وبين الرؤيتين، تبقى حقيقة يصعب تجاهلها أن رحلته من شمال شرقي البرازيل إلى قصر الرئاسة أصبحت جزءًا من تاريخ البلاد الحديث.

في بداية الحكاية، كانت هناك أسرة تركت موطنها بحثًا عن حياة أفضل، وطفل اضطر إلى العمل مبكرًا، وعامل وجد في النقابة طريقًا إلى المشاركة العامة، وبعد عقود، عاد هذا العامل إلى الرئاسة للمرة الرابعة، حاملًا معه تاريخًا طويلًا من الطموح والهزائم والإنجازات والجدل.

لكن قيمة هذه الحكاية لا تكمن في الوصول إلى القمة وحده؛ بل في الأسئلة التي تتركها خلفها، كيف يمكن للسياسة أن تغيّر حياة الفئات الفقيرة؟ وما حدود قدرة الزعماء أصحاب الشعبية على إصلاح المؤسسات؟ وهل تستطيع التجربة التي صنعت نجاحًا في مرحلة معينة أن تجد حلولًا لتحديات مرحلة جديدة؟

هذه الأسئلة هي ما يجعل لولا دا سيلفا أكثر من مجرد رئيس برازيلي، إنه شخصية تختصر جانبًا من الصراع المستمر بين العدالة الاجتماعية والسلطة، وبين الأمل الشعبي والاختبار الصعب للحكم.

زر الذهاب إلى الأعلى