عربي ودولي

عرب 48 في قلب معركة تشكيل الحكومة الإسرائيلية.. هل يتحول إقصاؤهم إلى اختبار للديمقراطية؟

19 مقعدًا تضع الأحزاب العربية في موقع مؤثر بمفاوضات تشكيل الحكومة.. واتهامات الليكود ورفض التحالف معها يفتحان جدلًا حول المساواة وشرعية التمثيل السياسي

لم تحسم الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، التي جرت يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، هوية الحكومة المقبلة، بعدما أخفقت الكتلتان الرئيسيتان في الحصول على الأغلبية اللازمة داخل الكنيست المكون من 120 مقعدًا، وبينما حصل معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، نال معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت 48 مقعدًا، في مقابل 19 مقعدًا للأحزاب العربية، التي حققت بذلك أعلى تمثيل لها في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية.

وتضع هذه النتائج المواطنين العرب في إسرائيل، المعروفين باسم «عرب 48»، والأحزاب التي تمثلهم في قلب الحسابات السياسية خلال المرحلة المقبلة، بعدما أصبحت أصواتهم عنصرًا مؤثرًا في تحديد شكل الائتلاف الحكومي القادم، سواء عبر المشاركة المباشرة في الحكومة أو تقديم دعم برلماني من خارجها.

لكن الطريق أمام هذا الدور ليس ممهدًا؛ إذ تتصاعد هجمات حزب الليكود بزعامة نتنياهو على الأحزاب العربية، بالتزامن مع دعوات من قوى داخل معسكر المعارضة لاستبعادها من أي حكومة مقبلة، وهو ما يفتح نقاشًا يتجاوز حسابات المقاعد إلى قضية أوسع تتعلق بحدود المشاركة السياسية والمساواة في التمثيل، ومدى اتساق استبعاد قطاع من الناخبين مع القواعد الديمقراطية التي تحكم العملية الانتخابية.

وظل حزب «الليكود» الحزب الأكبر بحصوله على 27 مقعدًا، بينما حصل حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت على 21 مقعدًا، وتوزعت المقاعد العربية بين القائمة المشتركة التي حصدت 11 مقعدًا، والقائمة العربية الموحدة «رعام» بزعامة منصور عباس، التي حصلت على 8 مقاعد، وبذلك أصبح المشهد البرلماني موزعًا بين 53 مقعدًا لمعسكر نتنياهو، و48 لمعسكر المعارضة، و19 للأحزاب العربية.

19 مقعدًا.. كيف يمكن أن تؤثر الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة؟

تحتاج أي حكومة إسرائيلية إلى تأييد 61 عضوًا على الأقل من أعضاء الكنيست، وهو ما يجعل الأحزاب العربية طرفًا مؤثرًا في الحسابات الراهنة، فمعسكر المعارضة، الذي يمتلك 48 مقعدًا، يستطيع حسابيًا الوصول إلى 67 مقعدًا إذا حصل على دعم الأحزاب العربية مجتمعة، وهو ما يوفر مسارًا محتملًا لتشكيل حكومة تنهي حكم نتنياهو.

غير أن امتلاك هذه المقاعد لا يعني بالضرورة أن الأحزاب العربية ستعمل كتكتل واحد أو أنها ستشارك في الحكومة؛ فهناك اختلافات سياسية بين القائمة المشتركة و«رعام»، كما أن عددًا من أحزاب المعارضة أعلن رفضه تشكيل ائتلاف حكومي يعتمد على دعم القوائم العربية.

وفي تطور مهم يعكس طبيعة الدور الذي تسعى الأحزاب العربية إلى لعبه، أعلن النائب أحمد الطيبي، القيادي في القائمة المشتركة، يوم السبت 31 أكتوبر، استعداد قائمته لدعم حكومة يقودها آيزنكوت من خارج الائتلاف، مؤكدًا أنها لا تسعى إلى الحصول على حقائب وزارية أو المشاركة في الحكومة نفسها، وإنما تستهدف تغيير الحكومة الحالية.

وقال الطيبي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية: «لا أريد منصبًا وزاريًا.. نريد التغيير»، مشيرًا إلى أن الأحزاب العربية ستكون طرفًا ضروريًا في أي محاولة لتغيير الحكومة الحالية، كما أعلن أن قائمته ستدعم التصويت لإقالة رئيس الكنيست الحالي أمير أوحانا، وتأييد تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات هجوم 7 أكتوبر 2023، إلى جانب عدم دعم أي محاولة من الليكود لإسقاط الحكومة التي يأمل معسكر المعارضة تشكيلها.

ويكشف هذا الموقف عن اتجاه لدى القائمة المشتركة لاستخدام قوتها البرلمانية في التأثير على الحكومة المقبلة، دون اشتراط الحصول على تمثيل وزاري، لكن موقف «رعام» وموقعها من الترتيبات المحتملة يظلان عنصرين آخرين في حسابات التفاوض، خصوصًا أن التجربة الإسرائيلية شهدت في عام 2021 مشاركة حزب عربي، هو القائمة الموحدة، في ائتلاف حكومي أطاح بنتنياهو للمرة الأولى، واستمرت تلك التجربة نحو 18 شهرًا.

وبالتالي، فإن دور عرب 48 خلال المرحلة المقبلة لن يقتصر على ترجيح كفة أحد المعسكرين، بل قد يمتد إلى التصويت على رئاسة الكنيست، والتشريعات، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، ومراقبة الحكومة المقبلة، بما يجعل تمثيلهم البرلماني عاملًا مؤثرًا حتى في حال عدم مشاركتهم في الائتلاف الحاكم.

اتهامات الليكود.. التشكيك في أصوات العرب

في مقابل الصعود الانتخابي للأحزاب العربية، صعّد نتنياهو وحلفاؤه من اليمين خطابهم ضدها، إذ اتهم رئيس الوزراء الأحزاب العربية بـ«سرقة الانتخابات»، وروج مزاعم بشأن وقوع عمليات تزوير ورشوة وتهديد للناخبين، دون تقديم أدلة معلنة تثبت مسؤولية هذه الأحزاب عن تلك المخالفات.

كما روج حزب الليكود اتهامات بشأن تدخل أطراف خارجية وتمويل قطري مزعوم للتأثير في التصويت العربي، واعتبر أن ما جرى يمثل محاولة لتغيير طبيعة الدولة وإسقاط حكومة اليمين، وطالب الحزب القوى السياسية الأخرى بعدم التعاون مع القائمة المشتركة أو «رعام» في تشكيل الحكومة أو تغيير رئاسة الكنيست.

331876

من جانبه، نفى منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة «رعام»، وجود أي علاقة لحزبه بالاتهامات المتعلقة بالتمويل الخارجي، مؤكدًا استعداده للتعاون الكامل مع جهات التحقيق، كما رفضت قطر الاتهامات الموجهة إليها، ووصفتها بأنها غير صحيحة وخطيرة.

وفي سياق متصل، طلب رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي في المحكمة العليا نوعام سولبرج، من جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» التحقيق في شبهات تتعلق بمحاولات تدخل خارجي في الانتخابات، لكنه أوضح أنه لا يستطيع تأكيد طبيعة هذه الشبهات، كما أن طلب التحقيق لم يحدد قطر أو أي حزب عربي بوصفه طرفًا متورطًا.

وفي المقابل، أكدت لجنة الانتخابات المركزية عدم وجود أساس لادعاءات وقوع انتهاكات منهجية لنزاهة العملية الانتخابية، فيما شدد الشاباك على أن التحقيق يستهدف أشخاصًا محددين يشتبه في تورطهم بمخالفات، ولا يستهدف التشكيك في قطاع كامل من المواطنين الذين مارسوا حقهم الانتخابي بصورة قانونية وديمقراطية.

كما دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج إلى التحقيق في الادعاءات، محذرًا في الوقت نفسه من الإساءة إلى مجتمع بأكمله بسبب ممارسات محتملة من أفراد. وتكشف هذه المواقف عن ضرورة التمييز بين التحقيق في مخالفات انتخابية محددة، وبين تعميم الاتهامات على الناخبين العرب أو التشكيك في شرعية مشاركتهم السياسية.

هل تتحول محاولات إقصاء عرب 48 إلى أزمة ديمقراطية؟

لا ينفصل تصاعد الهجوم على الأحزاب العربية عن الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة؛ إذ يرى محللون أن التشكيك في نتائج مشاركة العرب قد يهدف، من بين أمور أخرى، إلى الضغط على آيزنكوت ومنعه من الاعتماد على دعمهم البرلماني لتشكيل حكومة بديلة عن حكومة نتنياهو.

وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ السياسة في جامعة رايخمان إيتان جلبوع، في تصريحات نقلتها وكالة «رويترز»، أن الهدف من هذه الهجمات هو «نزع الشرعية عن أي تعاون عربي يهودي»، كما قال أحمد الطيبي إن الحملة تستهدف تخويف آيزنكوت ومنعه من تشكيل حكومة تعتمد على دعم القائمة المشتركة أو «رعام» من الخارج.

وتتضح حساسية القضية في ضوء أن المواطنين العرب يمثلون نحو 21% من سكان إسرائيل، وأن الأحزاب التي تمثلهم حصلت على 19 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة، بما يعكس حجم مشاركتهم في الحياة السياسية وقدرتهم على التأثير في نتائجها.

ومن الناحية السياسية، يحق للأحزاب الإسرائيلية تحديد الأطراف التي تقبل التحالف معها وفقًا لبرامجها ومواقفها، لكن الإشكالية تظهر عندما يتجاوز الخلاف على تشكيل الائتلاف إلى التشكيك في شرعية أصوات المواطنين العرب أو محاولة إقصاء ممثليهم من المجال السياسي لمجرد هويتهم أو قاعدة ناخبيهم.

وهنا يبرز السؤال بشأن مدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على استيعاب نتائج الانتخابات بوصفها تعبيرًا عن إرادة الناخبين بمختلف مكوناتهم، أم أن حق المشاركة سيظل مقيدًا بحدود الشراكة التي تقبل بها الأحزاب اليهودية مع ممثلي المواطنين العرب.

ولا يعني رفض حزب سياسي التحالف مع حزب آخر، في حد ذاته، انهيار الديمقراطية، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى حملة تنزع الشرعية عن تصويت قطاع سكاني كامل يضع مبدأ المساواة السياسية أمام اختبار حقيقي، فالديمقراطية لا تقتصر على السماح للمواطنين بالإدلاء بأصواتهم، وإنما تشمل أيضًا احترام نتائج التصويت وحق ممثليهم المنتخبين في المشاركة البرلمانية وفقًا للقانون.

المعارضة بين التحالف مع العرب وحكومة الوحدة مع نتنياهو

على الجانب الآخر، يواجه آيزنكوت تحديًا داخل معسكره؛ إذ لا تتبنى جميع الأحزاب المنضوية تحت لواء المعارضة موقفًا واحدًا من التعاون مع القوائم العربية. فقد أعلن أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، رفضه تشكيل حكومة تضم الأحزاب العربية، كما تعهدت ثلاثة أحزاب من أصل أربعة داخل معسكر المعارضة بعدم تشكيل ائتلاف حكومي معها.

وتعني هذه المواقف أن جمع 67 مقعدًا حسابيًا لا يضمن تشكيل حكومة فعلية، لأن ذلك يتطلب توافقًا سياسيًا بين الأطراف المشاركة، وهو ما يجعل آيزنكوت أمام معادلة معقدة، إما محاولة إقناع حلفائه بقبول دعم الأحزاب العربية من الخارج، أو البحث عن مسار آخر لتشكيل الحكومة.

ومن بين السيناريوهات المطروحة محاولة نتنياهو إقناع آيزنكوت وبعض حلفائه بالانضمام إلى حكومة وحدة وطنية، وهو ما قد يمنحه أغلبية برلمانية تصل إلى 67 مقعدًا وفق حسابات التحالف المحتملة، مع إبقاء الأحزاب العربية خارج الائتلاف.

لكن هذا السيناريو يصطدم بتعهدات آيزنكوت وحلفائه بعدم المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو، الذي يحملونه مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي أحاطت بهجوم 7 أكتوبر 2023، ويتهمونه بتقويض المؤسسات الديمقراطية، إلى جانب محاكمته المستمرة في قضايا فساد.

كما يمثل تشكيل حكومة جديدة برئاسة نتنياهو استمرارًا للخلاف حول إجراء تحقيق رسمي في إخفاقات 7 أكتوبر، وهو مطلب رئيسي لقطاعات من ناخبي المعارضة. وفي المقابل، قد يؤدي فقدانه رئاسة الحكومة إلى زيادة الضغوط السياسية والقانونية المرتبطة بمحاكمته وقضايا الإخفاق الأمني.

مفاوضات معقدة واحتمال العودة إلى صناديق الاقتراع

من المقرر تقديم النتائج النهائية إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يوم الأربعاء 4 نوفمبر، بعد استكمال الإجراءات المتعلقة بالطعون والشكاوى، على أن يؤدي أعضاء الكنيست الجديد اليمين الدستورية في 10 نوفمبر المقبل.

وبعد تسلم النتائج، يجري الرئيس مشاورات مع ممثلي الكتل البرلمانية، ثم يكلف عضوًا في الكنيست بتشكيل الحكومة، وفق تقديره لمدى قدرته على الحصول على الدعم اللازم. ويمنح القانون المرشح المكلف 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة لمدة لا تتجاوز 14 يومًا.

وفي حال فشل المحاولة الأولى، يمكن للرئيس تكليف عضو آخر لمدة 28 يومًا دون تمديد. وإذا تعثرت المحاولة الثانية، يستطيع أغلبية أعضاء الكنيست ترشيح عضو آخر لتشكيل الحكومة خلال 21 يومًا، على أن يحصل المرشح الثالث على 14 يومًا لإنجاز المهمة. وإذا فشلت جميع هذه المسارات، تتجه البلاد إلى انتخابات جديدة خلال 90 يومًا، بينما تستمر الحكومة الحالية في أداء مهامها لحين تشكيل حكومة بديلة.

وبين احتمالات تشكيل حكومة تعتمد على دعم عربي من الخارج، أو حكومة وحدة يقودها نتنياهو، أو العودة إلى صناديق الاقتراع، تبدو الأحزاب العربية أمام فرصة سياسية لزيادة تأثيرها في القرارات المقبلة، لكنها تواجه في الوقت نفسه محاولات لتقييد هذا الدور ونزع الشرعية عنه.

وتكشف الانتخابات أن أصوات عرب 48 لم تعد هامشًا في معادلة الحكم الإسرائيلية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحسابات البرلمانية. ويبقى الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت القوى السياسية ستتعامل مع هذه الأصوات باعتبارها جزءًا من النتيجة الديمقراطية التي يجب احترامها، أم أن الخلاف على هوية الشركاء سيطغى على مبدأ المساواة في المشاركة والتمثيل.

زر الذهاب إلى الأعلى