بين الإساءة والمصالح الاستراتيجية.. ماذا تكشف تصريحات ترامب عن مستقبل العلاقات الأمريكية الليبية؟

أعادت التصريحات المسيئة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن ليبيا وشعبها، خلال تجمع انتخابي في ولاية جورجيا أمس، فتح ملف العلاقة بين واشنطن وطرابلس، ليس فقط من زاوية احترام السيادة والكرامة الوطنية، وإنما أيضًا من منظور أوسع يتعلق بكيفية تعامل الولايات المتحدة مع دولة تحتل موقعًا استراتيجيًا في شمال أفريقيا، وتتقاطع فيها مصالح الطاقة والأمن والهجرة والتنافس الدولي.
وجاءت تصريحات «ترامب» في سياق هجومه على سياسات الهجرة الأمريكية، إذ أشار إلى ليبيا واليمن وهايتي والصومال مستخدمًا أوصافًا مهينة، وربط هذه الدول بمخاوف تتعلق بالإرهاب والهجرة، وبحسب التغطية المنشورة استهدف خطابه أيضًا السيناتور الديمقراطي جون أوسوف، على خلفية موقفه من مشروع يتعلق بالهجرة.
وفي المقابل؛ رفض رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، الإساءة إلى بلاده، مؤكدًا أن ليبيا دولة ذات سيادة وأن كرامة شعبها لا ينبغي أن تكون موضوعًا للسجالات الانتخابية الأمريكية.
كما أدان نائب القائد العام للقوات المسلحة في شرق ليبيا، الفريق أول ركن صدام حفتر، التصريحات ودعا إلى رد رسمي، فيما أفادت رويترز بأن وزارة الخارجية الليبية استدعت القائم بالأعمال الأمريكي للاحتجاج.
لكن السؤال الذي يتجاوز ردود الفعل المباشرة هو: هل تعكس تصريحات ترامب تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، أم أنها تعبير عن خطاب انتخابي حاد لا يغيّر بالضرورة حسابات واشنطن الاستراتيجية؟
الإجابة تتطلب العودة إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، الذي يكشف أن العلاقة لم تتحرك في خط مستقيم، بل انتقلت من التعاون إلى المواجهة، ومن العقوبات إلى التطبيع، ثم إلى التدخل العسكري، وصولًا إلى التعامل مع واقع ليبي منقسم تتنافس داخله سلطات وقوى محلية وخارجية.

من الملك إدريس إلى القذافي.. المصالح التي أسست العلاقة
بدأت العلاقات الأمريكية الليبية الحديثة في مرحلة الاستقلال، حين اعترفت واشنطن بليبيا عام 1951، وخلال عهد الملك إدريس الأول، اكتسبت البلاد أهمية استراتيجية نتيجة موقعها الجغرافي في شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط، فضلًا عن مواردها النفطية والوجود العسكري الأمريكي في قاعدة ويلس الجوية قرب طرابلس.
غير أن انقلاب سبتمبر 1969، الذي أطاح الملك إدريس وقاده ضباط من بينهم معمر القذافي، مثّل بداية مرحلة مختلفة، فقد اتجه النظام الجديد إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي، وغادرت القوات الأمريكية قاعدة ويلس عام 1970، فيما بدأت الخلافات تتسع بشأن توجهات النظام الليبي وسياساته الإقليمية.
وتصاعد التوتر خلال السبعينيات والثمانينيات، وصولًا إلى إدراج ليبيا على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب عام 1979، ثم الغارات الأمريكية على طرابلس وبنغازي في أبريل 1986 خلال رئاسة رونالد ريجان، على خلفية اتهامات أمريكية لليبيا بالضلوع في هجمات استهدفت أمريكيين.
تكشف هذه المرحلة أن واشنطن كانت مستعدة لاستخدام العقوبات والقوة العسكرية عندما اعتبرت أن سياسات النظام الليبي تتعارض مع مصالحها الأمنية. لكنها تكشف أيضًا أن الخلاف لم يكن بالضرورة دائمًا؛ إذ تغيرت العلاقة عندما تبدلت حسابات الطرفين.
ففي عام 2003، أعلنت ليبيا التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل، واتخذت خطوات للتعاون في ملفات أمنية وقضائية، ثم استؤنفت العلاقات الدبلوماسية الأمريكية الليبية بالكامل عام 2006 خلال إدارة جورج دبليو بوش.
وكانت دلالة هذه المرحلة أن التطبيع لم يحتج إلى تغير كامل في هوية النظام الليبي، بقدر ما ارتبط بتغييرات محددة في الملفات التي اعتبرتها واشنطن أولوية، وهو ما يوضح أن المصالح الأمنية ظلت عنصرًا حاسمًا في تحديد طبيعة العلاقة.
أوباما و2011.. سقوط النظام وبقاء معضلة الدولة
مثّل التدخل العسكري الدولي في ليبيا عام 2011، بمشاركة الولايات المتحدة خلال رئاسة باراك أوباما، نقطة تحول كبرى في تاريخ العلاقة، فقد جاء التدخل استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1973 المتعلق بحماية المدنيين، وانتهى بسقوط نظام القذافي ومقتله في أكتوبر من العام نفسه.
لكن إسقاط النظام لم يؤدِّ إلى بناء مؤسسات موحدة قادرة على احتكار القوة أو إدارة انتقال سياسي مستقر، ومع تعدد التشكيلات المسلحة وتنافس القوى السياسية، دخلت البلاد في مرحلة جديدة من الصراع، تفاقمت عام 2014 واستمرت آثارها خلال السنوات التالية.
وهنا تظهر المفارقة الأهم في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، ساهمت واشنطن في تدخل عسكري غيّر النظام، لكنها لم تتمكن من ضمان قيام نظام مستقر بعده، ولا يعني ذلك تحميل الولايات المتحدة وحدها مسؤولية الأزمة، إذ تداخلت معها عوامل داخلية وتدخلات إقليمية ودولية؛ لكنه يوضح أن نتائج التدخل ظلت جزءًا من البيئة التي تتحرك فيها السياسة الأمريكية.
ويشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي الصادر في مايو 2025 إلى استمرار الانقسام المؤسسي، وتأجيل الانتخابات من عام 2021، وتنافس القوى المحلية والرعاة الخارجيين، باعتبارها عوامل رئيسية تعرقل الاستقرار وتحد من قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها في ليبيا.
وبذلك انتقلت العلاقة من التعامل مع نظام مركزي واحد إلى إدارة شبكة معقدة من السلطات والمؤسسات والقوى المسلحة، لكل منها حساباتها واتصالاتها الخارجية.
ترامب وبايدن.. اختلاف الأدوات واستمرار المصالح
خلال الولاية الأولى لترامب، ظهرت ازدواجية واضحة في التعامل مع ليبيا، فقد تبنت الإدارة سياسة متشددة تجاه الهجرة، وشملت القيود التي أعلنتها عام 2027 مواطني ليبيا ضمن الدول المستهدفة، وفي الوقت نفسه، أجرى ترامب اتصالًا بخليفة حفتر في أبريل 2019، خلال الهجوم الذي شنته قواته على طرابلس، وأشاد بدوره في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد النفط.
وأثار الاتصال تساؤلات حول مدى اتساق الخطاب الأمريكي الداعم للعملية السياسية مع التواصل مع أحد أطراف الصراع العسكري، لكنه أظهر أيضًا أن واشنطن كانت تتعامل مع قوى متعددة في ليبيا وفق اعتبارات الأمن والنفوذ، وليس من خلال موقف سياسي واحد ثابت تجاه جميع الأطراف.
أما إدارة جو بايدن، فركزت على دعم المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتوحيد المؤسسات، والحفاظ على وقف إطلاق النار، والدفع نحو الانتخابات. ومع ذلك، لم تنجح الجهود في إنهاء الانقسام أو إجراء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في ديسمبر 2021.
وفي عام 2026، تواصل واشنطن انخراطها في الملف الليبي، فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس في يوليو بأن إدارة ترامب تمضي في التحضير لإعادة فتح السفارة الأمريكية في ليبيا، مع تخصيص مقترح يقارب 41 مليون دولار لتجهيزات أمنية مرتبطة باستئناف محتمل للعمليات الدبلوماسية.
وربطت الإدارة الخطوة بمصالح الأمن القومي الأمريكي، وموقع ليبيا في البحر المتوسط، وأسواق الطاقة، وتدفقات الهجرة، والمنافسة مع روسيا.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في قراءة تصريحات ترامب الأخيرة؛ إذ إن التحضير لتعزيز الحضور الدبلوماسي الأمريكي يتزامن مع خطاب مسيء تجاه ليبيا، وهذا التناقض لا يثبت وجود ازدواجية مقصودة، لكنه يوضح أن الخطاب السياسي والمصالح العملية قد يتحركان في اتجاهين مختلفين.
لماذا تظل ليبيا مهمة لواشنطن؟
لايمكن اختزال المصالح الأمريكية في ليبيا في ملف الهجرة أو مكافحة الإرهاب، فهناك أربعة محددات رئيسية تفسر استمرار اهتمام واشنطن بالبلاد.
أولاً الطاقة:- تمتلك ليبيا احتياطيات نفطية كبيرة، ويؤثر استقرار إنتاجها وصادراتها في الأسواق وفي مصالح الشركات العاملة بقطاع الطاقة، ولذلك تظل حماية المنشآت النفطية ومنع استخدامها أداةً للصراع الداخلي ضمن الملفات ذات الأهمية الاقتصادية.
ثانيًا الأمن:- تسعى الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى منع الجماعات المسلحة العابرة للحدود من استخدام الأراضي الليبية قاعدةً لنشاطها، لكن هذا الهدف الأمني لا يبرر تعميم الاتهامات على الشعب الليبي أو اختزال دولة كاملة في المخاطر الأمنية.
ثالثًا الهجرة:- يمثل الموقع الليبي على ساحل المتوسط عنصرًا أساسيًا في حسابات واشنطن وأوروبا المتعلقة بمسارات الهجرة والتهريب، وقد جعل هذا الملف ليبيا حاضرة في الخطاب السياسي الأمريكي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أساس لتصنيف شعب بأكمله باعتباره مصدرًا للخطر.
رابعًا التنافس الدولي:- أدى الانقسام الليبي إلى توسيع مساحة نفوذ القوى الخارجية، بما فيها روسيا وتركيا ودول إقليمية أخرى.
وتخشى واشنطن أن يؤدي استمرار الفراغ المؤسسي إلى تعزيز نفوذ منافسيها في شمال أفريقيا والبحر المتوسط، وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن زيادة الحضور الروسي، إلى جانب الانقسام الداخلي، من العوامل التي دفعت الإدارات الأمريكية إلى محاولة توحيد المؤسسات الليبية.
ومن هنا، فإن المصلحة الأمريكية لا تقتضي بالضرورة القطيعة مع ليبيا عند حدوث خلاف سياسي، بل قد تدفع إلى استمرار التواصل مع مختلف الأطراف، حتى في ظل التوتر الدبلوماسي.
خامسًا:- ماذا تكشف التصريحات عن طبيعة السياسة الأمريكية؟
يمكن قراءة تصريحات ترامب من خلال ثلاثة مستويات.
المستوى الأول هو السياق الانتخابي، فقد وردت التصريحات في تجمع انتخابي، وفي إطار مهاجمة سياسات الهجرة وخصومه الديمقراطيين. وهذا يدعم تفسيرها باعتبارها جزءًا من خطاب سياسي داخلي، لكنه لا يسمح بالجزم بأن هذا هو الدافع الوحيد وراءها.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالصورة الأمنية التي ارتبطت بليبيا في الخطاب الغربي خلال سنوات الصراع والانقسام. فقد جعلت الأزمات الأمنية والهجرة غير النظامية ليبيا موضوعًا متكررًا في النقاشات المتعلقة بالاستقرار والحدود، لكن الانتقال من مناقشة تحديات محددة إلى استخدام أوصاف مهينة بحق دولة وشعبها يمثل مشكلة سياسية ودبلوماسية مستقلة عن تلك التحديات.
ويتمثل المستوى الثالث في اختبار قدرة المؤسسات الليبية على توحيد موقفها، فقد أظهرت ردود الفعل رفضًا واسعًا للإساءة، لكن ذلك لا يعني انتهاء الانقسام السياسي أو نشوء سياسة خارجية موحدة.
وعليه، فإن التصريحات تمثل أزمة في الخطاب والعلاقات الدبلوماسية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحول استراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، ويظل المعيار الأهم هو ما إذا كانت ستتبعها قرارات رسمية تمس التعاون أو المصالح الليبية.
سادسًا:- ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العلاقة
السيناريو الأول:- احتواء الأزمة واستمرار التعاون
يتحقق هذا المسار إذا بقي الخلاف في حدود التصريحات، مع استمرار الاتصالات الرسمية والتعاون الأمني والاقتصادي، وقد يتعزز إذا قدمت واشنطن توضيحًا يخفف التوتر، أو امتنعت عن التصعيد، مع مواصلة جهودها المتعلقة بالوجود الدبلوماسي والتسوية السياسية.
وتتمثل مؤشراته في استمرار الاتصالات، وعدم صدور إجراءات أمريكية جديدة مرتبطة بالواقعة، وبقاء التعاون في الملفات ذات المصالح المشتركة.
السيناريو الثاني:- توتر دبلوماسي دون قطيعة
قد يستمر الخلاف إذا لم يصدر رد أمريكي يرضي السلطات الليبية، أو إذا تكررت التصريحات المسيئة، وفي هذه الحالة، قد تتضرر الثقة السياسية، بينما تستمر العلاقات العملية بسبب المصالح المتبادلة.
وتتمثل مؤشراته في استمرار المطالب الليبية بالتوضيح أو الاعتذار، وصدور مواقف رسمية إضافية، مع عدم انتقال الأزمة إلى إجراءات أشد.
السيناريو الثالث :- انتقال الأزمة إلى خلاف استراتيجي
يتطلب هذا السيناريو تطورات تتجاوز الخطاب، مثل صدور قرارات أمريكية جديدة تمس التعاون الأمني أو الاقتصادي، أو تراجع الاتصالات الدبلوماسية بصورة ملموسة، أو ظهور خلافات رسمية حول ملفات استراتيجية.
وقد يدفع ذلك السلطات الليبية إلى توسيع تحركاتها الدبلوماسية عربيًا وأفريقيًا، وإعادة تقييم بعض جوانب التعاون مع واشنطن، لكن هذا المسار يظل مشروطًا بوقائع لم تثبتها التصريحات الحالية وحدها.
ولا يمكن الجزم مسبقًا بأي من السيناريوهات؛ إذ يتوقف المسار على رد واشنطن، وطبيعة التحرك الليبي، والتطورات الأوسع في التنافس الدولي داخل ليبيا.








