«الحماية على الورق لا تكفي».. حقوقيون ونواب يناقشون سبل مواجهة العنف في المجتمع المصري
د.مجدي عبد الحميد: التحدي الأكبر هو تحويل النصوص القانونية إلى حماية فعلية
انطلقت بالقاهرة، صباح اليوم الأربعاء، فعاليات ورشة العمل التي ينظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان، بالشراكة مع المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان، تحت عنوان «مواجهة العنف في المجتمع المصري: من الحماية المقررة إلى الحماية الفعلية»، والتي تستمر على مدار يومين.
وتستهدف الورشة تشخيص واقع العنف ورصد الفجوات في منظومة الحماية والاستجابة، من خلال بناء فهم مشترك يستند إلى الأدلة والبيانات بشأن نطاق العنف ضد النساء والفتيات والأطفال في الفضاءات الأسرية والعامة والرقمية، إلى جانب تتبع مسارات الناجيات والناجين عبر مراحل الاستجابة المختلفة، وتحديد نقاط التعثر وأسبابها والجهات المعنية بها.
التحدي الأكبر
وفي كلمته، أكد الدكتور مجدي عبد الحميد، الحقوقي ومدير المشروع الأوروبي بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، أن العنف لا تقتصر آثاره على الأفراد، بل تمتد إلى المجتمع والاقتصاد، مشيرًا إلى التكلفة الاقتصادية السلبية المترتبة على ممارسته، وانعكاساته المباشرة على مختلف المستويات.

وأوضح عبد الحميد أن أنماط العنف وشبكاته شهدت تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، لافتًا إلى توافر بيانات وإحصاءات ترصد الظاهرة، ومعلنًا إتاحة العروض التقديمية والأوراق العلمية للمشاركين عقب انتهاء فعاليات الورشة، بما يسهم في تعميم الاستفادة من مخرجاتها.
وشدد على أن التحدي الأكبر لا يكمن في إصدار القوانين والتشريعات فحسب، وإنما في متابعة تنفيذها وضمان تطبيقها بصورة فعالة، موضحًا أن عددًا من العوائق، وفي مقدمتها الموروثات الثقافية والأنماط المجتمعية السائدة، لا يزال يعرقل جهود إنفاذ القوانين وتحويل نصوصها إلى واقع ملموس.
وتساءل عبد الحميد عن مدى القدرة على تجاوز هذه التحديات، والانتقال من الحماية التي تقررها النصوص القانونية إلى آليات تنفيذية حقيقية يشعر بها المواطنون على أرض الواقع.
وأكد أهمية ترجمة مناقشات الورشة إلى توصيات ومقترحات مكتوبة ومحددة، تُرفع إلى صناع القرار والجهات المعنية بالتشريع والتنفيذ، فضلًا عن المؤسسات المجتمعية القادرة على نشر الوعي وإحداث تغيير ملموس، بما يعزز فرص نجاح الجهود التشريعية والتنموية في مواجهة العنف.
مشروع قانون موحد لمواجهة العنف ضد المرأة
وفي سياق متصل، استعرضت النائبة مها عبد الناصر، مشروع القانون الموحد لمواجهة العنف ضد المرأة، الذي سبق أن تقدمت به رسميًا إلى مجلس النواب، بعد جمع 60 توقيعًا نيابيًا، موضحة أن المشروع جاء نتاج عمل تشاركي وصياغة مشتركة مع عدد من المنظمات النسوية ومؤسسات المجتمع المدني.
وأضافت أن المشروع يتضمن مجموعة من الآليات التشريعية والتنفيذية للتعامل مع مختلف أشكال العنف ضد المرأة، بما يشمل العنف الرقمي والمنزلي والجسدي، وجرائم الاغتصاب وزواج القاصرات.
واستعرضت أبرز محاور المشروع، التي تشمل إنشاء أقسام شرطة متخصصة تضم كوادر نسائية وأخصائيين، وتخصيص دوائر قضائية نوعية للنظر في هذه القضايا بما يسهم في سرعة الفصل فيها، فضلًا عن اعتماد الأدلة الرقمية رسميًا، واستحداث أوامر حماية وقتية وسريعة للضحايا، وإنشاء «اللجنة العليا لمكافحة العنف ضد المرأة» لتنسيق الجهود بين الجهات المعنية.
كما يتضمن المشروع اعتماد فلسفة عقابية متدرجة تتناسب مع طبيعة جرائم العنف الإلكتروني وأشكالها المختلفة.
غياب الإرادة السياسية
وأكدت الحقوقية فيولا فهمي أن مواجهة العنف ضد النساء بمختلف أشكاله لا تزال تصطدم بغياب الإرادة السياسية الحقيقية، رغم طرح القضية ومناقشتها منذ سنوات طويلة، مشيرة إلى عدم إقرار تشريع موحد وشامل للتعامل مع هذه الظاهرة، وغياب البيانات والإحصاءات الرسمية الكافية التي ترصد حجمها وأبعادها في المجتمع المصري.
وأوضحت «فهمي»، أن هناك رغبة مجتمعية في عدم إظهار الأرقام المرتبطة بظاهرة العنف ضد النساء، تجنبًا لما قد تسببه من إساءة لصورة مصر، على حد وصفها.
وانتقدت الحقوقية الاكتفاء بترديد شعارات إدماج حقوق الإنسان في المناهج التعليمية بالجامعات والمدارس، دون أن ينعكس ذلك على الممارسة الفعلية، مشيرة إلى أن تدريس هذه المفاهيم يتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد مادة للنجاح والرسوب، تُحفظ قواعدها نظريًا ثم تُنسى دون أن تتحول إلى سلوك وثقافة مجتمعية.
وشددت على أن تعزيز حقوق الإنسان يتطلب وعيًا حقيقيًا من الدولة والمجتمع بأن العنف ضد النساء ليس قضية نسائية فحسب، وإنما قضية مجتمعية تمس مختلف جوانب الحياة، وتؤثر بشكل مباشر على سوق العمل والاقتصاد، لافتة إلى أن انسحاب المرأة من المشاركة المجتمعية والاقتصادية وتراجع قدرتها على ممارسة حقوقها يكبد المجتمع خسائر وتكاليف باهظة.
وأكدت «فهمي» ضرورة الاهتمام بتدريب القائمين على إنفاذ القانون، باعتبارهم من الجهات الأكثر احتكاكًا بالنساء الناجيات من العنف، مشددة على أهمية ترسيخ احترام حق المرأة في الإبلاغ عن الانتهاكات، وضمان التعامل الجاد مع شكاواها وتيسير وصولها إلى العدالة دون انتهاك حقوقها أو تعريضها لمزيد من الأذى.
واختتمت الحقوقية تصريحها بالتأكيد على أن مسار تحقيق العدالة للمرأة مكلف ومؤلم، ويتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة كافة، من خلال الإعلام والخطاب الديني والتطوير المؤسسي، والعمل على تغيير الثقافة المجتمعية، بما يضمن توفير حماية حقيقية لحقوق الإنسان، ومواجهة العنف بمختلف صوره وأشكاله.
تضييق على المجتمع المدني
بدورها، انتقدت الدكتورة فاطمة خفاجي، المديرة السابقة لبرنامج «المساواة بين الجنسين» في «يونيسف مصر ضعف المخصصات المالية في موازنة الدولة الموجهة لمواجهة العنف ضد المرأة، مؤكدة أن بنود الموازنة لا تعكس اهتمامًا جادًا أو تمويلًا كافيًا للتصدي لمختلف أشكال العنف، فضلًا عن تراجع الإنفاق الفعلي على قطاعي التعليم والصحة، المرتبطين بصورة مباشرة بجهود الحماية والوقاية.
وتساءلت «خفاجي» عن أسباب خفض الإنفاق على التعليم والصحة، حتى في ظل عدم اعتبار حماية المرأة أولوية رئيسية في سياسات الدولة، قائلة: «من باب أولى لو المرأة لا تمثل أولوية كبرى في سياسات الدولة، أفليس من باب أولى ألا نخفض الإنفاق على التعليم والصحة؟».
وأشارت الدكتورة فاطمة خفاجي إلى أن من أبرز الإشكاليات القائمة اتساع الدور الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني في استقبال ضحايا العنف وتقديم الخدمات والدعم لهن، مقارنة بما تقدمه الجهات الرسمية، رغم محدودية إمكانات هذه المنظمات.
وانتقدت في المقابل السياسات التي تفرض قيودًا على عمل مؤسسات المجتمع المدني، رغم الدور الذي تؤديه في مساندة النساء الناجيات من العنف وتوفير الخدمات اللازمة لهن.
واختتمت «خفاجي» تصريحها بالتساؤل عن جدوى هذه السياسات، في ظل الحاجة إلى توسيع جهود مكافحة العنف ضد المرأة، قائلة: «لا أستطيع أن أفهم ما الحل، إلا إذا كانت الدولة لا ترغب حقًا في تشجيع القضاء على هذه الأنواع من العنف ضد المرأة».
مناقشات متنوعة
وشهدت جلسات للورشة نقاشات موسعة بين الخبراء والحقوقيين وممثلي منظمات المجتمع المدني، تناولت سبل تفعيل التشريعات على أرض الواقع، وتذليل العقبات الإجرائية والتنفيذية التي تواجه الناجيات من العنف خلال مراحل الإبلاغ والحماية والتقاضي.
وأكد المشاركون أهمية التكامل بين تطوير المنظومة التشريعية وتعزيز التوعية المجتمعية، بما يضمن عدم الاكتفاء بإقرار النصوص القانونية، والعمل على توفير آليات فعالة لتنفيذها، وقدموا توصيات متنوعة لمنع العنف في المجتمع.






