
بينما تسعى الدولة نحو التحول الرقمي الشامل بهدف تسهيل إجراءات الاستثمار ، لا يزال واقع تأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة يواجه تحديات بيروقراطية تتعلق بتشابك الاختصاصات وتعدد الجهات الرقابية التي يجب على المواطن التعامل معها.
وونرصد في التالي أن العقبات أمام المستثمر الصغر لا تتوقف عند رصد الإجراءات الورقية فحسب، بل تمتد لتسليط الضوء على تكلفة الوقت التي تستنزف طاقة المستثمر الصغير قبل أن يبدأ نشاطه الفعلي، كما أن الهدف هنا هو فهم الفجوة بين التشريعات التي تهدف للتيسير، وبين الممارسة الإدارية اليومية التي تجعل من استخراج رخصة التشغيل عقبة أمام النمو الاقتصادي المنشود.
الصراع مع تضارب الاختصاصات بين الجهات
يتحدث سيد عبد الله، وهو صاحب ورشة نجارة وتصنيع أثاث، عن تجربته التي يصفها بالمرهقة نتيجة عدم وجود مرجعية واحدة للطلبات الفنية بين الأحياء والجهات الرقابية.
يوضح عبد الله أنه وجد نفسه في مواجهة متطلبات متناقضة بين جهات الحماية المدنية والمحليات؛ فما تطلبه جهة قد تعتبره الجهة الأخرى مخالفة بنائية، وهذا التضارب لا يستهلك الموارد المالية فقط، بل يصيب صاحب المشروع بحالة من الإحباط تدفعه للتفكير في البقاء داخل إطار “الاقتصاد غير الرسمي” لتجنب هذه الدوامة الإدارية التي لا تنتهي بجدول زمني واضح.
غياب المعلومة وضياع الفرص في أروقة المحليات
من زاوية أخرى، تروي مروة عبد النبي، التي حاولت إطلاق مشروع لإنتاج وتغليف المواد الغذائية، أن العائق الأكبر يتمثل في غياب دليل إجرائي موحد وواضح يربط بين المحليات والهيئات المتخصصة.
تشير إلى أنها قضت عدة أشهر تنقلت خلالها بين المكاتب الحكومية لتكتشف في كل مرحلة وجود مستندات إضافية لم تكن معلنة في البداية، مؤكدة أن هذه البيروقراطية تقتل روح المبادرة لدى الشباب وتجعل من عملية الاستثمار مخاطرة غير محسومة العواقب نتيجة ضبابية الإجراءات وطول أمد الحصول على الموافقات النهائية.
خبير اقتصادي يضع خارطة الطريق
وفي ذلك يرى الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، أن تعقيد إجراءات التراخيص يمثل ضريبة خفية ترفع من تكلفة المنتج النهائي وتضعف القدرة التنافسية للقطاع الخاص.
وأكد الشافعي أن الاقتصاد الحر لا يمكن أن ينمو في ظل وجود عوائق إدارية تمنع التدفق السلس لرؤوس الأموال الصغيرة إلى السوق الرسمية، موضحاً أن الحل الجذري يكمن في التحول من الرقابة المسبقة التي تعطل الإنتاج، إلى الرقابة اللاحقة التي تضمن الالتزام بالمعايير دون وقف العمل.
وأقترح تفعيل مفهوم “الرخصة الذهبية” للمشروعات الصغيرة والمتوسطة أيضاً، بحيث يتم منح المستثمر ترخيصاً مؤقتاً بمجرد الإخطار، على أن تمنحه الدولة مهلة زمنية لتوفيق أوضاعه تحت إشراف جهة واحدة مسؤولة عن التنسيق مع كافة الوزارات والهيئات المعنية.
وشدد الشافعي على أن تبسيط هذه المنظومة هو المدخل الحقيقي لدمج الاقتصاد الموازي في المنظومة الرسمية، مما يساهم في زيادة الحصيلة الضريبية وتوفير فرص عمل حقيقية بعيداً عن كاهل الجهاز الإداري للدولة.







