
النسر والتنين.. هدنة مؤقتة فوق صفيح ساخن
خلف الابتسامات الدبلوماسية.. قمة “أمريكية صينية” بطعم الجمود
جاء لقاء الرئيس الأمريكي “ترامب”، ونظيره الصيني “شي”، باعتباره واحدا من أهم المحطات في مسار العلاقات بين القوتين الأكبر عالميا، وسط توقعات بأن تحمل القمة تعاونا ملموسا في ملفات التجارة والتكنولوجيا وتايوان، لكن خلف مشاهد الاستقبال الحافل والرسائل الودية، بدا أن جوهر الخلافات بين واشنطن وبكين ما زال على حاله، حيث لم تسفر الزيارة عن تفاهمات حاسمة أو تغييرات استراتيجية واضحة، وبين صفقات معلنة لم تتضح تفاصيلها، وهدنة تجارية هشة، وخلافات مستمرة حول الرقائق الإلكترونية وتايوان، كانت القمة أقرب إلى “قمة جمود” هدفت إلى منع الانفجار أكثر من تحقيق تقارب حقيقي. وكانت أن يتوقع أن ان ينتج عن الزيارة تجاوزر فخ “ثوسيديس” في العلاقة بين البلدين، وهو المصطلح الذي يشير إلى العلاقة التنافسية الحالية بين الصين والولايات المتحدة، في كون بكين قوة صاعدة وواشنطن قوة مهيمن، طبقا لنظرية وصف ديناميكية العلاقة بين قوة ناشئة صاعدة مقابل قوة عظمى مهيمنة مهددة بازاحتها.
اختتمت قمة “شي ـ ترامب” التي بدأت نهاية الأسبوع الماضي، حيث وصل الرئيس “ترامب” إلى الصين برفقة وفد من الرؤساء التنفيذين، ووفد تجاري رفيع المستوى ضم ممثلين عن قطاعات الزراعة، والطيران، والسيارات الكهربائية، ورقائق الذكاء الاصطناعي، وصرح “ترامب” بعد انتهاء القمة بأنه أبرم “اتفاقيات تجارية رائعة، وممتازة للبلدين” لكن مازالت تفاصيل كثيرة لم تظهر ما اتفق عليه النسر والتنين.
اتسمت الزيارة بالخطابات الودية والرمزية، وحظى “ترامب” باستقبال حافل تضمن حرس شرف، ومأدبة عشاء رسمية، ودعوة إلى المجمع الحصري الذي يقيم ويعمل فيه قادة الحزب الشيوعي، ومع تأثر “ترامب” بالحفاوة، دعا الرئيس “شي” إلى زيارة الولايات المتحدة في شهر سبتمبر، وأكد وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” أن الرئيس “شي” سيزور البيت الأبيض في الخريف.
وعلى الرغم من كل المراسم والاحتفالات التي رافقت القمة، إلا أنها لم تكن ذات أهمية كبيرة في نهاية المطاف فجوهر العلاقة لم يتغير، ولم يقدم البيان الصيني الصادر عن الاجتماع الثنائي الأخير بين “شي” و”ترامب” يوم الجمعة معلومات ملموسة تُذكر حول ما تم التوصل إليه من خلال هذه الاجتماعات، التي يمكن وصفها بأنها “قمة الجمود”.ولم تحقق ينطبق فخ ثوسيديس ع العلاقة بين الصين والولايات المتحدة في كون بكين قوة صاعدة وواشنطن قوة مهيمنة

صفقة بوينغ العالقة
تحدث “ترامب” على متن الطائرة الرئاسية الأمريكية، أن الصين وافقت على شراء 200 طائرة من طراز بوينغ، مع التزام محتمل بشراء 750 طائرة إضافية، وأكدت شركة بوينغ لصناعة الطيران الصفقة.
وإذا أبرمت صفقة طائرات بوينغ، فستكون هذه أول صفقة صينية كبيرة للشركة العملاقة منذ ما يقارب عقد من الزمان، والتي تم استبعادها إلى حد كبير من ثاني أكبر سوق للطيران في العالم بسبب التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة.

التجارة .. ما بين الهدنة والتعريفات
تعد الرسوم الجمركية الورقة المفضلة لدى “ترامب” في الصراع الاقتصادي مع الصين، بينما تعد المعادن النادرة الورقة المفضلة لدى “شي”، وفرضت الصين قيودًا على تصدير المعادن الحيوية العام الماضي، مما أدى إلى شل سلاسل التوريد العالمية وإجبار الولايات المتحدة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، خصوصًا وقد استهلكت واشنطن جزء كبير من أنظمة أسلحتها المتقدمة في الشرق الأوسط.
اكتفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “غو جيا كون” ردًا على تصريحات “ترامب” السابقة لقناة فوكس نيوز، بشأن التوصل لاتفاقيات، بأن جوهر العلاقات الاقتصادية والتجارية للبلدين هو المنفعة المتبادلة والتعاون المثمر للطرفين، وأن على الطرفين تحقيق المزيد من الاستقرار وتنفيذ التوافق الذي توصل إليه الزعيمين.
ووفقًا للهدنة التجارية المبرمة أكتوبر الماضي، علقت واشنطن الزيادات الكبيرة في التعريفات الجمركية على البضائع الصينية، وخففت بكين من قيودها على صادرات المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التحويلية.
وعلى الرغم من تصريحات “ترامب” بأنه لم يناقش التعريفات الجمركية مع “شي”، أعلن البيت الأبيض أن الرئيسين اتفقا على إنشاء “مجلس تجاري” لإدارة العلاقات التجارية دون الحاجة إلى إعادة فتح مفاوضات التعريفات الجمركية، وعلى الرغم من ذلك حذر مسئولون أمريكيون من أن هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به قبل أن تدخل هذه الإعلانات حيز التنفيذ.
وبالنظر إلى سابقة بكين في عدم الالتزام باتفاق المرحلة الأولى التجاري الذي بلغ 200 مليار دولار، لا تزال الصين بطيئة في الموافقة على تراخيص التصدير، وأضاف أن المسئولين الأمريكيين يضطرون أحيانًا للتدخل نيابةً عن الشركات المتضررة.
لذا فالقمة قللت من مخاطر التصعيد المفاجئ على المدى القريب، ولكنها لم تحل المخاطر الهيكلية المهمة للمستثمرين والشركات فيما يتعلق بالوصول للأسواق والارتفاع في الأسعار، وضوابط التصدير وقيود التكنولوجيا، والتعريفات الجمركية.

الرقائق الإلكترونية .. ما بين المنع والمحادثات
تحولت السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى ساحات معركة رئيسية في التنافس الأمريكي الصيني، لذا فإن كلاً من تسلا وإنفيديا معرضتان بشدة لتأثير الصين، حيث تعتمد شركة تسلا بشكل كبير على مصنعها الضخم في شنغهاي والمستهلكين الصينيين، بينما تسعى شركة إنفيديا إلى استئناف بيع الرقائق الإلكترونية المتطورة إلى الصين، وهو أمر محظور حاليًا بموجب ضوابط التصدير الأمريكية.
كان من المتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من المحادثات، وصرح “ترامب”:” تحدثنا عن إمكانية التعاون لوضع ضوابط”، وعندما سُئل عن نوع هذه الضوابط قال:” الضوابط القياسية التي نتحدث عنها باستمرار”، أي لم يقدم إجابة محددة.
وورد أن شركة إنفيديا حصلت أيضًا على موافقة الولايات المتحدة لبيع رقائق H200 الخاصة بها لشركات صينية كبرى، مما أدى إلى ارتفاع أسهم شركات التكنولوجيا، لكن يبقي هذا مرهون بموافقة الصين على تلك الصفقة، وتعطل الصين تلك الصفقة من أجل توطين صناعة الرقاقات.

تايوان .. الخط الأحمر
إحدى نقاط التوتر بين واشنطن وبكين هي تايبيه، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تطالب بها بكين، وحليفة واشنطن، وربطت بكين تايوان بالعلاقات الاقتصادية الأوسع مع الولايات المتحدة، ووفقًا لبيان بكين قال الرئيس شي، إن الجانبين اتفقا على “موقف جديد” للعلاقات قائم على “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، لكنه وجه التحذير المألوف بأن تايوان لا تزال القضية الأكثر حساسية.
وبحسب وسائل الإعلام الصينية الرسمية خلال المحادثات صرح الرئيس شي:” إن قضية تايوان هي أهم قضية في العلاقات الصينية الأمريكية”، وأضاف:” إذا أُسيء التعامل معها، فقد تتصادم الدولتان أو حتى تدخلان في صراع”.
وقال “ترامب” إنه لا يزال يدرس إمكانية المضي قدمًا في حزمة أسلحة ضخمة لتايوان، كان من المقرر تقديمها هذا العام، وإن إلغاء هذه الحزمة التي تبلغ قيمتها رقمًا قياسيًا قدره 14 مليار دولار، والذي من شأنه أن يلبي أحد المطالب الرئيسية لبكين بشأن الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تطالب بها، وأصر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في بكين، على عدم وجود أي تغيير في السياسة الأمريكية.
ولا تعترف الولايات المتحدة رسميًا بتايوان، لكنها تزودها بوسائل الدفاع عن نفسها، على أمل أن تردع الأسلحة الأمريكية بكين عن شن أي هجوم، وقال إنه لم يقدم أي التزام لشي جين بينغ بشأن تايوان، وستراقب تايبيه الوضع عن كثب، لكن من الصعب التكهن حتى الآن بما إذا كان سيؤثر هذا على تعاون الولايات المتحدة مع شركات أشباه الموصلات في تايوان، أو على علاقتها الوثيقة طويلة الأمد مع الجزيرة، ويبقي السؤال الأهم هل ستحتفظ إدارة ترامب بصفقة بيع الأسلحة حتى سبتمبر؟ أم ستؤجلها لما بعد زيارة الرئيس “شي” إلى واشنطن؟.

خطوط الصدع .. إيران
كانت الحرب على إيران وما نتج عنها من إغلاق لمضيق هرمز، على جدول الأعمال بين الرئيسين، ودخل “ترامب” المحادثات متطلعًا إلى تعاون صيني بشأن الصراع الإيراني وسوق النفط، وصرح “ترامب” بأن الصين قد تستخدم نفوذها لحث إيران على استقرار تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، كما إنه يدرس رفع العقوبات عن الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني، على أن يتخذ القرار خلال الأيام القليلة المقبلة، وقال “ترامب” لقناة فوكس نيوز أن “شي” يرغب في رؤية مضيق هرمز مفتوحًا، وأضاف:” إذا كان بإمكاني تقديم أي مساعدة، فأنا على استعداد للمساعدة”.
أما وزارة الخارجية الصينية فكانت أكثر غموضًا، وأصدرت بيانًا يوم الجمعة تدعو فيه إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، ويجب إعادة فتح الممرات الملاحية في أسرع وقت ممكن استجابةً لنداءات المجتمع الدولي،وأن هذا الصراع، الذي ما كان ينبغي أن يحدث أبدًا، لا مبرر لاستمراره.
وأشارت التقارير الصينية إلى أنه على الرغم من مناقشة ملف الشرق الأوسط، إلا أن التفاصيل كانت محدودة، ويمثل الصراع تحديًا للاقتصاد الصيني أيضًا، وأدى تقلب أسعار النفط والاضطرابات المتكررة في خطوط الإمداد إلى زيادة تكاليف الاستيراد الصينية وارتفاع الأسعار عالميًا.
قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تتضح نتائج هذه الزيارة لأي من الجانبين، ومهما كانت نتائج هذه القمة، فإن هذا لن يغير من نهج الكونجرس الحذر تجاه الصين، وهو نهج يتبناه كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، قد تجرى بعض المعاملات لكن لا شيء يشير إلى أي شراكات استراتيجية أو إطار علاقات طويل الأمد.
من المقرر أن يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الصين قريبًا، وأعلن الكرملين يوم الجمعة أن “بوتين” يأمل في مناقشة زيارة “ترامب” مع شي جين بينغ، خلال زيارته، وصرح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحفيين، بأنه تم الاتفاق على تفاصيل زيارة بوتين للصين، والتي قال إنها ستتم قريبًا جدًا، وسيتم الإعلان عن المواعيد الدقيقة قريبًا، وأضاف “بيسكوف” أن “بوتين” و”شي” سيركزان على العلاقات الثنائية في ظل حجم التبادل التجاري القوي، لكنهما سيناقشان أيضًا القضايا الدولية.
وتبقي الصين مستعدة لمواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وتظل قرارات واشنطن الاستراتيجية المتعلقة ببكين، بمواجهة سيف داموكليس مسلط عليها، ما يجعلها تحبس أنفاسها مع كل قرار، إلا أنها تجاوزت فخ ثيوسيديدس على الأقل في الوقت الراهن.





