
قيم تُهدم وأخلاق تتحول من الحميدة إلى البغيضة، وتكالب على الشهرة دون النظر إلى مبادىء أو عادات المجتمع المتأصلة في الوجدان ما بين”الصح والعيب”، بخلاف تخطى الأمر للقيم الدينية والكرامة الإنسانية، فالجميع تحت وطأة “الترند” يفعلون ما يجني لهم الأرباح الممزوجة بالتفاعل وكثرة اللايكات.
ومع اتساع مساحة النشر دون رقيب عبر مواقع التواصل الاجتماعي للفيديوهات الخادشة للحياء والمثيرة للجدل، وكان أخرها نشر “كروان مشاكل”، لأحد فيديوهاته المعتادة، ما نتج عنه إعلان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لحجب الحسابات المرتبطة بكروان مشاكل، مع إحالة المقاطع المتداولة إلى النيابة العامة، بدعوى احتوائها على “محتوى خادش للحياء” و”انتهاك للقيم الأسرية”.
كما أصدرت النيابة العامة قرارًا بحجب وإغلاق حسابات 11 شخصًا على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، شملت “فيس بوك، إكس، إنستجرام، تيك توك، تيليجرام”، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية المختصة، في إطار مواجهة المحتوى الذي يتضمن تحريضًا أو إساءة أو خطابًا عدائيًا يهدد الأمن المجتمعي والسلم العام.

السجن سنتين
ووفقًا لنصوص القانون، يوضح المحامي وليد الفولى، أن عقوبة نشر الفيديوهات والصور الخادشة للحياء، تصل إلى السجن مدة لا تقل عن سنتين وغرامة مالية كبيرة، وتزيد العقوبة إذا كان المحتوى يتضمن دعوة للفجور، كما أن عقوبة الترويج لمحتوى غير لائق أو مسيء للمجتمع، الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة مالية.
ويأتي قرار حجب حسابات كروان مشاكل، عقب سلسلة أزمات لصانع المحتوى المثير للجدل، بينها قضايا سب وقذف، واتهامات بنشر محتوى غير لائق عبر تطبيقات البث المباشر.
واعتمد كروان مشاكل على البث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة التي تقوم على العفوية والإثارة واللغة الشعبية، وهو أسلوب ساعده على جذب مئات الآلاف من المتابعين خلال فترة قصيرة، خاصة على تطبيقات مثل تيك توك وفيسبوك.
وسبق حجب حسابات كروان مشاكل على مواقع التواصل الاجتماعي، قرارات بحجب حسابات لشخصيات أخرى، سارت على نهج كروان مشاكل، ولعل أبرزها، “حنين حسام”، وواجهت حساباتها إجراءات قانونية واسعة بعد فيديوهات اعتبرتها السلطات مخالفة للقيم الأسرية، كما تمت ملاحقة المحتوى المرتبط بها على المنصات الرقمية، و”مودة الأدهم”، وتعرضت حساباتها لمتابعة وحذف محتوى متكرر بعد التحقيق معها في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”فتيات تيك توك”، والتي أثارت جدلًا كبيرًا حول الرقابة على المحتوى الرقمي.

الحجب وإنهاء الظاهرة
كما تعرض حساب “إنجي حمادة”، والتي ارتبط اسمها بأزمة الفيديوهات المتداولة مع كروان مشاكل، وتعرضت حساباتها لاهتمام واسع واتخذ إجراءات قانونية ورقمية ضد المحتوى المنشور على حسابتها على كافة مواوقع التواصل الاجتماعي.
في حين يعيد قرار حجب حسابات كروان مشاكل إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتكرر مع كل موجة من المحتوى المثير للجدل على منصات التواصل،:”هل الحجب وحده قادر على إنهاء الظاهرة، أم أن المشكلة أعمق من مجرد إغلاق حسابات”؟.
ويرى عدد من خبراء الإعلام والاتصال أن التعامل مع ظاهرة صناع المحتوى المثيرين للجدل، مثل “كروان مشاكل”، لا يمكن أن يعتمد على الحجب أو العقوبات وحدها، بل يحتاج إلى معالجة أوسع تتعلق بطبيعة المنصات الرقمية وسلوك الجمهور وآليات صناعة “التريند”.

الحجب سيُوقف الحساب مؤقتًا
وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد فتحي، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة حلوان، إن الحجب سيُوقف الحساب مؤقتًا، لكنه لن ينهي الظاهرة، موضحًا أن المنصات تسمح بإنشاء حسابات بديلة بسهولة، بينما تستمر المقاطع في التداول عبر صفحات أخرى، لافتًا على ظهور ذلك بوضوح في ردود الفعل على مواقع التواصل، حيث استمرت المقاطع والحديث عن “كروان مشاكل” في الانتشار حتى بعد الإعلان عن إجراءات الحجب.
صانع المحتوى يستطيع إنشاء حساب جديد خلال دقائق، يضيف فتحي، كما أن خوارزميات المنصات تكافئ الإثارة والصدمة، لأنها تجذب التفاعل والمشاهدات، لأن اقتصاد المشاهدات هو العامل الأهم، إذ تدفع الخوارزميات المحتوى الصادم إلى الانتشار السريع بسبب ارتفاع نسب التفاعل والتعليقات.
ويوضح فتحي، أبزر الطرق التي يلجأ إليها أصحاب الحسابات أو الصفحات المغلقة على مواقع التواصل للالتفاف على قرارات الحجب أو الإغلاق، والمتمثلة في إنشاء حسابات بديلة بسرعة، عبر إنشاء صفحة أو حساب جديد باسم مختلف أو بحروف معدلة، ثم توجيه المتابعين إليه عبر الأصدقاء أو المجموعات أو الحسابات الاحتياطية.
استخدام حسابات احتياطية كبديل فور إغلاق الحساب الأساسي
كما يلجأون إلى استخدام حسابات احتياطية، بحيث يتم تفعيل الحساب البديل فور إغلاق الحساب الأساسي، فضلًا عن نشر الفيديوهات من خلال صفحات أخرى تابعة لأصدقاء أو فرق إدارة، لتجنب ربط المحتوى مباشرة بالحساب المغلق.
وأفاد أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة حلون، بأن ظاهرة “كروان مشاكل”ومن على شاكلته، نتيجة بيئة رقمية تكافئ الإثارة السريعة، وهو ما يجعل المواجهة طويلة ومعقدة، خصوصًا مع ضخامة عدد المستخدمين يوميًا.
ويرى فتحي، بأن المواجهة الحقيقية لا تكون فقط بالحجب، بتقديم محتوى محترم وقريب من الشباب، منوهًا بأن جزء كبير من الأزمة يرتبط ببحث الجمهور عن الترفيه السريع والمحتوى الخفيف، بخلاف أن المؤسسات الإعلامية التقليدية فقدت جزءًا من تأثيرها لدى الأجيال الجديدة، ما فتح المجال أمام شخصيات تعتمد على الجدل والإثارة لجذب الانتباه.

اقتصاد التريند يدفعهم للعودة بطرق مختلفة
بدورها، عقبت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع الإعلامي، بأن بعض صناع المحتوى يعتمدون على الاستفزاز المتعمد كوسيلة للشهرة السريعة، خاصة مع غياب المهارات المهنية أو فرص الظهور التقليدية في الإعلام.
وأضافت خضر، أن الجمهور نفسه يشارك أحيانًا في تضخيم الظاهرة، لأن إعادة النشر والسخرية والتفاعل المستمر تمنح هذه الحسابات مزيدًا من الوصول، لافتة إلى أن الاعتماد على الإغلاق فقط لا ينهي الظاهرة، لأن اقتصاد التريند يدفع البعض للعودة بطرق مختلفة طالما بقي الجدل والمشاهدات مصدرًا للربح والشهرة.
وفيما يخص طرق مواجهة ظاهرة البلوجرز المثيرين للجدل، أوضحت أستاذ علم الاجتماع، من خلال تعزيز التربية الإعلامية والرقمية في المدارس والجامعات، ووضع قواعد واضحة للربح من المحتوى على المنصات، فضلًا عن زيادة مسؤولية المنصات في حذف المحتوى المخالف بسرعة، وتطوير خطاب إعلامي يفهم لغة الشباب بدلًا من الاكتفاء بالملاحقة والمنع.

تطبيق تجربة “السعودية”
في حين تؤكد خضر، أن الدولة مطالبة بالتدخل عندما يتحول المحتوى إلى انتهاك صريح للخصوصية أو تحريض على السلوكيات المؤذية للمجمتع، لاسيما مع الانتشار الكبير بين المراهقين وصغار السن.
واستشهدت بتجربة السعودية في تشديد القواعد على حسابات المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة، ما أدى بالفعل إلى تراجع المحتوى الهابط وتحول بعض الحسابات إلى أشكال أكثر مهنية من الإنتاج، وهو ما نطالب بتطبيقه في مصر.





