“البالة” البحث عن كسوة العيد وسط الملابس المستعملة بسبب الغلاء

بينما تنشغل ملايين الأسر بالاستعداد لعيد الأضحى المبارك، ما بين شراء الأضاحي، أو شراء لحوم من الجزارين قبل العيد لمن لم تسعفه قدرته المالية على شراء أضحية مهما كانت صغيرة- وهم الأغلبية -، تقف”ملابس العيد” للأطفال كعقبة ثانية تؤرق ميزانيات العائلات.

ومع الارتفاع الجنوني في أسعار الملابس الجديدة تزامنًا مع حلول عيد الأضحى مع بدايات فصل الصيف وتغير الفصول ومن ثم تغيير طبيعة الملابس للصيفية بدلًا من الشتوية، ما يجعل الشراء أمر حتمي لامفر منه، لاسيما للأطفال.

1500 جنيه لشراء 3 أطقم من الوكالة

ومع الحتمية والاضطرارية لشراء الملابس للأسر المصرية، تقف القدرة المالية والشرائية عجازة عن شراء الجديدة، ويكون البديل أسواق المستعمل ” البالة”، أملًا في إسعاد الصغار “بفرحة العيد واللبس الجديد”.

بتعبيرات وجه عفوية وانخراط في تكفير عميق، تتفحص منار سيد، ربة منزل تبلغ من العمر 40 عامًا، وأم لـ 3 أطفال، ستاند ملابس للأطفال في أحد محلات وكالة البلح، ممنية النفس  بإيجاد ملابس لأطفالها، وأن تكفي المبالغ المالية التي بحوذتها  لشراء 3 أطقم لأطفالها، وهم، بنتين وولد في المرحلة الابتدائية والإعدادية.

وتواصل منار، بأن زوجها يعمل سائق بإحدى شركات نقل الركاب في القطاع الخاص، وبالكاد تمكن من تخصيص مبلغ 1500 جنيه لشراء 3 أطقم للأطفال، مؤكدة على أنها من كثرة التجول في أروقة المحلات في الوكالة، تمكنت من شراء الأطقم لأطفالها بسعر أقل من الـ 1500 جنيه، وقالت ضاحكة:” أنا لو هشتري 3 أطقم للعيال من محلات اللبس الجديد.. عاوزه على الأقل 5 أو 6 آلاف جنيه”.

الوكالة “ستر لينا ولناس كتير زينا”

ويبلغ متوسط سعر طقم الأطفال الكامل في سوق البالة بين 300 إلى 500 جنيه، ويشمل قطعتين بحالة ممتازة، مقارنة بـ 900 إلى 1500 جنيه كحد أدنى لنفس العمر في محلات الملابس الجديدة .

الوكالة “ستر لينا ولناس كتير زينا”، في ظل الظروف الصعبة، والتي تزداد صعوبة عيد تلو الأخر، وعام تلو الأخر، تضيف منار، لافتة إلى أنه رغم أن ملابس الوكالة يبدو على أجزاء منها أنها مستعملة، إلا أن “الشطارة” -على حد وصفها- تكمن في شراء قطع جديدة أو أشبه بالجديدة، وتبدو عند ارتدائها كأنها جديدة و”براند”.

ولم تكن الأسر وحدها القاصدة لسوق البالة في العيد، بل طال الأمر فئة الشباب، الباحثة عن ملابس جديدة وبأسعار معقولة، وفقًا لما أوضحه الشاب العشريني أحمد، قائلًا:”أنا محاسب في شركة خاصة، ومرتبي لن يمكني بكل الأحوال من شراء أسعار البراندات العالمية في المولات التي تجاوز فيها القميص حاجز الـ 1000 جنيه”.

البحث عن الخامة والماركة بسعر حنين

ويضيف أحمد، أن حضوره للوكالة لشراء ماركات عالمية “براندات” بحالة جيدة جدًا و”بربع السعر”، متابعًا: بنبرة حزينة لا تخلو من الحيرة، “هعمل إيه طيب؟!”، منوهًا بأن الغلاء لم يترك أحدًا، والبالة لم تعد حكرًا على الفقراء فقط، بل أصبحت ملاذاً للطبقة المتوسطة أيضًا وللكثير من الشباب.

وعلى صعيد التجار، يشير عمرو الزناتي، أحد تجار الملابس المستوردة في الوكالة، ويمتلك محلين لبيع الملابس في منطقتي عين شمس والمطرية، إلى أن حركة الطلب على شراء ملابس البالة خلال عيد الأضحى بدأت مبكرًا هذا العام، معللًا السبب بخوف الزبائن مع ارتفاع الأسعار كلما اقترب العيد، لاسيما مع الزيادة الكبيرة في أسعار أغلب السلع الغذائية والاستهلاكية.

وفيما يخص البيع والشراء في ملابس”البالة”، يوضح الزناتي أن التجار يشترون الملابس البالة بالطن، وتُفرز حسب جودة كل قطعة بعد الوزن، وبناءً عليه يُحدد سعر كل قطعة، لافتًا إلى أن الزبون اليوم أصبح “ذكي جدًا.. ويعرف يفرق بين الحلو والوحش.. ويبحث عن الخامة والماركة بسعر حنين”.

الأزمة الاقتصادية غيرت نمط الاستهلاك داخل المجتمع

وتشير التقديرات إلى أن سوق البالة في مصر يستحوذ على نحو 25% من إجمالي المعروض في سوق الملابس، بكميات تتراوح بين 50 و100 ألف طن سنويًا، وهو ما يعكس حجم الاعتماد المتزايد عليه، خاصة في المناطق الشعبية ومحدودة الدخل.

وفي ذات السياق، يقول الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، إن انتشار سوق البالة خلال السنوات الأخيرة يعكس تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، موضحًا أن ارتفاع أسعار الملابس الجديدة دفع كثيرًا من الأسر إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة.

سوق الملابس المستعملة يشهد رواجًا كبيرًا قبل الأعياد والمواسم الدراسية، يضيف بدرة، نتيجة محاولات المواطنين تقليل النفقات، مؤكدًا على أن الأزمة الاقتصادية غيرت نمط الاستهلاك داخل المجتمع المصري.

الإقبال على البالة يؤثر على المصانع المحلية

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الإقبال المتزايد على البالة يؤثر في الوقت نفسه على المصانع المحلية ومحال الملابس الجاهزة، خاصة مع صعوبة المنافسة في الأسعار، مطالبًا بضرورة تنظيم السوق بما يحقق التوازن بين احتياجات المستهلك ودعم الصناعة الوطنية.

وأصدرت مصلحة الجمارك تعليمات تُنظم دخول الملابس المستعملة “البالة”، تضمنت تحديد الحد الأقصى المسموح به للاستعمال الشخصي بـ150 كيلو جرامًا سنويًا للفرد، سواء كانت الملابس جديدة أو مستعملة، بعد أن كان المتاح يسابقًا دخول 500 كيلو جرام للاستعمال الشخصي.

وبين ارتفاع أسعار الملابس الجديدة، وضغوط تجهيزات العيد، تبدو أسواق البالة هذا العام أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى، فيما يواصل المصريون البحث عن فرحة العيد، كلًا حسب إمكانياته وقدرته المالية.