حسام الخشت
حسام الخشت

القرية المنتجة.. هل نعيد اختراع العجلة مرة أخرى؟

في كل مرة تطرح فيها الدولة مبادرة جديدة للتنمية المحلية، يتكرر السؤال ذاته: هل نحن أمام فكرة جديدة بالفعل، أم أمام إعادة تقديم لأفكار سبق طرحها عشرات المرات تحت مسميات مختلفة؟.

ويفرض هذا السؤال نفسه بقوة مع ما أُعلن عنه أخيرًا تحت عنوان “القرية المنتجة”، وهي مبادرة تستهدف تحويل الريف المصري من مناطق استهلاكية إلى مناطق إنتاجية، عبر إنشاء مشروعات صناعية وزراعية وحرفية صغيرة ومتوسطة تعتمد على الميزة النسبية لكل منطقة، وتوفر فرص عمل محلية، وتحد من الهجرة الداخلية إلى المدن الكبرى.

في ظاهرها تبدو الفكرة منطقية وجذابة؛ فمن الصعب الاعتراض على تعظيم القيمة المضافة للموارد الزراعية، أو توطين الصناعة قرب مصادر الإنتاج، أو خلق فرص عمل داخل القرى بدلا من دفع الشباب إلى الهجرة بحثًا عن الرزق، لكن المشكلة الحقيقية ليست في الفكرة نفسها، بل في السياق الذي تُطرح فيه.

فالدولة المصرية لم تكن غائبة يومًا عن هذا الملف، بل على العكس؛ شهدت السنوات الأخيرة إنتاج كمٍ هائل من الدراسات والاستراتيجيات والبرامج التي تناولت تقريبًا كل ما يُقال اليوم عن القرية المنتجة، فقد خصصت السردية الوطنية للتنمية الشاملة فصلًا كاملًا للتخطيط المكاني وتوطين التنمية الاقتصادية، تناول التكتلات الإنتاجية، والتجمعات الصناعية والحرفية، وسلاسل القيمة، والتنمية القائمة على المزايا النسبية للمحافظات، وربط الاستثمار بالتشغيل والتنمية المحلية، فضلا عن تفعيل المجالس الاقتصادية والاجتماعية بالمحافظات بوصفها آلية مؤسسية للتخطيط التشاركي، وصياغة الاستراتيجيات المحلية، وربط التعليم والتشغيل بالاحتياجات الاقتصادية الفعلية.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التخطيط، فقد شهدت محافظات الصعيد خلال السنوات الماضية برامج واسعة للتنمية المحلية، تضمنت إعداد خرائط للموارد الاقتصادية، وإنشاء تجمعات حرفية وصناعية، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم سلاسل القيمة المحلية، وجذب الاستثمارات إلى المحافظات الأقل نموًا، كما تكرر الحديث عن أهمية النماذج التجريبية قبل التوسع، وعن ضرورة ربط التنمية الاقتصادية المحلية بالميزة النسبية لكل محافظة.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت كل هذه الدراسات والخطط والتجارب موجودة بالفعل، فأين موقع “القرية المنتجة” منها؟ وهل تمثل امتدادًا لها، أم بداية جديدة تتجاهل ما سبق؟.

المشكلة الأعمق أن مصر تعاني منذ سنوات ظاهرة مزمنة هي ضعف التراكم المؤسسي، فبدلا من أن تبني كل سياسة جديدة على نتائج ما سبقها، تبدو كل مبادرة وكأنها تبدأ من الصفر؛ تتغير العناوين بينما تبقى الأفكار الأساسية متشابهة، وتتراكم الوثائق أكثر مما تتراكم الخبرات.

ولعل أكبر مفارقة في هذا الملف أن الدولة تنقلت خلال العقدين الماضيين بين طرفين متناقضين؛ ففي بعض الفترات اندفع التنفيذ أسرع من التخطيط، فأُنشئت مناطق ومجمعات ومشروعات دون بناء كافٍ لسلاسل القيمة والأسواق المستهدفة، ثم انتقلنا إلى الطرف الآخر، حيث تراكمت الاستراتيجيات والخرائط والدراسات ووثائق التخطيط المكاني والتنمية المحلية، دون أن يتحول هذا التراكم إلى ذاكرة مؤسسية مُلزِمة لما يليه من سياسات، فلا نحن استفدنا بالكامل من دروس التنفيذ السابق، ولا بنينا السياسات الجديدة فوق ما أُنتج من تخطيط لاحق.

ومن هنا تأتي المخاوف من أن تصبح “القرية المنتجة” حلقة جديدة في هذه الدائرة المغلقة: فكرة جيدة، تسبقها دراسات جيدة، ثم تبدأ من جديد وكأن ما قبلها لم يكن.

والتجارب الدولية تقدم درسًا مهمًا في هذا الشأن، فالتجربة الإيطالية لم تبدأ بقرار حكومي لإنشاء مصانع داخل القرى؛ حيث جاء نجاح المناطق الصناعية في وسط إيطاليا وشمالها الشرقي من تكتلات صغيرة من الورش المتخصصة نشأت داخل نسيج حرفي وعائلي قائم، ثم جرى دعمها وربطها بشبكات للإنتاج والتسويق والتمويل والتدريب، فالدولة لم تخلق التكتلات من الصفر، بل بنت فوق قدرات محلية قائمة وربطتها بمنظومة اقتصادية أوسع.

وفي ألمانيا لم يكن نجاح الشركات الصغيرة والمتوسطة نتيجة مبادرات موسمية أو برامج دعم منفصلة، بل نتيجة منظومة مؤسسية متكاملة تضم التعليم الفني المزدوج، والبنوك الإقليمية، ومراكز البحث التطبيقي، والتخصص الإنتاجي، والتوجه التصديري. فالقيمة لم تكن في وجود مصنع صغير، بل في البيئة التي جعلته قادرًا على الابتكار والاستمرار والنمو.

أما الصين فلم تبدأ تجربتها بقرار مركزي يقضي بإنشاء مصانع في القرى، بل انطلقت من إصلاحات زراعية وإدارية خلقت حوافز اقتصادية حقيقية على المستوى المحلي، ثم استثمرت في البنية الأساسية والطرق والطاقة واللوجستيات، وربطت الإنتاج بالأسواق العالمية. فالمنشأة الصغيرة لم تنجح لأنها أُنشئت، بل لأنها صارت جزءًا من شبكة متكاملة للإنتاج والتمويل والتسويق.

وإذا كان ثمة درس مشترك بين هذه النماذج جميعًا، فهو أن المصنع ليس نقطة البداية، بل النتيجة النهائية.

غير أن الحديث الحالي عن “القرية المنتجة” يركز على إنشاء المشروعات، ويقل فيه الحديث عن السوق وسلاسل القيمة والتسويق والخدمات اللوجستية والتعليم الفني والتمويل والتكامل مع الصناعات الأكبر، والحقيقة أن القرية لا تصبح منتجة بمجرد إقامة مصنع داخلها، بل حين تصبح جزءًا من اقتصاد محلي قادر على خلق قيمة مضافة حقيقية ومستدامة.

ولهذا فإن البداية الصحيحة لا تكون باختيار قرية ثم البحث عن نشاط اقتصادي لها، وإنما بتحديد سلسلة قيمة واعدة أولًا، ثم البحث عن المكان الأنسب لاحتضانها، كما أن التوسع القومي الواسع لا ينبغي أن يسبق تنفيذ نماذج تجريبية محدودة قابلة للقياس والتقييم، فالدولة تمتلك بالفعل تجارب في الصعيد والتجمعات الحرفية والصناعية والمناطق الإنتاجية، وكان من الطبيعي أن تبدأ بعرض نتائج تلك التجارب والدروس المستفادة منها قبل الانتقال إلى طرح إطار جديد.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مبادرة القرية المنتجة ليس فشلها، بل أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل طويل من المبادرات التي تبدو واعدة على الورق، وتُعقد حولها الاجتماعات وورش العمل والمؤتمرات، ثم تختفي بهدوء تاركةً وراءها تقارير جديدة ومصطلحات جديدة ولجانًا جديدة.

فمصر لا تعاني من نقص الأفكار؛ لدينا من الدراسات والخطط والاستراتيجيات ما يكفي لعقد كامل من العمل. وما ينقصنا ليس عنوانًا جديدًا للتنمية المحلية، بل القدرة على تحويل هذا التراكم المعرفي والمؤسسي إلى سياسات مستمرة تتعلم من أخطائها وتبني على نجاحاتها.

فالتنمية ليست اختراع فكرة جديدة كل عام، بل بناء طابق جديد فوق ما سبق تشييده. أما إذا ظللنا نبدأ من جديد مع كل مبادرة، فسنظل ندور في المكان نفسه مهما تغيرت الأسماء والعناوين.

ولهذا يبقى السؤال مطروحًا: هل تمثل “القرية المنتجة” خطوة جديدة إلى الأمام، أم مجرد محاولة أخرى لإعادة اختراع العجلة؟.