حسام الخشت
حسام الخشت

أسيوط.. ثنائية الزيادة السكانية والعزلة الرقمية تلتهم ثمار التنمية

حين نتحدث عن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة (2026-2030)، تبرز أمامنا طموحات كبرى ومستهدفات براقة تسعى للارتقاء بجودة حياة المواطن المصري، ولكن عندما نضع هذه المستهدفات في مواجهة الواقع الذي تعيشه محافظة أسيوط – عاصمة الصعيد ومركز ثقله التاريخي – نصطدم بمفارقات تستدعي التوقف والمراجعة العاجلة، فالأرقام والتقارير الرسمية لا تكذب، بل تدق ناقوس خطر ينذر بأن ثمار التنمية لا تصل بالقدر الكافي إلى مستحقيها في هذه المحافظة العريقة.

ولعل أبرز ما يثير الدهشة في المشهد الأسيوطي هو ذلك التناقض الصارخ بين حجم الاستثمارات القومية الموجهة للمحافظة وبين مؤشرات الفقر، ففي الوقت الذي تضخ فيه الدولة مليارات الجنيهات في مشروعات عملاقة، مثل مجمع “أنوبك” ووحدات شركة أسيوط لتكرير البترول، نجد أن نسبة الفقر في المحافظة تقفز إلى 66.7%، لتسجل واحدة من أعلى المعدلات على مستوى الجمهورية، وهو ما يطرح سؤالاً جوهريًا حول مصير العائد التنموي لهذه المشروعات ومدى انعكاسها على توفير فرص عمل حقيقية لأبناء المحافظة، خاصة في ظل وجود فجوة قدرها 40.5% بين الواقع الحالي والمستهدف المحلي لعام 2030.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الفقر المادي، بل يمتد ليضرب في صميم الأمن الصحي والغذائي للأجيال القادمة، حيث تحتل أسيوط المركز 25 (قبل الأخير) على المستوى الوطني في مؤشر انتشار التقزم بين الأطفال دون سن الخامسة، والمركز 21 في نقص السعرات الحرارية، مما يعني أننا أمام أزمة صحية صامتة تهدد مستقبل المحافظة، فالتنمية الحقيقية تبدأ من بناء إنسان سليم بدنيًا وعقليًا، وما تكشفه هذه الأرقام يتطلب تدخلاً عاجلاً وخططاً استثنائية لإنقاذ أطفال الريف الأسيوطي من براثن سوء التغذية.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أزمة الزيادة السكانية كغول يلتهم أي عوائد للتنمية، فبينما تستهدف خطة الدولة الوصول بمعدل الإنجاب إلى 2.1 طفل لكل سيدة، تسجل أسيوط معدلاً مقلقاً يبلغ 3.77 طفل، والمثير للاستغراب حقاً هو المستهدف المحلي الذي وُضع للمحافظة لعام 2030 عند 3.5 طفل، وهو ما يبدو وكأنه إقرار ضمني بصعوبة المواجهة وتسليم مسبق بأن المحافظة ستظل أسيرة لهذه الزيادة المفرطة، مما يستوجب استراتيجيات غير تقليدية للتوعية والتمكين بعيداً عن المستهدفات الانهزامية.

كما لا تزال أسيوط تعاني من عزلة رقمية قاسية في عصر الاقتصاد الرقمي، حيث لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت فيها 19.9%، مما يعني أن نحو 80% من السكان يعيشون خارج العالم الرقمي، ويتزامن هذا مع ارتفاع نسبة أمية الإناث إلى 22.1%، وهو ما يمثل عائقاً مزدوجاً أمام أي محاولات للتمكين الاقتصادي أو رفع الوعي المجتمعي، فكيف يمكن لمحافظة أن تواكب طموحات الرقمنة القومية المستهدفة بنسبة 90% وهي لا تزال تكافح لتعليم بناتها القراءة والكتابة؟.

إن المرحلة الثانية من مبادرة “حياة كريمة”، والتي تستهدف مراكز أسيوط والبداري والغنايم وصدفا، تمثل فرصة ذهبية لتصحيح المسار بحيث لا تقتصر على تطوير البنية التحتية فقط، بل يجب أن تُوجه الاستثمارات بشكل نوعي لسد الفجوات التنموية الحقيقية، عبر إلزام الشركات الكبرى بتخصيص نسب توظيف لأبناء المحافظة، وإطلاق برامج عاجلة لمكافحة سوء التغذية، وتبني خطط طموحة لمحو الأمية الرقمية والأبجدية كمدخل أساسي للتمكين، فأسيوط لا تنقصها الموارد بل ينقصها التوجيه العادل والفعال لهذه الموارد لخدمة الإنسان الأسيوطي أولاً في الاهتمام بصحته وتعليمه، ويضاف لذلك لوضع آليات وواقعية للتنمية الاقتصادية في المحافظة، والتي تمتلك إمكانية بشرية تحتاج لرعاية ، كما أن لديها أفق تنموية واقتصادية جبارة يمكن أن تساعد المحافظة بل والاقتصاد الوطني، بما تمتلكه من إمكانية داخلية بالإضافة إلى الظهير الصحراوي ممتد على جانبيها سواء شرقا في اتجاه البحر الأحمر أو غربا في اتجاه الوادي الجديد، وهي كلها فرصة واعدة للاستثمار الزراعي والصناعي والخدمي.