
80 عامًا من التموين بين حماية الفقراء وأزمة الدعم في مصر.. ومن العيني للنقدي هل تنتهي حقبة التموين التقليدي؟
الستينيات والسبعينيات.. البطاقة التموينية تحولت لمظلة غذائية واسعة.. انتفاضة الخبز 1977 حولت الرغيف رمزًا للعدالة الاجتماعية
من اللحوم والأسماك للسكر والزيت.. كيف تقلصت سلة الدعم؟
زيادة 2024.. 15 قرشًا غيرت معادلة الرغيف المدعم
عندما تقف في زاوية غرفة بسيطة في بيوت البسطاء تجد أنه كلما تراجعت قدرة الأسرة المادية، واختفت الأطباق من على المائدة واحدًا تلو الآخر تحدث الهندسة العكسية؛ إذ تتسع المساحة فجأة لكومة ضخمة من أرغفة الخبز.
“العيش” هنا ليس صنفًا جانبيًا، بل الجدار الذي يُداري غياب اللحم والخضار، والوسيلة الوحيدة المتاحة لتوفير ستر حده الأدنى بطون ممتلئة بأي شيء، حتى لو كان الثمن التضحية بأبسط الحقوق في غذاء متوازن.
هذه المفارقة البصرية هي الوجه الحقيقي لمنظومة التموين في مصر التي لم تعد مجرد آلية حكومية لتوزيع السلع، بل تحولت عبر العقود إلى مرآة حادة، فبينما يقلل القادرون من النشويات رفاهية، يفرط الفقراء في التهامها إجبارًا للبقاء على قيد الحياة، وأصبحت لديهم زجاجة الزيت وكيس السكر ورغيف العيش ليسوا مجرد بنود في بطاقة ذكية، بل خريطة الأمان اليومية التي تحمي ملايين الأسر.
على مدار أكثر من 80 عامًا، لم يكن رغيف الخبز مجرد سلعة غذائية، ولم تكن بطاقة التموين مجرد كارت لصرف السكر والزيت، بل تحول التموين إلى أداة بدأت كإجراء طارئ في زمن الحرب، ثم صارت جزءًا من الحياة اليومية، ومؤشرًا على قدرة الدولة على حماية الفقراء والطبقة الوسطى من موجات الغلاء.

البداية والإدارة الاضطرارية
كانت البداية في أربعينيات القرن الماضي، حينما تدخلت الدولة في سوق الغذاء وسط اضطرابات الحرب العالمية الثانية، واستوردت كميات من القمح والدقيق وباعتها بأسعار أقل من التكلفة لمواجهة ارتفاع الأسعار، ولكنه لم يكن النظام المعروف للتموين الآن، ولم يكن الأمر رفاهية اجتماعية ولا برنامجًا انتخابيًا، ولكن كان استجابة مباشرة لنقص السلع وارتفاع الأسعار واضطراب التجارة آنذاك، وظهرت البطاقة بوصفها أداة لضبط توزيع الضروريات والتي شملت السكر، الكيروسين، زيت الطعام، الشاي، وبعض الأقمشة القطنية الخشنة، في محاولة لمنع السوق من ابتلاع الضعفاء، ومنع القادرين من شراء كل ما هو متاح وترك الباقين.

الدعم كعقد اجتماعي
لم تعد البطاقة بعد الحرب مجرد إجراء مؤقت، ومع توسع دور الدولة بعد ثورة يوليو، تحولت منظومة الغذاء المدعوم إلى جزء من العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ففي الستينيات، خصوصًا مع نقص السلع وارتفاع الأسعار، عادت البطاقة التموينية بصورة أوضح، وكانت السلع محدودة عبارة عن شاي، كيروسين، زيت، وسكر، لكن المعنى كان أكبر من الكمية؛ فالدولة في لحظة ضغط اقتصادي، كانت تقول للمواطن إن هناك حدًا أدنى لن يُترك بالكامل لقانون السوق.
ثم جاءت السبعينيات، وهي المرحلة التي اتسع فيها التموين حتى بدًا كأنه مخزن اجتماعي كبير، ودخلت إلى المنظومة سلع مثل الفول، العدس، الأرز، الذرة، اللحوم، الدواجن، والأسماك المجمدة إلى جانب الزيت والسكر، وفي ذروة التوسع، وصل عدد السلع المدعومة إلى نحو 18 سلعة، وفي عام 1971/1970، لم يتجاوز إنفاق الدولة على دعم الغذاء نحو 3 ملايين جنيه، وبعد عشر سنوات تقريبًا، في عام 1981/1980، قفز الرقم إلى نحو 1.4 مليار جنيه، لم تكن هذه مجرد زيادة محاسبية بل تحول في فلسفة الدولة من تدخل محدود إلى مظلة غذائية واسعة، في مرحلة كان الدعم فيها صمام أمان ولم يكن مجرد بند في الموازنة.
وفي يناير 1977، أصبح صمام الأمان نفسه عبئًا، فحاولت الحكومة تخفيض الدعم ورفع أسعار عدد من السلع والخدمات، فانفجر الشارع فيما عُرف بـ “انتفاضة الخبز”، لم يكن الرغيف وحده هو موضوع القرار، لكن الرغيف كان الرمز؛ حيث قرأ المصريون الزيادة كرسالة بأن الدولة تتراجع عن دورها في حماية الحد الأدنى للحياة، مما ترتب عليه تراجع الحكومة سريعًا.

انكماش المظلة الغذائية
في الثمانينيات والتسعينيات، خرجت سلع كثيرة من التموين واحدة بعد أخرى، بدأت باختفاء اللحوم والأسماك ثم الشاي، وسلع أخرى تراجعت، حتى تقلصت السلة التموينية في منتصف التسعينيات تقريبًا إلى أربعة أعمدة: الخبز البلدي، الدقيق البلدي، السكر، والزيت.
في 1997/1996، كان رغيف الخبز البلدي يباع بخمسة قروش، بينما قدرت تكلفته الكاملة بنحو 12 قرشًا، وكان الدقيق البلدي يباع للمستهلك بنحو 55 قرشًا للكيلو، بينما تصل تكلفته الكاملة إلى 97 قرشًا، والسكر كان يصرف على البطاقة بواقع كيلو واحد للفرد شهريًا؛ بسعر 50 قرشًا للكيلو لحاملي البطاقة الخضراء، و75 قرشًا لحاملي البطاقة الحمراء، في حين كان سعره في السوق الحر حوالي 1.60 جنيه، أما الزيت فكان يصرف للفرد بكمية شهرية تتراوح بين 300 و500 جرام حسب المنطقة، بسعر جنيه واحد للكيلو على البطاقة الخضراء و1.25 جنيه على البطاقة الحمراء، بينما كان سعره في السوق حوالي 3.50 جنيه للكيلو، وكانت نحو 82.9% من الأسر تمتلك بطاقات تموينية في نهاية التسعينيات، وكان حوالي 77.3% من الأسر يشتري السكر المدعم، وحوالي 75.8% يشتري زيتًا مدعمًا.
وفق بيانات مسح 1997، بلغت نسبة الأسر حاملة البطاقات التي لديها أفراد غير مسجلين حوالي 57.7%، وكانت النسبة أعلى بين أفقر شريحة إنفاق؛ إذ وصلت إلى 72.9%، مقابل 46.2% بين الشريحة الأعلى، مما يعني أن الأسرة الفقيرة الأكبر عددًا كانت غالبًا تحصل على دعم أقل من احتياجها الفعلي لأن بعض أفرادها غير مسجلين.

التلاعب الصامت
كلمة “عيش” تحمل معنى الخبز والحياة، حيث ظل الرغيف البلدي لعقود هو مركز الدعم؛ ليس لأنه الأغلى, بل لأنه الأكثر التصاقًا باليوم العادي، من لا يشتري لحومًا يشتري خبزًا، ومن يقلل الفاكهة يشتري خبزًا، ومن ينام بلا وجبة يحتاج إلى رغيف، لذلك كان الرغيف هو السلعة التي تخشى الحكومات الاقتراب منها أكثر من أي سلعة أخرى.
وفي الثمانينيات، رفعت الدولة سعر الرغيف تدريجيًا؛ زاد من قرش واحد إلى قرشين عام 1984، ثم إلى خمسة قروش عام 1989، ولكن الدولة لم تعتمد على السعر وحده لتقليل التكلفة، بل استخدمت أدوات أقل ظهورًا مثل تقليل وزن الرغيف؛ فانخفض وزن الرغيف من 168 جرامًا إلى 160 جرامًا عام 1984، ثم إلى نحو 130 جرامًا عام 1991.

الحصص الرقمية
في 2014، بدأت الدولة مرحلة جديدة مع البطاقة الذكية والتي لم تكن لرفع السعر مباشرة، بل للسيطرة على الكمية والهدر؛ وصار لكل فرد مسجل على البطاقة خمسة أرغفة يوميًا، أي 150 رغيفًا شهريًا، وما لا يستهلكه المواطن من حصته يتحول إلى نقاط يمكن استخدامها في شراء سلع تموينية، وبهذا تغيرت علاقة المواطن بالمخبز؛ لم يعد الخبز مفتوحًا بلا سقف، بل صار محسوبًا إلكترونيًا.
في يونيو 2024 رفعت الحكومة سعر الرغيف المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشًا، لأول مرة منذ عقود، الزيادة تبدو صغيرة بالجنيه “15 قرشًا إضافية” لكنها كنسبة تعني أن السعر تضاعف أربع مرات، فالفرد الذي يحصل على كامل حصته الشهرية “150 رغيفًا” كان يدفع 7.5 جنيه وأصبح يدفع 30 جنيهًا، والأسرة المكونة من أربعة أفراد كانت تدفع 30 جنيهًا شهريًا للخبز المدعم فأصبحت تدفع 120 جنيهًا إذا صرفت كامل حصتها.
الحكومة قدمت القرار باعتباره ضرورة مالية؛ وقال رئيس الوزراء إن تكلفة الرغيف على الدولة وصلت إلى نحو 1.25 جنيه، بينما كان المواطن يدفع 5 قروش فقط قبل الزيادة، وحتى بعد رفع السعر إلى 20 قرشًا، بقيت الدولة تتحمل معظم التكلفة.

آلة الستر اليومية
برنامج الخبز المدعم يخدم حوالي 70 مليون مواطن، بينهم قرابة 31 مليون شخص تحت خط الفقر بحسب تقديرات البنك الدولي المرتبطة ببرنامج دعم الأمن الغذائي، وتنتج الدولة نحو 100 مليار رغيف مدعم سنويًا، أي حوالي 250 مليون رغيف يوميًا، مما جعلها ليست مجرد مخابز بل آلة يومية ضخمة لإبقاء الحد الأدنى من الغذاء متاحًا لملايين البيوت.
وفي 2025/2024، خُصص لدعم السلع التموينية والخبز نحو 134 مليار جنيه، منها أكثر من 125 مليار جنيه تقريبًا لدعم الخبز وفق تصريحات وبيانات منشورة في فترة إعداد الموازنة.
وفي 2026/2025، أعلنت وزارة المالية رفع مخصصات دعم السلع التموينية والخبز إلى 160 مليار جنيه، وفي مشروع 2026/2027، أعلنت الوزارة تخصيص 175.3 مليار جنيه لبرامج دعم الغذاء، مع إعلانها توجهًا لتحويل الدعم العيني إلى نقدي، مما يعني أن المواطن لن يحصل على سلع بل على قيمة مالية يستطيع استخدامها في شراء ما يريد.







