
دراسة للمحلل السياسي الأريتري سليمان آدم حسن تنشرها “ليبرالي” تكشف أهمية تنسيق مصر مع دول القرن الأفريقي لمنع تحول المنطقة لساحة صراع عسكري
في ظل الأوضاع المتشابكة في منطقة القرن الأفريقي، يبرز التقارب المصري – الإريتري باعتباره تطورًا ذا أهمية استراتيجية في ظل التحركات الإقليمية المتسارعة، خاصة من جانب إسرائيل، التي تسعى إلى تعزيز حضورها في هذه المنطقة الحيوية المطلة على البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، تتناول دراسة للكاتب والمحلل السياسي الإريتري سليمان آدم حسن، اختصت بها حصريًا موقع “ليبرالي”، ملامح العلاقات المصرية – الإريترية، وأبعادها السياسية والأمنية، ودورها في إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.
تؤكد الدراسة أن التقارب المصري- الإريتري يمثل محورًا استراتيجيًا مهمًا لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي، في ظل تنافس إقليمي ودولي متزايد على المنطقة، وترى أن هذا التقارب لا يقتصر على البعد الثنائي بين القاهرة وأسمرة، بل يمتد ليشكل عامل توازن في مواجهة محاولات بعض القوى، ومنها إسرائيل، لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
كما تشير إلى أن هذا التعاون يعزز الأمن الإقليمي ويحد من تداعيات الصراعات والتدخلات الخارجية في المنطقة.

إليكم نص الدراسة:
لا تبدو الاتفاقات الأخيرة بين إريتريا ومصر، بما شملته من تعاون في النقل البحري ومشروعات أخرى ذات طابع اقتصادي ولوجستي، مجرد ترتيبات ثنائية عابرة بين دولتين متجاورتين على البحر الأحمر. فدلالتها أوسع من ذلك بكثير؛ إذ تأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، يتقاطع فيها أمن مضيق هرمز مع أمن باب المندب وقناة السويس، ويتحوّل فيها البحر الأحمر من ممر تجاري مهم إلى ساحة مركزية في صراع النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات [1]
ولا تكمن أهمية هذا التطور في مضمون الاتفاقات وحده، بل في السرعة التي انتقل بها الطرفان من الإعلان السياسي إلى التحرك العملي. فقد أعلن وزير النقل المصري، عقب عودته إلى القاهرة، إرسال وفد فني إلى إريتريا لبحث آليات التنفيذ والتنسيق الميداني. وهذه الخطوة، في بيئة اعتادت كثيراً من البيانات البروتوكولية والاتفاقات التي لا تغادر الورق، تكشف أن القاهرة وأسمرا تتعاملان مع هذه الشراكة بوصفها حاجة استراتيجية تمليها طبيعة المرحلة، لا مجرد لفتة دبلوماسية عابرة [2]
وليس توقيت هذه الاتفاقات تفصيلاً ثانوياً، فالبحر الأحمر يدخل اليوم مرحلة جيوسياسية جديدة، تتداخل فيها أزمات الشرق الأوسط مع اضطراب السودان، واستمرار الهشاشة الأمنية في الصومال، وتصاعد التنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية. كما أن التصعيد المرتبط بإيران وإسرائيل، ومعه الحضور الأمريكي المتزايد في هذه المواجهة، أعاد إلى الواجهة هشاشة طرق التجارة والطاقة في المنطقة. فمجرد احتمال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يذكّر العالم بأن أمن التجارة الدولية لا يقوم على مضيق واحد، وأن أي اهتزاز في هرمز يرفع فوراً من أهمية الممرات المجاورة، وفي مقدمتها خط البحر الأحمر الممتد من باب المندب إلى قناة السويس.
ومن هنا، لم يعد أمن باب المندب مسألة محلية يمكن حصرها في اليمن أو القرن الإفريقي. لقد أصبح جزءاً عضوياً من أمن قناة السويس ذاتها. فالترابط واضح: اضطراب باب المندب ينعكس على الملاحة في البحر الأحمر، وأي اضطراب طويل في البحر الأحمر يهدد المكانة التجارية والاستراتيجية لقناة السويس. أما أي تهديد جدي للقناة، فإنه لا يخص مصر وحدها، بل يمس حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد التي تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا وما بعدها.
لهذا، لم يعد جنوب البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر مجالاً بعيداً عن أمنها المباشر. لقد أصبح جزءاً من أمنها القومي، واستقرارها الاقتصادي، وموقعها في معادلات الإقليم. فالقاهرة تدرك أن الاضطراب الممتد من السودان إلى باب المندب يصل في نهايته إلى قناة السويس، أحد أهم أصول مصر الاقتصادية والجيوسياسية. ومن هنا تأتي حساسية مصر المتزايدة تجاه أي تطورات يمكن أن تغيّر موازين القوى في البحر الأحمر، أو تخلق حالة عدم استقرار طويلة الأمد عند بوابتها البحرية الجنوبية.
وفي هذه البيئة تبرز إرتريا بوصفها ركناً يصعب تجاوزه. فموقعها على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم جعل أهميتها تتزايد بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. ولم تعد هناك قوة إقليمية أو دولية مؤثرة تقريباً إلا وتسعى إلى موضع قدم أو نفوذ داخل حوض البحر الأحمر، وإن اختلفت دوافع كل طرف وأدواته.
فالإمارات العربية المتحدة بنت شبكة واسعة من الموانئ والممرات اللوجستية والبنى التجارية بهدف ترسيخ نفوذ بحري طويل الأمد. وتركيا عمّقت حضورها العسكري والسياسي في الصومال ضمن مسعى أوسع لتوسيع دورها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. أما الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بجنوب البحر الأحمر وباب المندب فيرتبط، في جانب كبير منه، بأمن الملاحة وحماية خطوط الشحن الحيوية. وفي المقابل، يعكس الحضور البحري الصيني اتساع المصالح التجارية العالمية لبكين، بينما تنظر واشنطن إلى المنطقة من زاوية أمن الملاحة، وحماية التجارة الدولية، والتنافس الجيوسياسي المتصاعد.
وهكذا يتحول البحر الأحمر سريعاً من مجرد ممر تجاري إلى إحدى أكثر المساحات الجيوسياسية تنازعاً في العالم. غير أن هذا التنافس ليس جديداً في جوهره. فمن التنافس العثماني والبريطاني، مروراً بعسكرة البحر الأحمر خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى الصراع الراهن حول الموانئ والممرات البحرية، ظل البحر الأحمر عاملاً مؤثراً في رسم مصائر القرن الإفريقي. لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو تزامن أزمات متعددة: اضطراب الشرق الأوسط، وتفكك بعض البيئات السياسية في القرن الإفريقي، واحتدام التنافس الدولي على طرق التجارة، وتجدد النقاش حول السيادة والوصول إلى البحر.
ومن المهم، في هذا السياق، ألا تُقرأ العلاقة الإريتريّة–المصرية كما لو أنها وليدة هذا الظرف وحده. صحيح أن التهديدات الراهنة للسلام والاستقرار في البحر الأحمر والقرن الإفريقي أعطت هذه العلاقة زخماً جديداً، لكنها في حقيقتها تستند إلى جذور أعمق من حسابات اللحظة. فمنذ العصور القديمة، كان البحر الأحمر جسراً للتواصل لا حاجزاً للفصل، وكان ميناء عدو ليس الإريتري واحداً من أهم موانئه التجارية، مرتبطاً بشبكات التجارة بين المتوسط والمحيط الهندي، وبموانئ مصر القديمة على البحر الأحمر مثل برنيس وميوس هرمو [3]
وفي مراحل لاحقة، تعمقت هذه الصلات عندما خضعت أجزاء واسعة من الساحل الإريتري ومناطق من البلاد للنفوذ أو الإدارة المصرية في القرن التاسع عشر. وقد أوجد ذلك احتكاكاً مباشراً بين الشعبين، وأسهم في تكوين روابط سياسية واجتماعية عبر البحر الأحمر، حتى إن كانت تلك المرحلة قد جرت في سياقات إمبراطورية تختلف بطبيعتها عن منطق الشراكة السيادية الحديثة [4]
أما في التاريخ الإريتري الحديث، فقد احتلت مصر مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية الإرتريّة. ففي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كانت القاهرة ملاذاً لعدد من السياسيين والوطنيين الإريتريين الذين تعرضوا للملاحقة والضغط بسبب مواقفهم الرافضة للمشروع الإثيوبي في إرتريا. ومن مصر وجد كثير منهم مجالاً للحركة السياسية والتواصل العربي والإقليمي، في مرحلة كانت فيها القضية الإريتريّة تبحث عن صوتها وموقعها في محيطها العربي والإفريقي والدولي [5]
ولم تقف هذه العلاقة عند حدود السياسة والتجارة. فقد امتدت إلى المجالين الديني والثقافي أيضاً. فالمسلمون الإرتريون، ولا سيما طلبة العلم والعلماء، ارتبطوا بالأزهر الشريف بوصفه أحد أهم مراكز التعليم الإسلامي في العالم، ومصدراً للمعرفة الدينية واللغوية والفقهية. وقد شكّلت القاهرة بالنسبة إلى أجيال من أبناء القرن الإفريقي، ومنهم إرتريون، فضاءً للعلم والتكوين الفكري والسياسي [6]
وفي المقابل، حافظ المسيحيون الأرثوذكس في إريتريا على روابط روحية وتاريخية وثيقة مع الكنيسة القبطية المصرية. فالعلاقة بين الكنيسة القبطية والكنائس الأرثوذكسية التوحيدية في المنطقة تعود إلى قرون طويلة، كما كان للكنيسة القبطية دور مهم في الاعتراف باستقلال الكنيسة الأرثوذكسية الإريتريّة في العصر الحديث.
وبذلك ترسخت العلاقة بين إريتريا ومصر، عند المسلمين والمسيحيين معاً، في الوجدان الديني والثقافي للشعبين، لا في الحسابات السياسية أو الجغرافية وحدها [7]
ومن ثم، فإن الشراكة الحالية بين القاهرة وأسمرا لا تقوم فقط على ضرورات أمنية فرضتها الظروف الراهنة، بل تستند أيضاً إلى امتداد تاريخي وجغرافي وسياسي وثقافي طويل. فالبر الأحمر، عبر قرون، لم يكن مجرد ممر مائي أو ساحة صراع للقوى الخارجية، بل كان فضاءً للتجارة والتعليم والتواصل والدعم السياسي والروحي بين إرتريا ومصر.
وعلى هذه الخلفية، تبدو الشراكة الإريتريّة–المصرية محاولة من دولتين مهمتين من دول البحر الأحمر لصياغة مستقبل النظام السياسي والأمني لهذا الممر الحيوي قبل أن تصوغه القوى الخارجية نيابة عنهما. فهناك اليوم رؤيتان متنافستان لمستقبل البحر الأحمر: رؤية تنظر إليه من زاوية العسكرة والاختراق والقواعد الأجنبية وصراع القوى الكبرى والإقليمية، ورؤية أخرى تريد أن يبقى البحر الأحمر فضاءً تديره الدول المطلة عليه أساساً، في إطار السيادة والاحترام المتبادل وحرية الملاحة والمسؤولية الإقليمية المشتركة. ويبدو التقارب بين القاهرة وأسمرا أقرب بوضوح إلى الرؤية الثانية.
من هنا تأتي أهمية التأكيد المصري المتكرر على أن إدارة البحر الأحمر وأمنه يجب أن يظلا مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، وهو موقف عبّرت عنه القاهرة في أكثر من مناسبة [8] وقد رفض المسؤولون المصريون إشراك القوى غير المطلة على البحر الأحمر في ترتيبات تتصل بحوكمته أو أمنه. ومن جانبها.
شددت إرتريا مراراً على ضرورة تطوير ترتيبات أمنية تعاونية بين دول البحر الأحمر نفسها. فاستقرار هذا البحر، في رؤية أسمرا، لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة عبر التنافس العسكري الخارجي أو القواعد الأجنبية أو الأجندات المتصارعة، بل عبر تعاون إقليمي يقوم على السيادة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة للدول التي تطل مباشرة على هذا الممر الحيوي.

ومن هذا المنظور، لا تعكس الشراكة المتنامية بين مصر وإريتريا مجرد تعاون ثنائي، بل تشير إلى تقارب في الرؤية بشأن مستقبل النظام السياسي والأمني للبحر الأحمر. كما تؤكد أن القاهرة وأسمرا تدركان أن أمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس يشكل معادلة واحدة مترابطة، وأن استقرارها لا يخص الإقليم وحده، بل يمس التجارة العالمية والأمن الدولي كذلك.
غير أن أهمية هذه الاتفاقات لا تُفهم فقط من زاوية التنافس الخارجي في البحر الأحمر. فهي ترتبط أيضاً بالديناميات السياسية المتغيرة داخل القرن الإفريقي، وخصوصاً الخطاب الإثيوبي المتصاعد حول الوصول السيادي إلى البحر.
ففي السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد مذكرة التفاهم التي أُعلنت في يناير 2024 بين إثيوبيا وأرض الصومال، جرى تقديم مسألة الوصول إلى البحر في الخطاب السياسي الإثيوبي ليس فقط باعتبارها حاجة اقتصادية، بل بوصفها أيضاً قضية ذات أبعاد استراتيجية ووجودية [9] ولا خلاف على أن لإثيوبيا، بوصفها دولة كبيرة غير ساحلية، مصالح اقتصادية مشروعة في استخدام الموانئ والوصول إلى الأسواق العالمية. غير أن الحديث عن “وصول سيادي” أثار قلقاً إقليمياً عميقاً لأنه يطمس الفارق بين الوصول التجاري المتفق عليه وبين المطالبة بحقوق سيادية على أراضي دول أخرى.
وهذا الفارق جوهري. فهناك فرق كبير بين ترتيبات اقتصادية متفق عليها لاستخدام الموانئ، وبين محاولات إعادة تعريف السيادة استناداً إلى طموحات بحرية. الأولى منسجمة تماماً مع القانون الدولي والتعاون الإقليمي والتنمية المشتركة، أما الثانية فتدخل قدراً كبيراً من عدم الاستقرار إلى بيئة جيوسياسية هشة أصلاً.
وهذه المخاطر ليست نظرية. فالقرن الإفريقي يواجه اليوم أزمات متداخلة: انقسامات داخلية، وحروباً أهلية، وتدخلات خارجية، وعسكرة للممرات البحرية، وتنافساً متزايداً بين قوى إقليمية ودولية. وفي مثل هذه الظروف، فإن أي محاولة لإعادة فتح قضايا السيادة وسلامة الأراضي قد تخلق تداعيات تتجاوز القرن الإفريقي نفسه.
لذلك يصعب فصل الاتفاقات الإريتريّة–المصرية عن الجهد الإقليمي الأوسع لترسيخ مبادئ السيادة وسلامة الأراضي وحرية الملاحة والاستقرار، في وقت تتعرض فيه هذه المبادئ لضغوط متزايدة. والأهم أن هذه الاتفاقات تظل راسخة في إطار القانون الدولي والمبادئ المعترف بها في العلاقات بين الدول. فالقاهرة وأسمرا لم تقدما هذه الشراكة بوصفها موجهة ضد طرف بعينه، بل بوصفها نموذجاً لتعاون إقليمي مشروع يقوم على احترام السيادة، والتعاون البحري القانوني، والمصالح الأمنية المشروعة للدول المطلة على البحر الأحمر، شريطة أن يلتزم الجميع بالمبادئ ذاتها: القانون الدولي، وعدم المساس بالسيادة، والاحترام المتبادل.
وتعكس هذه الاتفاقات أيضاً عودة إريتريا التدريجية إلى الفضاء الدبلوماسي بعد سنوات من العقوبات والضغط السياسي ومحاولات التهميش. فقد جرى التعامل مع إرتريا، خلال جزء كبير من العقدين الماضيين، من خلال عدسة العزلة والمواجهة. أما اليوم، فإن التحولات الجيوسياسية تفرض إعادة تقييم ذلك النهج.
فالانخراط المتزايد من جانب قوى مؤثرة، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يعكس إدراكاً متنامياً بأن إريتريا تحتل موقعاً محورياً في النظام المتشكل في البحر الأحمر. وتشير الاتصالات الدبلوماسية الأخيرة بين إرتريا ومسؤولين أوروبيين وأمريكيين إلى أن كثيراً من الأطراف الدولية باتت تعيد النظر في سياسات العزل السابقة لمصلحة انخراط حذر تفرضه حقائق الجغرافيا والسياسة والأمن البحري [10]
وقد ساهمت الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر، وعدم الاستقرار في القرن الإفريقي، والغموض المحيط بالسودان والصومال، واحتدام التنافس الدولي على الممرات البحرية، في ترسيخ قناعة مفادها أن إرتريا لا يمكن تجاهلها ولا عزلها إلى ما لا نهاية.
ومن هذه الزاوية، لا تعكس الشراكة البحرية مع مصر تقارباً ثنائياً فحسب، بل تعبّر أيضاً عن تعافٍ دبلوماسي أوسع لإرتريا وعن تصاعد أهميتها الإقليمية. فبدلاً من البقاء على هامش الحسابات الإقليمية، تعود إرتريا تدريجياً بوصفها فاعلاً لا يمكن تجاوزه في أي تصور جدي لمستقبل البحر الأحمر.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن هذه الشراكة تمنحها عمقاً في جنوب البحر الأحمر، وتعزز تنسيقها مع واحدة من أهم الدول جغرافياً في المنطقة. كما تعكس إدراك القاهرة أن حماية قناة السويس لا تبدأ عند مدخل القناة فقط، بل تمتد جنوباً إلى البحر الأحمر وباب المندب.
ولعل الأهم أن الشراكة الإريتريّة–المصرية تقدم نموذجاً مختلفاً للتعاون الإقليمي. ففي حين يتعامل كثير من الفاعلين الخارجيين مع البحر الأحمر من خلال القواعد العسكرية أو التنافس الجيوسياسي أو الحروب بالوكالة أو محاولات الاختراق، تقدم مصر وإريتريا شراكتهما من خلال البنية التحتية، والربط البحري، واللوجستيات، والتجارة، والتعاون المباشر بين دولتين من دول البحر الأحمر.
وقد يصبح هذا الفارق أحد أهم أبعاد الاتفاقات الأخيرة. فمستقبل البحر الأحمر لن تحدده الأساطيل والقواعد العسكرية وحدها، ولا ميزان القوة بين القوى الكبرى فحسب، بل سيتحدد أيضاً بقدرة دول المنطقة على بناء أطر تعاون تحمي السيادة وتمنع الحوض من الانزلاق إلى تفكك جيوسياسي مفتوح.
وفي وقت يزداد فيه عدم اليقين حول مضيق هرمز، ويصبح باب المندب جزءاً لا يتجزأ من أمن قناة السويس، ويمر القرن الإفريقي بتحولات عميقة، وتكثف القوى العالمية تنافسها على النفوذ في البحر الأحمر، قد تثبت الاتفاقات الإرتريّة–المصرية أنها أكثر بكثير من ترتيبات للنقل البحري أو التعاون الاقتصادي.
إنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى بعض دول المنطقة بأن استقرار البحر الأحمر لا يمكن أن يظل معتمداً إلى ما لا نهاية على موازين عسكرية خارجية، بل يحتاج إلى إطار إقليمي مستدام يقوم على القانون الدولي، والسيادة، وحرية الملاحة، والتعاون بين الدول المطلة عليه.
وبهذا المعنى، قد تمثل الشراكة بين مصر وإريتريا أكثر من مجرد تقارب ثنائي أو اتفاقات قطاعية في مجال النقل البحري والتعاون الاقتصادي. فهي قد تكون بداية جهد إقليمي أوسع لاستعادة المبادرة في البحر الأحمر، في لحظة يتحول فيها هذا الحوض إلى أحد أهم خطوط التماس الجيوسياسية في النظام الدولي المتشكل. فالبحر الأحمر لم يعد ممراً مائياً عادياً، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح التجارة العالمية، وأمن الطاقة، وحسابات القوى الكبرى، وطموحات القوى الإقليمية، وهواجس الدول المطلة عليه ومن هنا تكتسب الشراكة الإريتريّة–المصرية دلالتها الأعمق. فهي لا تقوم على منطق المحاور العدائية، ولا تستهدف طرفاً بعينه، بل تعبّر عن حاجة متزايدة لدى دول البحر الأحمر إلى بلورة تصور إقليمي يحمي السيادة، ويصون حرية الملاحة، ويمنع تحويل هذا الحوض الحيوي إلى مساحة مفتوحة للعسكرة والتنافس الخارجي غير المنضبط. فالاستقرار الحقيقي في البحر الأحمر لا يمكن أن يُبنى على القواعد الأجنبية وحدها، ولا على موازين القوة العابرة، بل على تفاهمات إقليمية راسخة بين الدول التي ترتبط أمنياً واقتصادياً وتاريخياً بهذا البحر.
وفي النهاية، قد لا يتحدد مستقبل البحر الأحمر بحجم النفوذ الذي تنجح هذه القوة الخارجية أو تلك في إسقاطه داخله، بل بقدرة الدول المطلة عليه على استعادة زمام المبادرة، وتحويل الجغرافيا من مصدر للتنافس والقلق إلى إطار للتعاون والاستقرار والأمن المشترك. وإذا نجحت هذه الدول في بناء مثل هذا الإطار، فإن البحر الأحمر يمكن أن يتحول من ساحة صراع مفتوح إلى فضاء إقليمي للتكامل، ومن خط تماس بين مشاريع متنافسة إلى جسر للتواصل بين إفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا.
عندئذ فقط يمكن القول إن الشراكة بين مصر وإرتريا لم تكن مجرد استجابة ظرفية لأزمة عابرة، بل خطوة أولى في اتجاه إعادة تعريف أمن البحر الأحمر من منظور دوله وشعوبه، لا من منظور القوى التي تنظر إليه فقط بوصفه ممراً للمصالح أو موقعاً للتنافس. وهذا، في تقديري، هو المعنى الأهم لهذه الشراكة، وهو ما يمنحها بعدها الاستراتيجي الحقيقي.
المراجع
[1] تغطية الأهرام أونلاين للاتفاقات الإرتريّة–المصرية، بما في ذلك اتفاق التعاون في النقل البحري
[2] تقرير الأهرام ويكلي عن الشراكة المصرية–الإرتريّة ومتابعة تنفيذ التعاون البحري
[3] دراسة أثرية حول ميناء عدوليس وموقعه على طرق التجارة بين المتوسط والمحيط الهندي
[4] دراسة عن مصوع في فترة الإدارة المصرية، 1873–1885
[5] سيرة ولدآب ولدماريام وإشارته إلى اللجوء إلى مصر بعد الملاحقة السياسية
[6] دراسة عن طلاب القرن الإفريقي المسلمين في الأزهر والقاهرة
[7] بروتوكول العلاقة بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الإرتريّة الأرثوذكسية
[8] مقابلة وزير الخارجية المصري مع إريتريا بروفايل حول أمن البحر الأحمر ومسؤولية الدول المطلة عليه
[9] تغطية رويترز لمذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال في يناير 2024
[10] معلومات عن الانخراط الأوروبي والدولي في قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر





