
دينا زكريا
في قلب القاهرة، حيث كانت الأضواء تتوهج حتى ساعات الفجر، وكانت الأحلام تُصنع على خشبات المسارح، تقف اليوم مبانٍ صامتة كأشباح حجرية على عصر ذهبي انتهى، هنا لا تسمع الآن إلا صدى الضحكات وتصفيق الجمهور، تهمس بها الجدران المتآكلة والستائر التي لم تُرفع منذ عقود.
كان شارع عماد الدين -والذي اشتهر تاريخيًا بلقب “برودواي الشرق”- الشريان النابض الذي صنع وجدان أجيال متعاقبة، لكن اليوم، تحولت عاصمة الفن المنسية إلى مقبرة مفتوحة لذكريات كانت يومًا ملء السمع والبصر.

الكواليس المظلمة.. صمت يسكن المسارح
من المستحيل أن تمشي اليوم في شارع عماد الدين دون أن تشعر بثقل التاريخ، هنا صعد يوسف وهبي ونجيب الريحاني إلى خشبات المسرح، وهنا صدحت أصوات أم كلثوم وأسمهان، ولكن أين كل ذلك؟ لقد هجرت خشبات المسرح، وتركت خلفهم مهجورة وأضواء مطفأة.
فكان مسرح الأزبكية شاهدًا على بدايات الحركة المسرحية الوطنية، ولكنه اليوم تحول إلى ذكرى باهتة، لم يعد يستقبل الجمهور، بل أصبح مأوى للغبار والركام، أما مسرح “برنتانيا”، فكان يوما ما نجما لامعا في سماء شارع عماد الدين، ولكنه اختفى تماما خلف أبراج حديثة، وكأنه لم يكن موجودا يوما، ونفس الحال لحق بمسرح إيزيس الذي اختفى أيضا عن الأنظار، ولكنه لا يزال يحتفظ بذكريات عروض مسرحية وغنائية استقطبت كبار الفنانين.

الشاشات المنطفئة.. مقبرة الأحلام
لم تقتصر الخسارة على المسارح فقط، بل امتدت لتشمل دور العرض السينمائي، حيث كانت السينما طقسا اجتماعيا وثقافيا مهما، ولكنها اليوم أصبحت ذكرى بعيدة.
في وسط البلد، كانت سينمات مثل ريفولي، راديو، مترو، ريالتو، وكوزموس، تمثل علامات مضيئة في المشهد الثقافي، ولكنها اليوم تبدو مختلفة تمامًا، بعضها أغلق أبوابه نهائيًا، وبعضها تحول إلى مبانٍ مهجورة، أما سينما فاتن حمامة فكانت تقف على ضفاف النيل بمنطقة المنيل شاهدة على التحولات القاسية التي أصابت دور العرض التقليدية، وأُغلقت أبوابها وسط جدل متكرر حول مستقبل المبنى، تاركة وراءها ذكريات جميلة كانت تجمع العائلات والأصدقاء، حيث افتُتحت في ثلاثينيات القرن العشرين باسم “سينما ربع لبة”، وكان يمتلكها الفنان حسين رياض، وتغير اسمها إلى سينما “ميرندا “لاحقًا.

استوديوهات في طي النسيان
كانت الاستوديوهات قلبا نابضا لصناعة السينما، ولكنها اليوم تحولت إلى أماكن مهجورة، من بينها استوديو مصر، حيث كان يوما ما المصنع الأكبر للأحلام، ولكن اليوم تراجع دوره التاريخي بصورة كبيرة، ورغم استمرار نشاطه، فإن بريقه القديم لم يعد كما كان، أما استوديو جلال والذي يقع في حدائق القبة، فيقف كواحد من أهم المواقع التي شهدت العصر الذهبي للسينما المصرية، ولكنه تعرض للإهمال، وتحولت أجزاء واسعة منه إلى مساحات مهجورة، ولقى استوديو ناصيبيان نفس المصير حينما تعرض لحريق مدمر أصابه قبل سنوات، وأدى إلى خسائر كبيرة في جزء من تاريخه ومقتنياته، ومنذ ذلك الحين، تحول المكان إلى رمز للخسارة الثقافية.

لماذا ماتت هذه الأماكن؟
الكثير من المسارح والسينمات القديمة كانت مملوكة لعائلات مصرية عريقة، ومع تعاقب الأجيال، دخلت بعض العقارات في نزاعات قانونية طويلة، ما أدى إلى إغلاقها لسنوات، بالإضافة إلى ذلك، ساهمت المجمعات التجارية الحديثة ومنصات البث الرقمي في تغيير العلاقة التقليدية بين الجمهور والفن، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه المعالم إلى مجرد صور في أرشيف التاريخ، أم تنجح محاولات إنقاذها وإعادة الحياة إليها؟ فحتى الآن، ما زالت الستائر مغلقة لكن الحكاية لم تنتهِ بعد.









