١٥ عاماً من “العزلة المحلية”.. كيف تحوّل نواب البرلمان إلى مناديب خدمات؟

تُشكّل المجالس المحلية حلقة الوصل الأقرب بين المواطن والدولة، وتعد بمثابة “البرلمان المحلي” المعني بمتابعة الخدمات اليومية ومراقبة أداء الأجهزة التنفيذية على مستوى المحافظات والمراكز والمدن والأحياء والقرى.

وقد أفرد دستور 2014 بابًا كاملًا للإدارة المحلية، مؤكدًا التوجه نحو تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية بصورة تدريجية، بما يتيح للوحدات المحلية إدارة شؤونها بقدر أكبر من الاستقلالية.

وتعود آخر انتخابات للمجالس الشعبية المحلية في مصر إلى عام 2008، قبل أن يتم حل هذه المجالس بحكم صادر من المحكمة الإدارية العليا في يونيو 2011، في أعقاب ثورة 25 يناير وحل الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يهيمن على أغلبية مقاعدها آنذاك.

ومنذ ذلك الحين، تدار الوحدات المحلية من خلال الأجهزة التنفيذية المعينة، دون وجود مجالس محلية منتخبة تمارس دورها الرقابي والخدمي، رغم أن دستور 2014 نص على دعم اللامركزية وإجراء انتخابات للمجالس المحلية.

وعلى مدار السنوات الماضية، طُرحت عدة مشروعات لقانون الإدارة المحلية داخل مجلس النواب المصري، إلا أن القانون الجديد لم يصدر حتى الآن، ما أدى إلى استمرار غياب المجالس المحلية المنتخبة لأكثر من 15 عامًا.

ووفقًا للدستور والتشريعات المنظمة للإدارة المحلية، تتوزع أدوار المجالس الشعبية المحلية على ثلاثة محاور رئيسية:

الرقابة والمساءلة

لا يقتصر دور المجالس المحلية على إبداء الرأي أو تقديم المقترحات، بل تضطلع بدور رقابي مهم على الأجهزة التنفيذية داخل نطاقها الجغرافي، من خلال:

توجيه الأسئلة وطلبات الإحاطة ومناقشة القضايا الخدمية والتنموية مع المسؤولين التنفيذيين.

متابعة أداء رؤساء الوحدات المحلية والأجهزة التنفيذية وتقييم مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

رصد أوجه القصور في المرافق والخدمات ورفع التوصيات اللازمة لمعالجتها وفقًا للأطر القانونية المنظمة.

المشاركة في التخطيط والتنمية

تُعد المجالس المحلية شريكا رئيسيا في تحديد أولويات التنمية على المستوى المحلي، وذلك عبر:

مناقشة خطط التنمية والمشروعات الخدمية والاستثمارية المقترحة داخل نطاق الوحدة المحلية.
متابعة تنفيذ المشروعات ومعدلات الإنجاز على أرض الواقع.
مناقشة مشروع الموازنة المحلية والحسابات الختامية وإبداء الرأي بشأنها بما يعزز كفاءة الإنفاق العام.

متابعة الخدمات والمرافق العامة

تمثل المجالس المحلية قناة مباشرة لنقل احتياجات المواطنين ومشكلاتهم اليومية إلى الجهات التنفيذية، وتشمل اختصاصاتها متابعة:

خدمات النظافة وإدارة المخلفات ورصف الطرق والإنارة العامة.
مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي.
أداء الأسواق المحلية والمستشفيات والوحدات الصحية والمدارس ومنافذ تقديم الخدمات للمواطنين.
المشكلات المرتبطة بالتراخيص والأنشطة الاقتصادية والخدمية داخل نطاق الوحدة المحلية.

تحول النواب

وفي قراءة لطبيعة الأزمة وتأثيرها المباشر على بنية الدولة، يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن غياب المجالس المحلية على مدار السنوات الماضية أحدث فراغاً هائلاً في مستوى التمثيل المحلي مما دفع المواطنين اضطرارياً إلى اللجوء لنواب البرلمان لحل مشكلات خدمية وإدارية يومية، كان من المفترض أن تتولاها المجالس المحلية المنتخبة.

وفي ذات السياق، أكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، لـ”ليبرالي”، أن استمرار هذا الغياب أحدث خللاً جسيماً في بنية العمل البرلماني برمتّه، معتبراً أن غياب المحليات يوجه بالتبعية كافة جهود نواب البرلمان نحو تحقيق سياسات ومصالح محلية ضيقة، بدلاً من التفرغ لصياغة السياسات العامة للدولة ومراقبة أدائها.

ويوضح الدكتور طارق فهمي في تصريحاته لـ”ليبرالي”، أن هذا التداخل الإجباري في الأدوار جعل المواطن يضع نواب التشريع في مواجهة مباشرة مع مطالب خدمية بحتة، على الرغم من أن الدور الدستوري والأساسي للنائب البرلماني ينحصر في التشريع والرقابة على الحكومة، وليس في متابعة الشؤون الخدمية الإجرائية للمحافظات والأحياء.

ويقول الدكتور عمرو هاشم ربيع، إن انشغال نواب الشعب بالركض خلف التفاصيل الخدمية الدقيقة كملفات رصف الطرق، وتوفير مستلزمات الجمعيات الزراعية من أسمدة، وملاحقة طلبات إنشاء المدارس أو الوحدات الصحية بالقرى قد استنزف طاقاتهم التشريعية، مما أدى تلقائياً إلى تراجع أدوارهم الرقابية والسياسية وجعلها محدودة للغاية، الأمر الذي أفرغ المنصب البرلماني من جوهره القومي وتحول معه النائب إلى “نائب محليات”.

معضلة تأخر القانون

أما عن كواليس تأخر صدور التشريع، فيرى الدكتور طارق فهمي، في تصريحاته لـ”ليبرالي”، أن تأخر إصدار قانون الإدارة المحلية الجديد، يرجع لوجود أولويات سياسية وتشريعية أخرى فرضت نفسها خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها استكمال الاستحقاقات الدستورية الكبرى وإجراء الانتخابات البرلمانية المتتالية.

بالمقابل، يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع أن التعطيل الطويل المستمر يعود في الأساس إلى مخاوف سياسية وهيكلية عميقة داخل دوائر صناعة القرار، فضلاً عن وجود معضلة أخرى تتعلق بالصلاحيات اللامركزية الواسعة التي كفلها الدستور للمجالس المحلية، إذ يُخشى أن تؤدي تلك الصلاحيات إلى نزاع وتداخل مباشر مع السلطة المركزية في الدولة.

الأحزاب فارغة

وعند التطرق لمدى جاهزية القوى السياسية لخوض هذه التجربة، أشار الدكتور طارق فهمي إلى أن بعض المقترحات التي طُرحت سابقاً بشأن توسيع تمثيل الشباب والأحزاب في المحليات واجهت تحديات تنظيمية وتمويلية ضخمة، وعلى الرغم من مطالب الرئيس بتشكيل مفوضية شباب لمتابعة المحليات، إلا أن الأحزاب فقدت قدرتها على تنفيذ ذلك.

لافتاً إلى أن الانتخابات المحلية تتطلب انتشاراً واسعاً وجاهزية بشرية في آلاف الدوائر والقرى على مستوى الجمهورية، وهو أمر لا تمتلكه حالياً غالبية الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة.

ويؤكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن الأحزاب لا يوجد لديها كوادر وأغلبهم لا يوجد لديهم مقرات، فضلاً عن الرغبة في الإبقاء على المركزية الإدارية.

ويشدد الدكتور طارق فهمي على أن إجراء انتخابات المحليات لم يعد مجرد استحقاق قانوني مؤجل، بل أصبح مطلباً جماهيرياً ملحاً من أجل إعادة التوازن المفقود بين الأدوار التشريعية والرقابية والخدمية داخل النظام السياسي المصري.

الكوتة الدستورية

ألزم الدستور المصري المشرع عند إعداد قانون الإدارة المحلية بضمان تمثيل مناسب للفئات المختلفة داخل المجالس المحلية، حيث نص على أن تتضمن المجالس:

نسبة لا تقل عن 25% للشباب دون سن 35 عامًا.
نسبة لا تقل عن 25% للمرأة.
تمثيلًا مناسبًا للعمال والفلاحين.
تمثيلًا ملائمًا للمسيحيين وذوي الإعاقة.