
أثار الروائي والباحث المصري يوسف زيدان جدلاً واسعًا خلال الأيام الماضية، إثر طرحه قراءات مغايرة للروايات التاريخية المتداولة بشأن حادثة “أصحاب الفيل”، إلى جانب آرائه حول تاريخ تدوين الأناجيل، حيث قوبلت تصريحاته بموجة من النقاش بين الباحثين والمتخصصين في التاريخ والآثار والدراسات الدينية.
وفيما يتعلق بحادثة أصحاب الفيل، رأى “زيدان” أن الرواية المتداولة لا تستند – بحسب وجهة نظره – إلى أصل تاريخي في السياق العربي، مدعيًا أنها تأثرت بما ورد في الأسفار الأبوكريفية، ولا سيما قصص المكابيين التي تناولت معارك استخدمت فيها الفيلة، كما شكك في الرواية التقليدية الخاصة بأبرهة الحبشي، زاعمًا أنه لم يتجه إلى مكة لهدم الكعبة، وأن شخصية أبرهة في المصادر الإثيوبية تُعرف باعتبارها شخصية مسيحية ذات مكانة دينية.
كما أثار “زيدان” أيضًا تساؤلات حول الجانب الجغرافي واللوجستي للرواية، متشككًا في إمكانية عبور جيش يضم فيلة لمسافات طويلة عبر الصحراء من الحبشة إلى مكة، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات تاريخية تستحق البحث والمراجعة.
وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور خالد عزب، الباحث والمؤرخ المتخصص في الآثار الإسلامية، أن الجدل الدائر حاليًا حول بعض وقائع التاريخ العربي والإسلامي، ومنها حادثة أصحاب الفيل، يكشف الحاجة الملحة إلى إعادة قراءة تاريخ المنطقة العربية في ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاعتماد على الروايات وحدها.
وأضاف “عزب” في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت طفرة غير مسبوقة في أعمال المسح والتنقيب والدراسات الأثرية في شبه الجزيرة العربية، إلا أن هذه الاكتشافات لم تُستثمر حتى الآن بالشكل الذي يسمح بإعادة كتابة تاريخ المنطقة كتابة علمية محايدة.

وأوضح أن كثيرًا مما يُنشر في المؤسسات البحثية الغربية، ومنها السنمار والدراسات الصادرة عن المتحف البريطاني في إطار أبحاث الجزيرة العربية، لا يزال مجهولا بالنسبة للقارئ والمثقف العربي، رغم ما يتضمنه من نتائج علمية مهمة.
وأشار إلى أن من أبرز هذه الاكتشافات ما توصلت إليه البعثة الأثرية السعودية الفرنسية المشتركة في منطقة نجران، والتي نجحت في توثيق مئات النقوش والرسوم الصخرية، من بينها رسوم تمثل الفيلة، إلى جانب نقوش بالخط المسند، أحدها يحمل اسم أبرهة الحبشي ولقبه المعروف في النقوش اليمنية القديمة، وهو ما يمثل شاهدًا أثريًا مباشرًا على وجوده التاريخي، ويفتح المجال لربط هذه الأدلة المادية بالسياق التاريخي لحادثة أصحاب الفيل، باعتبارها قضية تستحق الدراسة العلمية القائمة على الأدلة، وليس مجرد الجدل النظري.
وأكد “عزب” أن النقاش العلمي الحقيقي يجب أن ينطلق من الأدلة الأثرية والنقوش الموثقة، إلى جانب المصادر التاريخية، مشددًا على أن كل كشف أثري جديد يضيف طبقة جديدة لفهم تاريخ جنوب الجزيرة العربية، ويستوجب مراجعة كثير من المسلمات التاريخية في ضوء المعطيات الحديثة.
وأوضح أن القضية لا تتعلق فقط بحادثة أصحاب الفيل، وإنما تمتد إلى ضرورة إعادة كتابة تاريخ المنطقة العربية بالكامل، من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، وفق منهج علمي محايد يستند إلى نتائج علم الآثار والدراسات التاريخية الحديثة، لأن استمرار تدريس تاريخنا بصورة منقوصة يحرم الأجيال من فهم أكثر دقة لحضارتها.

واختتم “عزب” تصريحه قائلاً:” لدينا اليوم من الأدلة الأثرية ما يستدعي مراجعة كثير من التصورات التاريخية الراسخة، فعلى سبيل المثال، توصل علماء المصريات منذ سنوات إلى نتائج مستقرة تشير إلى أن الملك مينا لم يكن موحد القطرين كما استقر في الكتب المدرسية، وهو ما يؤكد أن تاريخ مصر القديمة وتاريخ المنطقة العربية عمومًا أكثر تعقيدًا وثراءً مما كنا نتصور، وأن إعادة قراءته في ضوء الاكتشافات العلمية أصبحت ضرورة أكاديمية وثقافية”.






