ملف قلق وطني.. اقتصاديون لـ”ليبرالي”: سداد ديون مصر ممكن بشروط

علي الإدريسي: مصر قادرة دائماً على تسديد ديونها والفيصل هو كيفية السداد وترتيب الأولويات
ورئيس مركز المصريين للدراسات: لا بد وضع حد نهائي لسياسة الاقتراض

السجال حول اتفاقية قرض القطار الكهربائي السريع، بين نواب المعارضة والمستقلين تحت قبة البرلمان، وبين وزير النقل الفريق كامل الوزير، أعاد ملف الاقتراض الخارجي إلى صدراة ملفات القلق الوطني، فينما تدافع الحكومة ووزارة النقل عن المشروع وتطمئن الجميع على سداد الديون، تصاعدت انتقادات نيابية حادة يتقدمها 3 أسئلة من النائب عبد المنعم إمام رئيس حزب العدل ووكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، وهم: “إحنا رايحيّن فين؟ ولمن تُبنى هذه الدولة ولمن تُصنع هذه المشروعات؟، لتضيف عليها “ليبرالي” سؤالًا للخبراء وهو: كيف تخرج مصر من نفق القروض وتسدد ديونها؟

طريقة سداد القروض

الخبير الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي، أكد أن الدولة المصرية تمتلك دائماً القدرة والمرونة الكافية لسداد التزاماتها وديونها الخارجية والداخلية مهما حجم الأزمات أو الصدمات الاقتصادية، مشدداً على أن الاقتصاد المصري يرتكز على أصول وإمكانيات قوية تؤهله للوفاء بتلك الالتزامات.

وقال الإدريسي في حديث خاص لـ”ليبرالي”: “مصر اقتصادها كبير ودولة قوية وقادرة على السداد في أي وقت، ولكن الإشكالية الأساسية تكمن في كيفية السداد ومن يتحمل الفاتورة؟”، موضحًا أن السداد قد يصحبه أحيانًا ضغوط معينة، مثل التضحية ببعض الأصول، أو تصفية بعض الشركات، أو الاضطرار للاقتراض مجددًا لسداد ديون قديمة، وهو ما قد ينعكس بأشكال مختلفة على المواطن.

وشدد الإدريسي على أهمية “ترتيب الأولويات” ودراسة الجدوى الاقتصادية بدقة لأي مشروع قبل البدء فيه، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين المشروعات ذات البُعد الاجتماعي والمشروعات ذات الجدوى الاقتصادية السريعة التي تضمن تدفقات مالية قادرة على تغطية تكلفتها، بدلاً من الاعتماد على مشروعات يمتد عائدها إلى 30 أو 40 عاماً مما يفرض أعباءً تمويلية طويلة الأجل.

وأوضح الإدريسي، أن ملف الديون يعد من الملفات الشائكة التي تشهد نقاشًا مستمرًا منذ سنوات، مشيرًا إلى وجود تحدٍ كبير يوازن بين تحقيق التنمية المستدامة والآليات المستخدمة لتمويلها، خاصة أن الرؤية التنموية للدولة نجحت خلال السنوات الماضية في مضاعفة المساحة العمرانية المستغلة في مصر لتصل إلى نحو 16% أو 17% مقارنة بنحو 6% إلى 7% فقط في عام 2010، وذلك عبر تدشين أكثر من 25 مدينة جديدة وربطها بالعاصمة.

وقف الاقتراض مستقبلاً

بدوره، يرى الدكتور عادل عامر، مدير مركز المصريين للدراسات أن حجم القروض في مصر وصل إلى مستويات تشكل ضغطاً متزايداً على الاقتصاد الوطني والناتج المحلي الإجمالي، لا سيما التمويلات الضخمة التي وُجهت لوزارة النقل بغرض تشييد البنية التحتية وتحديث أسطول النقل وتوفير فرص عمل جديدة.

وأوضح عامر، في حديث خاص لـ”ليبرالي”، أن الارتفاع الحالي في أعباء خدمة الدين وتكاليف التمويل بات يؤثر سلباً على معدلات الاستثمار والإنتاج، مشيراً إلى أن الحل العاجل والمستدام لهذه الأزمة يكمن في حسن إدارة هذه التمويلات بكفاءة وتوجيهها حصراً نحو المشروعات الإنتاجية الكفيلة بتوليد عوائد مالية ذاتية تسهم في سداد الأقساط في مواعيدها دون الحاجة للاستدانة مجدداً، فيما شدد على ضرورة إعادة هيكلة بعض الالتزامات المالية عند الحاجة، بالتوازي مع تعزيز الإيرادات العامة وتنويع مصادر الدخل القومي للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي للبلاد.

وفيما يخص قطاع النقل، طمأن عامر بوجود إمكانية حقيقية لتجاوز هذه الضغوط، مؤكداً أن قطاع النقل يمتلك كافة المقومات الاقتصادية الواعدة التي تجعله ركيزة أساسية لدعم النمو وتحقيق التنمية المستدامة والوفاء بالتزاماته المالية مستقبلاً، لكن على الصعيد الاستراتيجي والمستقبلي، أعلن عامر رفضه التام للجوء إلى أي قروض جديدة مستقبلاً، مطالبًا بوضع حد نهائي لسياسة الاقتراض والاعتماد بدلاً من ذلك على تشغيل المشروعات القائمة التي تم تمويلها بالفعل.



فاتورة الأجيال

النائب عبد المنعم إمام، كان من أبرز الأصوات الرافضة للقرض الذي يتضمن تمويل الخطين الثاني والثالث من شبكة القطار الكهربائي السريع، بقيمة تقارب 3.9 مليار يورو، مشدداً على أن الاستمرار في سياسة الاقتراض لتمويل مشروعات ضخمة لا تولد عائداً بالعملة الأجنبية يمثل عبئاً خطيراً على الأجيال القادمة.

وأكد أن 63 قرشاً من كل جنيه تصرفه الحكومة حاليًا يذهب مباشرة لصالح سداد أقساط وفوائد الديون، لافتاً إلى أن وزارة المالية تتحمل سنوياً ما يقرب من 500 مليار جنيه لسداد قروض جهات عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.

تحذيرات وأسئلة
في نفس مسار الرفض، تساءلت النائبة مها عبد الناصر من تحت قبة البرلمان “ليه ما فيش طريق تاني غير القروض؟ هنقعد ندفع في تمنها ونفضل في نفس الدايرة!، فيما حذر محمود سامي البارودي رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي من استمرار تراكم الديون دون وجود رؤية واضحة ومستدامة للسداد.

وطالبت النائبة إيرين سعيد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، وزير النقل بقيادة حقيبة وزارة التعليم، حتى تشملها القروض للتعليم للوصول إلى جيل متعلم يجد حلول مستدامة بدل الاقتراض بدون بدائل، وفق قولها، أما النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب المستقل، فرفض القرض قائلًا:” لا يوجد أي عائد من الاقتراض.. ومش هنأكل الناس قطارات ورصف”.

طمأنة حكومية وتعهد وزاري

في المقابل، ووافق العديد من النواب على القرض. وبررت النائبة مي كرم جبر، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، موافقتها بمزايا القطار الكهربائي السريع وأن الاقتراض وفق مناقشة الحساب الختامي يجب ربطه بمشروع تنموي يوفر دخل وهو متحقق في هذه الاتفاقية، فيما وصف الفريق كامل الوزير، القرض في الجلسة التي عقدت في 16 يونيو الجاري، بأنه “مشروع تنموي واستثماري”، و”سيغير وجه مصر” ويحقق عوائد تنموية واقتصادية ممتدة لعقود قادمة، وليس “ترفيهيًا”.
وأوضح أنه لا داعي للتخوف من الديون، لوجود موارد دولارية لدى الوزارة والهيئات التابعة من الموانئ والمناطق اللوجستية والشركات التابعة تمكنها من الوفاء بالتزاماتها المالية، مشددًا على قدرته الكاملة على سداد القروض والالتزامات المرتبطة بالمشروع.