70% من الألبان ينتجها صغار المربين.. وتوفير التغذية المناسبة يظل التحدي الأكبر

“الزراعة”: إنتاج الجاموس المحسن يتجاوز 20 كيلو لبن يوميًا مقابل 7 كيلو فقط للسلالات التقليدية
أستاذ تغذية الحيوان: زيادة الإنتاج لا ترتبط بالسلالة وحدها بل بالتغذية والرعاية والإدارة
خبير زراعي محذرًا المربين: الحيوانات عالية الإنتاج أكثر تأثرًا بالإجهاد الحراري وتحتاج متابعة مكثفة
مستثمر بالإنتاج الحيواني: الجاموسة المستوردة تستهلك كميات “مرعبة” من الأعلاف وتكلفتها أعلى بكثير
تواجه صناعة الألبان في مصر تحديًا هو الأصعب في تاريخها، فبين الارتفاع المستمر في أسعار الأعلاف، وانخفاض هامش الربح للمربين، لاسيما الصغار منهم، لم تعد “المواشي” البلدية التقليدية بإنتاجها المتواضع “7 كيلوجرامات يوميًا” قادرة على الصمود أو تحقيق أي جدوى اقتصادية.
وسط هذا المأزق، تُطرح السلالات المحسنة وراثيًا كمشروع قومي وطوق نجاة يعِد بقفزة في الإنتاج تتجاوز الـ 20 كيلو للرأس الواحدة، إلا أن هذا التحول بات اليوم محل تساؤل كبير وعلامات استفهام مشروعة في الشارع الزراعي، فهل نحن أمام حل حقيقي ومستدام لإنقاذ قطاع الألبان، أم أن هذه السلالات “الحساسة بطبعها” ستتحول إلى عبء إضافي يلتهم ما تبقى من ميزانية المربي بسبب متطلباتها الغذائية المعقدة وحساسيتها المفرطة لأجوائنا الحارة؟.
وفي هذا السياق، قال الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة، إن الوزارة تنفذ حاليًا مشروعًا واعدًا، يتمثل في إقامة مزرعة نموذجية للجاموس المصري المُحسن وراثيًا بسلالات إيطالية في منطقة غرب المنيا، بطاقة استيعابية أولية تبلغ 1500 رأس، مشيرًا إلى أن هذه السلالات تتميز بإنتاجيتها العالية جدًا من الألبان واللحوم.

تهجين السلالات المستوردة عالية الإنتاجية مع السلالات المحلية
وأضاف “سليمان” لـ”ليبرالي” أن الخطة المستقبلية تستهدف التوسع في هذا المشروع من خلال إنشاء 5 محطات مجاورة للمحطة الحالية، لترتفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمشروع إلى 30 ألف رأس ماشية، موضحًا أن العمل يجري على قدم وساق في ملف التحسين الوراثي لسلالات الجاموس، حيث تعتمد الوزارة على خطط علمية لتهجين السلالات المستوردة عالية الإنتاجية مع السلالات المحلية، والتي تتميز بقدرتها العالية على مقاومة الأمراض والتأقلم مع الظروف المناخية في مصر، وذلك بهدف استنباط سلالات جديدة تجمع بين وفرة الإنتاج والملائمة التامة للبيئة المصرية.
وكشف رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة، عن أن السلالات المُحسنة قفز إنتاجها اليومي ليتجاوز حاجز الـ 20 كيلو من اللبن للرأس الواحدة، في حين أن السلالات المحلية قبل عملية التحسين الوراثي لم تكن تتخطى حاجز الـ 7 كيلوجرامات يوميًا.

مصر تُنتج 7 ملايين طن من الألبان سنويًا
ووفقًا لبيانات صادرة عن وزارة الزراعة، أنتجت مصر7 ملايين طن من الألبان العام الماضي، مقابل 6.5 مليون طن في العام الأسبق، محققًا نموًا سنويًا بنحو 8%.
في حين تستورد مصر تستورد حاليًا “اللبن البودرة” فقط، وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت قيمة واردات مصر من”ألبان البودرة” قرابة الـ 175 مليون دولار العام الماضي.
وللتغلب على استيراد “اللبن البودرة”، تُخطط وزارة الزراعة لإنشاء مصنع لتجفيف الألبان خلال العامين المقبلين، للوصول إلى الاكتفاء الذاتي التام من الألبان بكافة أنواعها “الطازجة والمجففة”.

إنتاج الألبان لا يرتبط بالسلالة وحدها
بدوره، قال الدكتور هاني محمود جادو، أستاذ تغذية الحيوان بكلية الزراعة جامعة عين شمس، إن الحديث عن إنتاج أكثر من 20 كيلو لبن يوميًا بدلا من متوسط يقترب من 7 كيلو، لا يرتبط بالسلالة وحدها، موضحًا أن رفع الإنتاجية يعتمد على منظومة متكاملة تشمل التحسين الوراثي والتغذية والإدارة والرعاية الصحية.
وأضاف “جادو” لـ”ليبرالي” أن السلالات المحسنة تمنح الحيوان قدرة وراثية أعلى لإنتاج اللبن، إلا أن هذه القدرة لا تتحول تلقائيًا إلى إنتاج فعلي، إلا إذا توفرت الأعلاف المتوازنة وظروف التربية المناسبة، لأن الحيوان عالي الإنتاج تكون احتياجاته الغذائية والإدارية أكبر.
وأوضح أستاذ تغذية الحيوان، أن من أبرز مزايا السلالات المحسنة، تتمثل في زيادة كفاءة إنتاج اللبن من نفس عدد الرؤوس، وتحسين العائد الاقتصادي للمزرعة، وتقليل تكلفة الإنتاج على المدى الطويل عند الإدارة الجيدة.

تأثر الحيوانات عالية الإنتاج بالإجهاد الحراري
وأشار “جادو” إلى وجود تحديات يجب أخذها في الاعتبار، من بينها ارتفاع تكلفة التغذية، وزيادة الحاجة إلى المتابعة البيطرية، وتأثر بعض الحيوانات عالية الإنتاج بالإجهاد الحراري والظروف البيئية إذا لم تُدار بشكل صحيح.
وأكد أستاذ تغذية الحيوان، أن الهدف لا يجب أن يكون الوصول إلى أكبر رقم يومي لإنتاج اللبن، وإنما تحقيق إنتاج مستقر ومستدام اقتصاديًا يتناسب مع ظروف التربية المحلية وقدرة المربي على الاستمرار.
وأوضح محمد الجوهري، الخبير الزراعي، أن الاعتقاد بأن استبدال جاموسة تُنتج 7 كيلو بأخرى محسنة سيؤدي تلقائيًا إلى إنتاج 20 كيلو يوميًا ليس دقيقًا، لافتًا إلى أن التحسين الوراثي يرفع القدرة الإنتاجية، لكن الوصول لهذه الأرقام يرتبط بتوافر تغذية متوازنة وبرامج رعاية وإدارة جيدة.

عند نقص الاحتياجات الغذائية لا يظهر الفرق المتوقع
وأضاف “الجوهري” لـ”ليبرالي” أن السلالات المحسنة تمتلك قابلية أعلى لإنتاج اللبن، منوهًا بأنه في حالة عدم توفير الاحتياجات الغذائية والطاقة الكافية لا يظهر الفرق المتوقع، لاسيما مع صغار المربين، وتتعرض الحيوانات لضغوط صحية تؤثر على الإنتاج.
ووفقًا لإحصائيات صادرة عن وزارة الزراعة، يعتمد السوق المصري في إنتاج الألبان على صغار المربين، حيث يسهامون بـ 70% من إجمالي الإنتاج، في حين لا تتجاوز مساهمة المزارع الكبيرة والمنظمة والبالغ عددها قرابة الـ 250 مزرعة والتي تستخدم تكنولوجيات حديثة نسبة 30% من السوق.
وأشار الخبير الزراعي إلى أن المربي الصغير يحتاج دراسة جدوى قبل التوسع في السلالات المحسنة، لأن نجاح التجربة يعتمد على قدرة المزرعة على توفير البيئة المناسبة، وليس شراء الحيوان فقط.

الجاموسة المستوردة حجمها ضخم وتحتاج كميات “مرعبة” من الأعلاف
وعلى أرض الواقع، وفيما يخص المربين، يتحدث عنهم الحاج خالد الخولي، مستثمر زراعي، وصاحب مزرعة للإنتاج الحيواني، قائلًا:” الجاموسة المحلية بعد تحسينها وراثيًا وصلت معنا لإنتاج 28 كيلو لبن في اليوم، والميزة الكبرى في الجدوى المالية”.
وأضاف “الخولي” في تصريحه لـ”ليبرالي” أن تكلفة تغذية الجاموسة المحسنة تقل بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالمستوردة النقية، مرجعًا السبب لأن الجاموسة المستوردة حجمها ضخم وتحتاج كميات “مرعبة” من الأعلاف المركزة الغالية جدًا، بينما المحسنة تكتفي بعليقة متزنة وأقل تكلفة وتمنحك إنتاجًا مقاربًا.
مميزات المشروع لم تخلو من المعوقات والتخوفات، كما يسردها “الخولي”، منوهًا بأن الخطر الحقيقي في هذا المشروع يتمثل في اندفاع المربي، عبر شراء جاموسة عالية الإدرار دون أن يؤسس حظيرته بشكل قوي ويهيئها لاستقبال مولود “عجل” سيكون حجمه جينيًا أكبر من المعتاد، وفي هذه الحالة من الممكن أن يفقد الجاموسة الأم أثناء الولادة، إذا لم يكن لديه وعي طبي ومتابعة مستمرة من حين لأخر بحالة الجاموسة أثناء التربية أو قبل وبعد الولادة.





