أسامة غريب لـ”ليبرالي”: لا يسعدني وصفي بالكاتب الساخر.. والكتابة الصريحة خسرتني أصدقاءً وفرصًا للثراء

سفري لم يكن هروبًا بل “أكل عيش”.. والمجتمع أصبح أكثر استعدادًا لتصديق الدجالين من الاستماع للعقل

لم أكتب يومًا مديحًا لمسئول أو صاحب نفوذ.. والقارئ صدقني لأنني لم أبع له “البكش والأونطة”

أشعر أحيانًا بالندم لأنني أغضبت أنذالا ثم أقول”ملعون أبوهم”

مصطفى علوان

بجرأته المعهودة وقلمه الذي لا يعرف المواربة، يطل الكاتب والروائي أسامة غريب، في حوار خاص لـ”ليبرالي”، كاشفًا عن رؤيته للجدل الذي صاحب عددًا من مؤلفاته، وعلى رأسها كتاب “مصر ليست أمي دي مرات أبويا”، مؤكدًا أن هدفه لم يكن يومًا “جلد الذات” بقدر ما كان محاولة لإعادة تعريف معنى حب الوطن بعيدًا عن الشعارات والمبالغات.

كما يتحدث عن أحدث كتبه “زمن شمورت الدجال”، ويناقش أزمة الوعي والتدين الشكلي، ورؤيته لتراجع الخطاب العقلاني أمام صعود أصوات الدجل، إلى جانب حديثه عن تجربته الصحفية والروائية، واعتراضه على اختزال مسيرته في لقب “الكاتب الساخر”، مؤكدًا أن الصدق مع القارئ كان ولا يزال عنوان مشروعه الأدبي والفكري، وإلى نص الحوار:

واجهت هجومًا كبيرًا بسبب كتبك، واتُهمت بـ”جلد الذات”.. بعد كل هذه السنوات هل كنت تنتقد الوطن أم تكشف عيوب المجتمع؟
لا هذا ولا ذاك كنت أحاول إعادة ضبط بعض المفاهيم حول حب الوطن وعشق ترابه، و”يا حبيبتي يا مصر” إلى آخر المطولات والشعارات الوطنية التي لا تحوي في كل الأوقات حبًا حقيقيًا، بقدر ما تحوي “هيصة وزمبليطة” وإثارة غبار تتم تحت غيمته عمليات شفط خيرات الوطن، أنا بطبعي أكره المبالغة وأنفر من “الأونطة”، وأفضل أداء الواجب والعمل لخدمة الوطن بدلاً من الغناء له.

في كتابك الأحدث “زمن شمورت الدجال”، فتحت النار على الجمود الفكري والتدين الشكلي.. ألا تخشى أن يدفعك هذا الخط التنويري الصادم لمعركة جديدة مع التيارات المتشددة؟
لا أسعى إلى أي معارك لأن المجتمع غير مهيأ لهذا النوع الراقي من المواجهات الفكرية بين ذوي العقول، وإنما هو جاهز للصراخ والعويل وكيل الاتهامات دون فهم، فانهيار التعليم والجهل الشامل مع الضائقة الاقتصادية، كل هذا جعل صوت النصابين باسم الدين عاليًا وجعلهم يتصدرون المنصات.

وللأسف، الناس لا تقوى على فهم الكلام العقلاني مهما بلغت بساطته، ولكنها منفتحة تمامًا لاستقبال الهراء ممن يرتدي الزي الكهنوتي أو يُكثر من البسملة والحوقلة قبل أن يبث حديثه المعادي للغلابة، وهؤلاء الغلابة للأسف هم الظهير القوي لمن يهزأ بعقولهم ويحشوها بالأوهام عن حلاوة الفقر، وجمال الرضا بالظلم، وثواب الخانعين الساكتين عن حقوقهم وحرمة محاولة عدل الوضع المائل، لهذا لا أسعى لإثارة المعارك، ولكن أحاول تثبيت القلة من العقلاء التي تفهم ما أقول وتشاركني الخوف على هذا الوطن.

تنقلت بين عدة صحف كبرى مثل “المصري اليوم” و”الشروق” هل تجد الصحافة اليوم قادرة على استيعاب “سقف” كتاباتك الساخرة أم أن السخرية باتت حيزًا ضيقًا يصعب المناورة فيه؟
ليست المصري اليوم والشروق فقط، فقد شاركت بالكتابة في اليوم السابع والتحرير وأيضًا جريدة الوطن الكويتية التي كتبت فيها لمدة سبع سنوات قبل أن يتم إغلاقها، أما بالنسبة لموضوع الكتابة الساخرة فهذا الموضوع يثير دهشتي، لأنني في العمود الصحفي اليومي أو شبه اليومي أقدم مساهمات دائمة في الكتابة السياسية والتحليل الجيوسياسي وتناول الأوضاع في المنطقة والعالم، كما أقدم نوعًا من التأملات وأحياناً أكتب في موضوعات اجتماعية وثقافية وأدبية ورياضية، وفي معظم هذه الأعمدة تكون الكتابة بعيدة عن السخرية، كما أن رواياتي مثل “آه لو تدري بحالي” و”عازفة الكمان” و”همام وإيزابيلا” تخلو من السخرية، ربما رواية “حارة ودن القطة” هي التي يمكن القول أنها رواية ساخرة.

لهذا أنا أشعر أن كتاباتي مظلومة بفعل التجاهل النقدي للروايات والأعمال القصصية والتركيز فقط على فرع ضيق من إسهامي في الأدب هو الكتابة الساخرة، ولهذا فأنا لا يسعدني وصفي بالكاتب الساخر لأن هذا يشبه أن تصف أم كلثوم بالمونولوجست لأنها قدمت ذات يوم اسكتشات مثل “عن العشاق سألوني”، و”قل لي ولا تخبيش يا زين” وهذا ليس تقليلاً من شأن الأدب الساخر لكن المشكلة أنهم كثيرًا ما يضعون كتبي في المكتبات وسط كتب الإيفيهات والنكت والتهريج الرخيص، في حين أنني أتمنى وضعها بين الأدباء الساخرين، وأنا هنا لا أقصد محمود السعدني وأحمد رجب لكن أقصد يحيى حقي وعبد القادر المازني ومحمد عفيفي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، هؤلاء الذين جمعت كتاباتهم بين العمق والطرافة والفلسفة.

لطالما كنت ناقدًا للنخبة الثقافية وترى أنها معزولة برأيك، لماذا نجح أسامة غريب في الوصول للمواطن العادي بكتبه الساخرة بينما فشل مشروع التنوير التقليدي الذي قاده مثقفو الأبراج العاجية؟
مرة أخرى لم يصل أسامة غريب للقارئ بكتبه وأعماله الساخرة فقط، لكن إذا اعتبرناه قد وصل فقد فعل هذا بعشرين كتابًا وثلاثة آلاف مقال وعمود أغلبها تخلو من السخرية، وسبب القرب من القارئ أنه يصدقني، فأنا لم أمارس “البكش والأونطة” مع القراء ولم أبع لهم خلطة الحاج محمود، كما لم يضبطني أحد متلبسًا بكتابة المعلقات في مدح مسؤول أو صاحب نفوذ لأحظى برعايته وبنكنوته، وأيضًا لم أكرس المساحة المتاحة لي للتربح والفوز بالجوائز الأدبية والصحفية العربية التي لا يحصل عليها سوى من يضعون أنفسهم وأقلامهم في خدمة الشيخ فلان والأمير علان.

كتبت في أدب الرحلات بروح الساخر والمقارن بين الشرق والغرب هل كان السفر بالنسبة لك مجرد مادة للكتابة، أم محاولة للهروب المؤقت من واقع محلي أصابك بالإحباط في بعض الفترات؟
لم يكن السفر بالنسبة لي مجرد مادة للكتابة ولا كان محاولة للهروب من واقع محبط لقد سافرت لأنني عملت مديرًا لمصر للطيران في الكويت وفي كندا، كما عملت مديرًا للإعلام في أبو ظبي وقضيت 12 عامًا بالخارج، هذا لم يكن هروبًا ولا تجميع مادة للكتابة لكنه كان “أكل عيش”.

بين الرواية والمقال الساخر خضت معارك وخسرت ربما منصات أو أصدقاء بسبب صراحتك الحادة.. لو عاد بك الزمن هل هناك موقف أو معركة خضتها وشعرت لاحقًا أنك تسرعت فيها؟
نعم الكتابة الجادة والصريحة جعلتني أخسر أصدقاء وأخسر فرصًا لتحقيق الثراء، وفي الحقيقة لا أعرف إذا كانت كل هذه الصراحة ضرورية أم أن قدرًا من الالتواء كان يمكن أن يجنبني “وجع الدماغ”، عمومًا في بعض الأحيان أشعر بالندم على أنني أغضبت أنذالاً كام من الممكن أن يكونوا ذوي فائدة، لكني في الآخر أرجع وأقول “ملعون أبوهم”.