عصام شيحة في حوار شامل لـ”ليبرالي”: نحتاج فتح المجال العام.. والأحزاب تعاني من التفتت.. ولا توجد اتفاقيات دولية تلزم الدول بحقوق المثليين

رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان: التجربة الحزبية في مصر ما زالت تواجه تحديات ونطالب بالسماح باندماج الأحزاب

التوريث في الأحزاب يعبر عن ظاهرة عامة في المجتمع والشخص الوحيد الذي فشل في التوريث هو جمال مبارك.

106 أحزاب رقم كبير..  والفاعلة منها لا تتجاوز 15 حزبًا ودمجها ضرورة لزيادة فاعليتها

هناك بدائل للحبس الاحتياطي موجودة في القانون منذ 2006 ولابد من تفعيلها

أولويات حقوق الإنسان استكمال الحقوق الأساسية للمواطن من مأكل وتعليم وصحة قبل الانشغال بقضايا المثلية التي تحكمها أجندات جماعات الضغط

رسالة لرجال الأعمال ووزارة التضامن: المنظمات الحقوقية تحتاج دعماً وطنياً يغنيها عن انتظار التمويل الخارجي

كشفنا حقيقة اعتصام رابعة فخسرنا التمويل لكن المصلحة الوطنية تحكمنا وليس المانحون

فتح المحامي والحقوقي ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، عصام شيحة، عدداً من القضايا الشائكة المرتبطة بالملف الحقوقي في مصر، بدءاً من أوضاع منظمات المجتمع المدني والتشريعات المنظمة لعملها، مروراً بدور المجلس القومي لحقوق الإنسان، وصولاً إلى قضايا التمويل والتحديات التي تواجه العمل الحقوقي.

وتناول شيحة خلال حواره مع “ليبرالي”، الذي استعرض فيه تجربته على رأس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، باعتبارها واحدة من أقدم وأعرق المؤسسات العاملة في المجال الحقوقي منذ أكثر من أربعة عقود، رؤيته لواقع الحقوق والحريات في مصر، ومستقبل العمل الحقوقي، إلى جانب تقييمه للحياة السياسية والحزبية وعدد من الملفات العامة المطروحة على الساحة، و أبرز التحديات التي تواجه المجتمع المدني، ورؤيته للإصلاح السياسي والحقوقي، وما يعتبره أولويات المرحلة المقبلة.

وإلى نص الحوار:

قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان

كيف ترى مشروع تعديل قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان، وما أبرز الإصلاحات التي يستهدفها؟

دعنا نتفق أولًا على أن المجالس الوطنية لحقوق الإنسان حول العالم تنشأ وفقًا لمبادئ باريس، وقد حرصت الدولة المصرية على إنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان عام 2003وفقا لهذه المبادي، لكن خلال السنوات الأخيرة تعرض المجلس لانتقادات تتعلق بطريقة تشكيله، وآليات اختيار أعضائه، واختصاصاته، ومصادر تمويله، كما واجه محاولات للتأثير على تصنيفه الدولي الذي ظل محافظا عليه منذ عام 2004 عند التصنيف (A)، وهو أعلى تصنيف للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

لذلك تركز التعديلات المقترحة على توسيع صلاحيات المجلس وتعزيز استقلاليته. وقد شاركت، بصفتي رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، في إعداد مسودة مشروع القانون، وكنا نأمل أن يتبناه عدد من النواب المنتخبين، باعتبار أن  المجلس جهة رقابية تتابع حالة حقوق الإنسان، ومن الطبيعي أن يتمتع بالاستقلالية التي تمكنه من إبداء الملاحظات والمطالبة بالإصلاحات عند الحاجة.

كما يستهدف المشروع ترسيخ الشفافية في اختيار أعضاء المجلس من خلال وضع معايير واضحة تتيح الفرصة لكل من يمتلك الخبرة والكفاءة للانضمام إليه. ومن أبرز ما يقدمه مشروع القانون لأول مرة تحديد الجهات صاحبة الحق في الترشيح لعضوية المجلس بصورة معلنة، مع عرض السير الذاتية والخبرات الخاصة بالمرشحين أمام البرلمان، بما يتيح لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ الاختيار على أسس موضوعية وشفافة، ويعزز الثقة في تشكيل المجلس ودوره.

​ آليات اختيار أعضاء المجلس

​ وما هي الجهات التي ستشملها قائمة الترشيحات؟ هل ستضم النقابات ومنظمات المجتمع المدني؟

​ الطبيعي في كل الجهات هو وجود النقابات المهنية والنقابات العمالية، وأن يكون هناك نوع من العدالة في التوزيع بين الشباب، والمرأة، والشيوخ، وأن يكون هناك تنوع جيوجرافي (تمثيل للإقاليم). كذلك، يجب إدراج نوع من الكفاءات مثل أعضاء هيئة التدريس، مع المنظمات الحقوقية والمنظمات التنموية، لخلق “توليفة” تمثل الوطن في مجال حقوق الإنسان ولا تمثل الحكومة.

​وقد أضاف مشروع القانون جديدًا، وهو إشراك “اتحاد الجمعيات الأهلية” مساهمًا بالترشيح، بالإضافة إلى منظمات حقوق الإنسان، والنقابات المهنية والعمالية، وأعضاء هيئة التدريس. هذه التوليفة تضمن تشكيلًا كاملًا من المواطنين يمثلون قطاعًا عريضًا من المجتمع، وتكون لكل فئة تمثيل داخل المجلس القومي لحقوق الإنسان.

​ هل تعتقد أن هذا القانون يمثل بداية انطلاقة لمعالجة المآخذ التي كانت تثأر على الوضع الحقوقي في مصر في الفترة الماضية؟

​ السبب الرئيسي في ذلك كان مطلبًا لأعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان لتوزيع اختصاصاته. وفي نفس الوقت، عندما تعرضنا لخفض التصنيف في السنتين الماضيتين، كان من ضمن الأسباب أن المجلس لا يتمتع باستقلالية كاملة، ولا يملك معايير واضحة لاختيار أعضائه. لذلك حاولنا في مشروع القانون الحالي، أو حاول من يقدمونه، وضع كل الانتقادات التي وُجهت إلينا في الاعتبار، بشرط أن يتفق ذلك مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية والدستور المصري. وأنا أعتقد أن القراءة الأولية لمسودة مشروع القانون تشير إلى أنه مشروع جيد، ويحتاج فقط إلى ضبط الصياغة، وهذا من اختصاص مجلس النواب.

هل أغضبك خروجك من التشكيل الأخير للمجلس القومي لحقوق الإنسان رغم حضورك المؤثر؟

 دعنا نقول إن تغيير المواقع هو سنة من سنن الحياة، ومن يعمل بالعمل العام يتوقع هذا بصفة مستمرة. والحديث دائمًا والإجابة عن الأسئلة الشخصية يكون فيها نوع من الثقل قليلًا، لكن سأكون أمينًا معك؛ بالطبع أنا مستاء، لأن هذه ربما تكون المرة الأولى منذ نشأة المجلس في 2003 إلى اليوم التي تغيب فيها تمثيل “المنظمة المصرية لحقوق الإنسان” عن تشكيل المجلس، المنظمة فاعل رئيسي، وهي أقدم وأعرق منظمة معنية بحقوق الإنسان، وكل القيادات الموجودة على الساحة حاليًا هم أبناء المنظمة المصرية لحقوق الإنسان. حتى خصوم الدولة المصرية في الخارج في جنيف وفرنسا وأمريكا أغلبهم خريجو المنظمة. فكان من المستغرب أن تغيب المنظمة عن تشكيل المجلس، والموضوع ليس عصام شيحة شخصيًا، فالطبيعي أن من يمثل المنظمة ويتحدث باسمها هو رئيسها طبقًا لقانون الجمعيات.

​لكن ربما يكون مشروع القانون الحالي الذي يُقدم سيعالج هذه القصة، لأنه يتحدث عن الجهات صاحبة الاختصاص التي سترشح، وستكون الترشيحات معلنة. وإذا كنت مستاءً، فسأكون مستاءً من الجهة التي اختارت، لأن الوزن النسبي للمنظمة معروف في الداخل والخارج، ودورها في الأمم المتحدة معروف للكل؛ فنحن أقدم منظمة شريكة في الأمم المتحدة، وأقدم منظمة شريكة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، والمنظمة الوحيدة التي تصدر تقريرًا يوازي التقرير الدولي. هي بمثابة المنظمة الأم لحقوق الإنسان ولا خلاف على ذلك.

​​ لو لك رسالة عتاب توجهها للمجلس القومي في هذا الشأن، ماذا تقول؟

​عصام شيحة: لا، أنا لا أوجهها للمجلس لأن المجلس ليس هو من اختار، الزملاء الموجودون في المجلس أعضاء وكان من الممكن أن نكون معًا. لو سأوجه اللوم فسأوجهه للجهات التي اختارت ووضعت أصابعها في التشكيل؛ لأن هناك أوزانًا نسبية للناس. تختلف أو تتفق مع عصام شيحة، تقبله أو ترفضه، لكن في النهاية المنظمة المصرية أداة من أدوات القوى الناعمة للدولة المصرية، وهي محل مصداقية في الخارج ولها سمعة طيبة. مؤسسات الدولة المصرية عندما يأتيها ضيف من الخارج يريد معرفة حقيقة حالة حقوق الإنسان في مصر من مصدر موثوق، يقولون له: “اذهب إلى المنظمة المصرية لحقوق الإنسان”.

​أنا أملي أن ينجح المجلس، وأن يمر مشروع القانون، وربما مع إقرار مشروع القانون يحدث إعادة تشكيل، مثلما قد يحدث إعادة تشكيل في البرلمان بغرفتيه.

الحراك السياسي وملف حقوق الإنسان في مصر

هناك حديث متزايد حول العلاقة بين الحراك السياسي وملف حقوق الإنسان. هل ترى أن مصر بحاجة إلى مزيد من الانفتاح السياسي خلال المرحلة الحالية؟

 نعم، نحن بحاجة إلى فتح المجال العام وتمكين المواطنين من التعبير عن آرائهم بحرية، مع قدر أكبر من تقبل الرأي الآخر، خاصة أن نحو 60% من سكان مصر من الشباب المنفتحين على العالم ولديهم مصادر متنوعة للمعلومات.

وكيف تقيم تطور ملف حقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة؟

الدولة اتخذت خطوات مهمة منذ عام 2014، بداية من دستور 2014 الذي تضمن أكثر من 100 مادة متعلقة بالحقوق والحريات، إلى جانب المادة 93 التي جعلت الاتفاقيات الدولية التي تصدق عليها مصر جزءًا من القانون الوطني.

وفي عام 2018 تم تشكيل اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان برئاسة وزير الخارجية، وهو ما مثل نقلة مهمة في إدارة الملف. كما صدر قانون الجمعيات الأهلية رقم 149 لسنة 2019، الذي منح منظمات المجتمع المدني مساحة أكبر من الحرية مقارنة بالقانون السابق.

وماذا عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان؟

في عام 2021 أطلقت مصر أول استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان بإرادة وطنية خالصة، تضمنت ملفات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب حقوق الفئات الأولى بالرعاية. ونعمل حاليًا على إعداد الاستراتيجية الجديدة للفترة من 2026 إلى 2031، بما يعكس استمرار جهود تطوير الملف.

هل شهدت السنوات الأخيرة خطوات أخرى داعمة لحقوق الإنسان والمجتمع المدني؟

 نعم، ففي عام 2022 تم إعلان “عام المجتمع المدني”، تأكيدًا لدور المجتمع المدني كشريك رئيسي في التنمية،  وأتذكر أنني دُعيت في لقاء وكنت فيه بجانب السيد الرئيس مباشرة، تقديراً لدور المنظمة وللمجتمع المدني، وكانت رسالة للداخل والخارج بالتقدير. وفي نفس التوقيت، أعدت تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان بتشكيلة متنوعة شرفت بعضويتها، وكانت تمثل قطاعًا كبيرًا من المجتمع.

وكيف تنظر إلى التطورات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير ومنظومة العدالة؟

شهدنا تطورًا مهمًا مع تعديل قانون الإجراءات الجنائية وإقرار فلسفة جديدة يفترض بدء تطبيقها قريبًا. لكن التحدي الحقيقي يظل في التطبيق والممارسة أكثر من النصوص القانونية، لأن مصر تمتلك بالفعل تراثًا تشريعيًا ودستوريًا متقدمًا.

ونأمل خلال دور الانعقاد البرلماني المقبل في إجراء إصلاحات أوسع للمنظومة العقابية، تتضمن التوسع في العقوبات البديلة وتقليل الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية والحبس الاحتياطي.

وما البديل الذي تراه مناسبًا في بعض القضايا المرتبطة بالشباب وحرية التعبير؟

الأولوية يجب أن تكون للتوعية والتثقيف. فالكثير من الشباب يعبرون عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون إدراك كامل للتبعات القانونية. وفي بعض الحالات يمكن اللجوء إلى العقوبات البديلة، مثل أداء الخدمة العامة أو المشاركة في برامج التوعية، بدلًا من اللجوء إلى الحبس.

​فلسفة العقاب والبدائل في منظومة العدالة

​ معنى ذلك أنك تدعو إلى تغيير فلسفة العقوبة خاصة في القضايا المرتبطة بحرية الرأي والتعبير؟

​ بالضبط، انظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ قد تجد فناناً كبيراً أو سياسياً بارزاً يحكم عليه القاضي بالعمل لمدة 15 يوماً في تنظيف الشارع. هذا الإجراء يكسر “الغرور” لديه، وفي الوقت نفسه لا يضعه مع المجرمين. نحن بحاجة للحفاظ على شبابنا؛ لأن خروجهم من السجن في المجتمعات الشرقية أو المغلقة يجعل دمجهم صعباً للغاية، فيخرج الشاب ناقماً على المجتمع بسبب خطأ ارتكبه يتعلق بحرية الرأي. نعم هو أخطأ، لكننا نريد توازناً في العقاب، والاتجاه الحالي هو الحد من العقوبات السالبة للحرية.

​أمّا بخصوص الحبس الاحتياطي، فالقاعدة العامة تقول إن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، فلماذا نضعه مع المجرمين مباشرة؟ فتره المحاكمة يجب أن تُعامل كإجراء احترازي وليس كعقوبة.

​ بالحديث عن بدائل الحبس الاحتياطي ما هي البدائل الملموسة التي يمكن طرحها أمام المشرّع وصانع القرار؟

​ بدائل الحبس الاحتياطي موجودة في قانون الإجراءات الجنائية المصري منذ عام 2006، وما ننادي به اليوم هو “تطبيق” هذه المواد وليس اختراعها. البعض ظن أننا نطالب ببدائل جديدة، في حين أن البدائل الحالية تشمل، ​إلزام المتهم بعدم مبرحة مسكنه، ​عدم الخروج من مدينته، ​حظر السفر.، ​التدبير المشهور وهو إلزام المتهم بالتوثيق والدخول إلى قسم الشرطة في أوقات محددة.

​حظر التواصل مع أي طرف من أطراف القضية (سواء عبر واتساب أو فيسبوك أو غيرها)، سواء كانوا متهمين أو شهوداً.

​الجهة الإدارية كانت تبحث عن آلية لضمان عدم خروج المتهم من بيته، فُطرحت فكرة “الأساور الإلكترونية”، لكن تكلفتها العالية وارتباطها بأجهزة الاتصالات تجعل الجهة الإدارية غير مستعدة فنياً ومالياً لتطبيقها حالياً. ومع ذلك، يمكننا تفعيل البدائل الأخرى المتاحة.

ماهيأبعاد الأزمة المالية التي تمر بها المنظمة المصري لحقوق الإنسان وهل تدفع المنظمة ثمن مواقفها؟

​ أنا لا أغير آرائي لأني انطلق من أرضية وطنية، والمصلحة الوطنية هي ما يحكمني، ​المنظمة تعاني بالفعل من ندرة الموارد المالية لأسباب متعددة، لكن السبب الرئيسي يعود إلى التقرير الذي أعدته المنظمة حول أحداث “رابعة والنهضة”. التقرير كان مناصراً للاتفاقيات والمواثيق الدولية، وأكد أن تلك الاعتصامات كانت مسلحة ومخالفة للقوانين وتجور على حقوق المواطنين والسكان ومؤسسات الدولة وتستخدم عنفاً غير مبرر. بناءً على هذا التقرير، أوقفت الجهات المانحة دعمها للمنظمة؛ لأن تلك الجهات (بشكل مباشر أو غير مباشر) كانت تؤيد جماعة الإخوان المسلمين. لقد دفعنا ضريبة الحفاظ على الوطن وحقوق الإنسان.

​الأزمة بدأت تنفرج عندما شاركنا في إعداد القانون رقم 149 لسنة 2019، والذي أنشأ “صندوق دعم الجمعيات” لتنظيم الدعم القادم من الخارج أو الداخل عبر الصندوق لدعم المنظمات. وبالفعل حصلنا على مشروع مع وزارة التضامن الاجتماعي، لكن مع تغير القيادات والوزراء واختلاف السياسات، لم نتمكن من إكمال المشروع وتوقف التمويل.

​أوجه رسالة عبر “ليبرالي” لرجال الأعمال الشرفاء في مصر: الدور الاجتماعي والقطاع الخاص مهم جداً في دعم المنظمات الحقوقية والجمعيات. كما أناشد وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي بتفعيل الصندوق الذي أُنشئ خصيصاً لحمايتنا من الضغوط والأجندات الخارجية للمانحين. وإذا كان هناك خلاف مع شخصي، فأنا على أتم الاستعداد للتنحي وخروج من المنظمة تماماً مقابل استمرار دعمها وتمويلها.

​التمويل الأجنبي وأجندات المانحين

​هناك اتهام دائم بأن تمويل النشاط الحقوقي في مصر يخضع لأجندات الجهات المانحة الخارجية، مما يخلق حالة من الحذر لدى الدولة تجاه هذه المنظمات. كيف ترى ذلك؟

لا يمكنني إنكار أن بعض البرامج تكون موجهة أو تهدف لجمع معلومات في اتجاهات معينة، وهذه القضية طُرحت بقوة بعد عام 2013 في القضية المعروفة برقم 173 (قضية التمويل الأجنبي). لهذا السبب، كنا حريصين أثناء مناقشة قانون الجمعيات الأهلية على وضع بند “صندوق دعم الجمعيات” لضمان عدم الخضوع لأجندة الممول.

​ولك نكون منصفين، لا يجب التعميم؛ فليست كل الجهات المانحة تملك أجندات خبيثة. أغلب المساعدات تتوجه لملفات مقبولة مثل: دعم المرأة، الطفولة، ذوي الإعاقة، التنمية المستدامة، التعليم، والصحة. قضايا حقوق الإنسان هي جزء فرعي، ولكن نظراً لحساسيتها، تحاول بعض القوى الدولية استخدامها للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وتوجيه سياساتها، ونحن نرفض هذا الضغط.

 معلوم أن بعض الجهات المانحة (كالاتحاد الأوروبي وتحديداً ألمانيا) أوقفت تمويلات لمشروعات حقوقية في مصر؛ بسبب اشتراطها عدم الحديث عن الوضع الفلسطيني أو مهاجمة إسرائيل. هل هذا صحيح؟

​المعلومة صحيحة والأمر معلن. أزمتنا الحالية في مصر هي أننا عندما أصدرنا قانون الجمعيات الأهلية الجديد، طلبنا من الجميع توفيق أوضاعهم؛ فاستجابت 34 ألف جمعية، بينما رفضت 5 أو 6 جمعيات (عن عمد) تقنين أوضاعها. المفارقة أن هذه الجمعيات القليلة هي من تحصل على التمويلات الأكبر؛ لأنها لا تمر عبر قنوات الدولة الرسمية وترفض الخضوع للرقابة.

​ هناك اتهامات أن التمويلات الكبرى الآن تذهب للمنظمات التي تتبنى أجندات الحريات الشخصية، والقضايا الجندرية، وقضايا المثليين.. كيف تتعاملون مع هذا الواقع؟

​دعنا نصحح معلومة هامة للرأي العام وللجمعيات التي تدعي الدفاع عن “المثلية”: لا توجد أي اتفاقية دولية معنية بحقوق المثليين. ما يوجد هو مجرد قرارات وتوصيات تصدر في مؤتمرات، والدول غير ملزمة بها إلا إذا وقعت عليها وصادق عليها البرلمان ونُشرت في الجريدة الرسمية. مصر ملتزمة فقط بالاتفاقيات التي صدّقت عليها، وهذه التفاقيات لا يوجد فيها أي بنود تخص حقوق المثليين.

​أنا كحقوقي أرى أن ظروف بلدنا وثقافتنا وتاريخنا وأدياننا يجب أن تُحترم لنجبر الآخرين على احترامنا. نحن لم نحقق كل الحقوق الأساسية للإنسان بعد حتى ننشغل بملف “المثلية”. والدولة المصرية لا تتدخل في الخصوصيات، لكنها تتدخل عندما يخالف الأمر قانون العقوبات (تحت بند ممارسة الفجور أو السبي على سبيل الاعتياد، أو بمقابل، أو بدون تمييز). أما إذا تحول الأمر إلى محاولة لفرض هذا السلوك كأنه رأي عام أو رغبة شعبية، فهنا تتدخل الدولة وتُحيل القضايا للمحاكم تحت بند “الفسق والفجور”.

​هل ترى أن هذا التوجه والتمويل الضخم في هذا الاتجاه هو اتجاه تخريبي؟

​ الميثاق العالمي لحقوق الإنسان (الذي شاركت مصر في صياغته في ديسمبر 1948) يتحدث عن “الأسرة” المكونة من رجل وامرأة وأطفال، وهي سنة الحياة والأساس القانوني لحقوق الإنسان. لا يوجد شيء في القانون الدولي يشرعن “المثلية”؛ هي مجرد أجندات لمجموعات ضغط قوية تدعم بعضها بعضاً.

​في مصر، مجتمعنا متدين بالفطرة (حتى لو كان التدين شكلياً في بعض الأحيان)، والدولة تتدخل بحسم لحماية المجتمع، مثلما حدث في تشديد العقوبات وأحكام الإعدام ضد جرائم التحرش بالأطفال لحماية النشئ. نحن نرحب بالعمل الحقوقي الذي يبني المجتمع ويحترم خصوصيته الثقافية، ونرفض أي تمويل يهدف إلى هدم قيم الأسرة.

واقع التجربة الحزبية في مصر وتحديات الانتخابات الداخلية

للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان دور كبير في مراقبة الانتخابات الحزبية. من خلال خبرتكم، كيف تقيمون واقع الانتخابات الحزبية والحياة الداخلية للأحزاب خلال السنوات الأخيرة؟

 أستطيع القول إن التجربة الحزبية في مصر لا تزال تواجه العديد من التحديات. فعلى الرغم من انطلاق التعددية الحزبية مع تجربة المنابر عام 1976 وصدور قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977، فإن الأحزاب لم تتمكن، على مدار هذه العقود، من لعب دور مؤثر في الوصول إلى السلطة أو تداولها بالشكل المتعارف عليه في النظم الديمقراطية.

الأصل في العمل الحزبي أن تتبنى الأحزاب رؤى وبرامج مختلفة وتسعى إلى إقناع المواطنين بها من أجل الوصول إلى السلطة وتطبيقها. لكننا نلاحظ اليوم أن معظم الأحزاب تقدم نفسها باعتبارها أحزاباً داعمة للدولة، وهو أمر لا يتعارض مع الوطنية، إلا أن المطلوب هو وجود تمايز حقيقي في البرامج والسياسات والرؤى بين الأحزاب المختلفة.

وكيف تقيمون سير الانتخابات الداخلية داخل الأحزاب خلال الفترة الأخيرة؟

بصورة عامة، مرت معظم الانتخابات الحزبية التي تابعناها بهدوء ومن دون مشكلات تذكر، لكن ذلك يعود في كثير من الأحيان إلى وجود تفاهمات وتوافقات مسبقة بين الأطراف المتنافسة (تربيطات)، وهذا مرتبط بشكل كبير بالطفرة العددية في الأحزاب، حيث أن المشهد الحزبي شهد توسعاً عددياً كبيراً بعد عام 2011، وتحديداً عقب أحداث 2011 و2013، حيث ارتفع عدد الأحزاب من عدد محدود إلى أكثر من مائة حزب سياسي. إلا أن الواقع يؤكد أن عدد الأحزاب الفاعلة والمؤثرة فعلياً لا يتجاوز 10 أو 15 حزباً، وهي الأحزاب التي تمتلك حضوراً وتمثيلاً برلمانياً حقيقياً.

أما الانتخابات التي راقبتها المنظمة، فقد جرت وفق إجراءات تنظيمية واضحة، وشهدت حضور الجمعيات العمومية وإجراءات التصويت والفرز بصورة طبيعية، ولم ترصد خلالها أعمال عنف أو تجاوزات مؤثرة.

ما الذي يدفع الأحزاب إلى الاستعانة بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان لمراقبة انتخاباتها الداخلية؟

 يعود ذلك إلى ما تتمتع به المنظمة من خبرة طويلة ومصداقية وثقة في تقاريرها الرقابية. فنحن نتعامل مع جميع الأحزاب بمهنية كاملة، بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع توجهاتها أو قياداتها.

ونحن نؤمن بأن اتساع المجال العام ووجود أحزاب قوية وفاعلة يصب في مصلحة الدولة والمجتمع. كما أن الأحزاب لا ينبغي أن تتردد في إعلان سعيها للوصول إلى السلطة عبر برامج ورؤى واضحة. فهناك فارق بين دعم الدولة المصرية باعتبارها وطناً للجميع، وبين تأييد سياسات الحكومة، وهو ما يجب أن ينعكس على التنافس الحزبي المشروع.

 لكن هناك من يرى أن برامج الأحزاب أصبحت متشابهة إلى حد كبير، كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة؟

 للأسف، كثير من البرامج الحزبية تبدو متشابهة إلى حد كبير، وكأنها نُقلت من بعضها البعض. وعند مراجعة هذه البرامج نجد أن الفروق بينها محدودة للغاية.

في المقابل، يفترض أن تكون هناك تيارات سياسية واضحة المعالم؛ كالتيار الليبرالي، والقومي، والاشتراكي، والإسلامي، وغيرها من المدارس السياسية المعروفة. لكن ما نشهده حالياً هو حالة من التداخل تجعل التمييز بين العديد من الأحزاب أمراً صعباً.

في الماضي كانت الخريطة السياسية أكثر وضوحاً؛ فكان لكل تيار حزب أو أكثر يعبر عنه بوضوح. أما اليوم، فإن وجود أكثر من مائة حزب لا يعكس بالضرورة حالة من التعددية الصحية، بل قد يؤدي إلى تفتيت الحياة الحزبية وإضعافها.

ومن هنا نرى ضرورة تعديل قانون الأحزاب السياسية بما يسمح ليس فقط بالتحالفات الانتخابية، وإنما أيضاً بعمليات الاندماج الحزبي، بما يسهم في تكوين أحزاب أكبر وأكثر قدرة على المنافسة والتأثير في الحياة السياسية.

 ظاهرة التوريث في الأحزاب

 إذا كنا نتحدث عن الاندماج الحزبي، فهناك سؤال يطرح نفسه دائماً: هل تعاني الأحزاب السياسية في مصر من ظاهرة التوريث؟

 التوريث ليس ظاهرة قاصرة على الأحزاب السياسية فقط، بل هو موجود في مختلف المجالات. فالطبيب يتمنى أن يصبح ابنه طبيباً، والمحامي يرغب في أن يسير ابنه على خطاه، وكذلك القاضي وغيرهم. وبالتالي فإن فكرة انتقال الاهتمام بالمهنة أو المجال من الآباء إلى الأبناء موجودة في المجتمع بشكل عام، وربما يكون الشخص الوحيد الذي فشل في عملية التوريث هو جمال مبارك.

ما الرسالة التي تود توجيهها إلى الدولة والأحزاب السياسية بشأن تطوير الحياة الحزبية في مصر؟

 أعتقد أن التحدي الأكبر يتمثل في أن عدداً كبيراً من الأحزاب لا يحظى بحضور واضح لدى الرأي العام. وحتى خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، كان المشهد يقتصر على عدد محدود من الأحزاب، بينما دخلت أحزاب أخرى في تحالفات واسعة جعلت الناخب أحياناً غير قادر على التمييز بين التوجهات السياسية المختلفة.

لذلك فإن الدولة مطالبة بدعم الأحزاب السياسية وتمكينها من أداء دورها بصورة أكثر فاعلية، بما يساعدها على الاستقلال عن تأثيرات رأس المال وأصحاب المصالح الخاصة.

وكيف يمكن تحقيق هذا الدعم من وجهة نظرك؟

هناك تجارب عديدة في العالم تقوم على تقديم دعم مالي للأحزاب التي تحقق تمثيلاً برلمانياً معيناً أو تتجاوز نسباً محددة من الأصوات. هذه الآلية تسهم في تقوية الأحزاب الجادة وتشجع الكيانات الصغيرة على الاندماج وتكوين تكتلات أكبر وأكثر تأثيراً.

كما أن توفير مصادر تمويل مشروعة وواضحة للأحزاب يساعدها على صياغة برامجها وسياساتها وفقاً للمصلحة الوطنية، بعيداً عن الضغوط المرتبطة بمصالح الممولين أو أصحاب النفوذ الاقتصادي.

وما المعايير التي يجب أن تحكم اختيار القيادات التنفيذية والنيابية في رأيك؟

الأهم هو وجود معايير واضحة ومعلنة لاختيار المسؤولين. فعندما يعرف المواطنون الأسس التي يتم على أساسها الاختيار، تتعزز الثقة في المؤسسات وفي الأشخاص الذين يتولون المسؤولية.

كما أن وضوح المعايير يحقق قدراً أكبر من العدالة وتكافؤ الفرص، ويجعل الجميع يدرك أن الوصول إلى المواقع القيادية يتم وفق ضوابط موضوعية، وليس بناء على اعتبارات غير معلنة.

 رسالتك الأخيرة أو النصيحة التي توجهها للتنفيذيين داخل الدولة؛ كيف يتعاملون مع الملف الحقوقي؟

رئيس تحرير موقع “ليبرالي” عبدالحفيظ سعد ومسؤول الملف السياسي أحمد عبدالجليل مع المحامي عصام شيحة

​ نمرة واحد؛ يجب على مؤسسات الدولة أن تدرك أن منظومة حقوق الإنسان وقضاياها والتوعية بها هي قضية وطنية من الطراز الأول وليست مرتبطة بأجندة أجنبية أو تدخل خارجي. نحن كمصريين راغبون في تحسين حالة حقوق الإنسان. لدينا وحدات في كل المحافظات معنية بحقوق الإنسان، وإدارات في الوزارات، ومكاتب في أقسام الشرطة، ونحن نريد تفعيل ذلك بشكل جدي عبر التوعية وبناء القدرات.

​يجب على الموظف أن يعلم أنه موجود لخدمة المواطن ومنحه حقه، سواء في الصحة، التعليم، المرور، أو أي خدمة أخرى. نحن مجموعة نخدم بعضنا البعض؛ موظف المرور يخدمه موظف الكهرباء، وموظف الكهرباء يخدمه موظف الصحة، وهكذا. فلا يصح أن تكون في مكان وتصادر على حقي في التنقل، أو السفر، أو العلاج على نفقة الدولة، أو التعليم. كما تُدين تُدان، والدائرة تدور وتعود إليك في مكان آخر. أملي أن تؤمن كل مؤسسات الدولة بمنظومة حقوق الإنسان، وأن تدرج في برامج التعليم، وقد نجحنا في وضع كتاب موحد في التعليم قبل الجامعي والجامعي، ونحاول الآن وضع قواعد أساسية لنربي الأجيال الجديدة على ثقافة واحترام حقوق الإنسان.

 بصفتك وفدياً، والوفد حزب عريق؛ كيف ترى الوضع الحالي داخل حزب الوفد؟ وهل يؤهله للعودة مجدداً كـ “بيت الأمة”؟ وكيف ترى عودة الدكتور السيد البدوي لرئاسة الحزب مرة أخرى؟

​ الوفد يمتلك تاريخاً كبيراً وعظيماً قائماً على أسس ما زالت مستمرة حتى الآن، وهي التحرر من الاحتلال (سواء الداخلي أو الخارجي)، وبناء حياة نيابية سليمة. الوفد يتمتع بمصداقية كبيرة لدى قطاع واسع في المجتمع، والآمال معقودة على أن يمارس الحزب دوره.

​في هذه اللحظة، الوفد لا يمارس دوره كحزب كبير، بل ارتضى بالمساحة المخصصة له، ففقد الكثير من مؤيديه ومناصريه. إذا عاد الوفد لتراثه وتاريخه وأعلن سياساته بشكل واضح أمام الرأي العام ونافس بشكل جدي على الوصول إلى السلطة، فأعتقد أنه يستعيد دوره. وباستعادة الوفد لدوره، تستعيد الأحزاب السياسية كلها دورها. أما عن الجمعية العمومية، فهي من تختار رئيس الحزب في النهاية.