
بينما يتصاعد الجدل حول التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، يعود إلى الواجهة اسم رجل لم يكن سياسيًا أو اقتصاديًا بالمعنى التقليدي، لكنه رسم ملامح واحدة من أهم منظومات الحماية الاجتماعية في تاريخ مصر، إنه الدكتور كمال رمزي استينو، عالم الوراثة النباتية الذي انتقل من المعامل إلى وزارة التموين، ليبتكر “بطاقة التموين” ويؤسس منظومة استمرت لأكثر من ستة عقود، ولا تزال حتى اليوم محورًا للنقاش حول مستقبل الدعم.
في أحد أدراج البيوت المصرية، كانت هناك دائمًا ورقة خضراء صغيرة تُحفظ بعناية لا تقل عن شهادات الميلاد أو عقود الملكية. لم تكن مجرد بطاقة، بل كانت جواز مرور للحصول على احتياجات الأسرة من السكر والزيت والأرز والدقيق بأسعار مدعومة، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة، لكن هذه البطاقة التي ارتبطت بحياة ملايين المصريين لم تولد صدفة، بل كانت نتاج رؤية علمية لرجل جاء إلى وزارة التموين من عالم البحث العلمي.

ولد الدكتور كمال رمزي استينو بمدينة المنصورة في 10 يوليو 1910، داخل أسرة عُرفت بالعلم والهندسة، وكان والده، المهندس رمزي بك استينو، أول مهندس ري مصري يتولى الإشراف على منظومة الري المصرية خلال فترة الاحتلال البريطاني.
اختار استينو طريق العلم، فسافر إلى الولايات المتحدة، وحصل على بكالوريوس الزراعة من جامعة كاليفورنيا في ديفيس، ثم نال الدكتوراه في الوراثة النباتية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وعمل باحثًا بوزارة الزراعة الأمريكية قبل أن يعود إلى مصر أستاذًا بكلية الزراعة، حيث عُرف بكفاءته العلمية وإسهاماته في تطوير البحوث الزراعية.
وفي نهاية خمسينيات القرن الماضي، كانت مصر تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، مع تزايد السكان، واتساع دور الدولة في توفير السلع الأساسية، والحاجة إلى نظام يضمن العدالة في توزيع الغذاء ويحد من الاحتكار.
في تلك الأجواء، لفت استينو أنظار الرئيس جمال عبد الناصر، الذي استعان به مستشارًا لوزارة التموين عام 1960، قبل أن يسند إليه حقيبة التموين، ليصبح واحدًا من أطول وزراء التموين بقاءً في المنصب.

لم ينظر استينو إلى التموين باعتباره مجرد توزيع للسلع، بل اعتبره قضية أمن قومي وإدارة علمية للغذاء. ومن هنا جاءت فكرته التي غيرت علاقة الدولة بالمواطن، تسجيل الأسر في قاعدة بيانات، وربط كل أسرة ببطاقة رسمية (بطاقة التموين) تتيح لها الحصول على احتياجاتها الأساسية بصورة منتظمة وعادلة، وهكذا وُلدت بطاقة التموين بشكلها الحديث، لتصبح واحدة من أهم أدوات الحماية الاجتماعية في مصر.

لكن استينو لم يكتفِ بإصدار البطاقة، بل أدرك أن نجاحها يتطلب وجود شبكة توزيع قوية، فأسس الجمعيات الاستهلاكية ومنافذ بيع حكومية امتدت إلى المدن والقرى، لتوفير السلع المدعومة، والحد من الاحتكار، وضمان استقرار الأسواق.
ولأول مرة، أصبحت الدولة تمتلك منظومة متكاملة لحصر الأسر المستفيدة من الدعم، وتحديد حصصها، ومتابعة توزيع السلع، وهو ما أعتبر وقتها نقلة نوعية في الإدارة الحكومية.

وخلال العقود التالية، تغير شكل البطاقة من الورقية إلى الممغنطة، ثم إلى البطاقة الذكية المرتبطة بقواعد البيانات الإلكترونية، لكن جوهر الفكرة ظل ثابتًا، ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
وعلى الرغم من أن اسم كمال استينو ارتبط ببطاقة التموين، فإن إسهاماته تجاوزت ذلك بكثير. فقد كان من أبرز علماء الوراثة النباتية في مصر، وأسهم في تطوير البحوث الزراعية، وتولى لاحقًا رئاسة مركز البحوث الزراعية، كما أصبح أول مدير عام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية، وظل يؤمن بأن الأمن الغذائي يبدأ من الحقل قبل أن يصل إلى منافذ البيع.
واليوم، وبعد أكثر من ستين عامًا على ميلاد بطاقة التموين، تقف مصر أمام مرحلة جديدة مع طرح فكرة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، في محاولة لتطوير منظومة الدعم وضمان وصوله بصورة أكثر كفاءة، وبينما تتغير الأدوات وتختلف الآليات، يبقى السؤال مطروحًا: هل تطوي مصر صفحة بدأت مع كمال استينو، أم أن فلسفة الرجل ستستمر في ثوب جديد يتناسب مع متغيرات الاقتصاد الحديث؟

ومهما كانت الإجابة، يبقى الثابت أن بطاقة التموين لم تكن مجرد مستند حكومي، بل كانت مشروعًا اجتماعيًا متكاملًا غير شكل العلاقة بين الدولة والمواطن فيها وقتها، وكتب اسم كمال استينو في تاريخ السياسات الاجتماعية باعتباره الرجل الذي وضع الأساس لمنظومة دعم على مدار أكثر من ستين عاماً، حتى تغير الحكومة الحالية هذه الاستراتيجية في التي كانت تعتمد على الدعم العيني متمثلة في سلع، لتتحول إلى دعما نقدياً




