“كتر خيرهم بس زودوا الأكل شوية”.. “ليبرالي” يخترق طابور المحروسة ويرصد كواليس وجبات الـ 100 جنيه

تمر الأيام شاهدة على مكافحة الملايين لتوفير المعيشة لهم ولأسرهم، تزامنًا مع الظروف الاقتصادية العصيبة حاليًا، إلا أن باب التكافل الاجتماعي لم يغب رغم الظروف الاقتصادية، وكان طوق نجاة لجبر خاطر البسطاء، عبر مبادرة مطعم المحروسة لتوفير وجبات بالمجان.

ويتواجد مطعم المحروسة في قلب القاهرة النابض بمنطقة رمسيس، والمطعم يُعد رسالة تؤكد على أن “مصر لسة بخير”، وأن التراحم هو السلاح الأقوى في مواجهة أعباء الحياة، وفي “المحروسة” لا يحتاج البسيط إلى إخراج محفظته، بل يكفيه أن يدخل مبتسمًا ليجد كرامته مصونة في طبق طعام طُبخ بحب، وقُدم باحترام يليق بإنسانيته.

تجربة البسطاء لتناول الطعام داخل أروقة المحروسة رصدتها “ليبرالي”، متضمنة فرحتهم تارة وملاحظاتهم تارة أخرى، ومع حلول الساعة الثامنة مساءً، كان الموعد المخصص لتناول وجبة العشاء، حيث تراص المواطنون أمام البوابة الخارجية للمطعم الذي يشبه فيلا صغيرة.

تخصيص مكان للسيدات لتناول وجباتهن
وسرعان ما بدأ أحد الأفراد في توزيع “بونات” متضمنة أرقام، وبدأ في إدخال المواطنين سريعًا إلى داخل المطعم، وكان محرر “ليبرالي” ضمن المواطنين، وما إن دخل المواطنون كان هناك طابور أخر لكنه طويل ويضم قرابة الـ 60 فرد خلف أسوار المطعم مباشرة، والكل يقف خلف الأخر في انتظام ويحمل في يده “البون” الخاص به.

وكان من اللافت، تخصيص مكان للسيدات لتناول وجباتهن، فضلا عن دخول كبار السن والمرضى مباشرة، دون الانتطار والوقوف في الطابور، مع تقديم اعتذار مهذب من المسؤولين عن تنظيم الطابور، بتعمدهم استثناء كبار السن والمرضى من الوقوف في الطابور، ويرتدي المنظمون تشيرتات سوداء مكتوب على خفلية التشيرت “حراس المحروسة”.

بعد 10 دقائق تقريبًا من الانتظار، بدأ إدخال قرابة منتصف العدد إلى بهو المطعم والمخصص لتناول “الرجال” للطعام، وكل فرد يُسلم “البون” ويدخل لتناول الوجبة، ومع الدخول لبهو المطعم يكون المواطن مع طابور أخر للحصول على 2 رغيف عيش والتنقل بعدها مباشرة للحصول على “سرفيس” الطعام المعدني، وتضمن سرفيس العشاء قدرًا قليلًا نسبيًا من “العدس” وقطع من “الخس والكابوتشي”.

كتر خيرهم..”بس عاوزين الأكل يزيد شوية”
وبعد ذلك يتوجه الأفراد لتناول وجباتهم ، ويضم بهو المطعم عدد 2 مائدة طعام كبيرة، كل واحدة تكفي لاستيعاب 20 فرد، بخلاف تواجد عدد 2 مائدة طعام صغيرة.

ومع تناول المواطنين الطعام، دار حديث بين بعضهم البعض، وكانت “ليبرالي” حاضرة، حيث بادر أحدهم بالسؤال عن موعد الوجبات، ورد من كان في محيطه، بإن المطعم يُقدم وجبات إفطار وغداء وعشاء، والإفطار من الساعة  صباحًا 10 للساعة 12 ظهرًا، وقاطعه أحد الأفراد بأنه حضر في تمام الساعة 10.30 صباحًا، إلا أنه فوجىء بانتهاء وجبة الإفطار، قائلًا:” والله جيت بعد نص ساعة بس.. قالولي الفطار خلص”.

ثناء وشكر على فكرة المطعم – حتى وإن كان الطعام قليل- إلا ان الفكرة تحتاج الشكر، هذا ما عبر عنه اثنين من المتواجدين على مائدة الطعام، وقال إحدهم ” كتر خيرهم على أنهم بيوفروا أكل ببلاش للغلابة.. والحمد لله”..ورد أحدهم وترتسم الضحكة على وجه” بس عاوزين يزودا الأكل شوية”.

“دجاج وكشري” في الغداء..و”عدس” في العشاء
وعن طبيعة الطعام، قال أحد الأشخاص أثناء تناول وجبة العشاء، ويعمل في محل مواتير مياه بشارع الجمهورية، ومعتاد على تناول الوجبات في مطعم المحروسة، إن وجبات الإفطار، تتنوع ما بين “فول “أساسي” وبيضة..وممكن قطعة جبنة أو قطعة مربى”، أما وجبة الغداء، تتنوع ما بين “أرز أو مكرونة مع قطعة فراخ أو لحمة أو “برجر”، بالإضافة إلى أنواع من الخضار المطبوخ.

وفيما يخص وجبة العشاء، تتشابه مع وجبات الإفطار، إلا أن وجبات العشاء ممكن تزداد في التنوع إذا ما قورنت بوجبة الفطار، مثل اليوم على سبيل المثال، حيث كانت وجبة العشاء تضم “عدس” والإفطار لا يتضمن العدس، ومع الانتهاء من تناول الوجبة، لابد من تسليم السرفيس المعدني قبل الخروج من المطعم لأحد الموظفين المسؤول عن تسلم السرفيس قبل الخروج من المطعم.

وقبل الخروج التقينا أحد المنظمين للحديث عن مواعيد الوجبات، وقال إن المطعم يُقدم ثلاثة وجبات، الأولى: وجبة الإفطار من الساعة الـ 10 صباحًا وحتى الساعة الساعة 12 ظهرًا، وتتضمن الوجبة” بيض وفول وجبنة أو مربى، بخلاف العيش طبعًا”.

المحروسة يُقدم 4 آلاف وجبة يوميًا..وتكلفة الوجبة 100 جنيه
أما فيما يخص وجبة الغداء، فموعدها من الساعة 3 إلى الساعة 6 مساءً، وتضمن الوجبة ” أرز أو مكرونة مع تقديم قطعة لحمة أو قطعة فراخ، مع إمكانية تقديم خضار مطبوخ متنوع على حسب النوع المتاح في اليوم، كما أن بعض الأيام تشهد تقديم كشري في وجبة الغداء”، ووجبة العشاء، تبدأ من الساعة الـ 7.30 مساءً حتى الـ 10، وتتضمن جزء كبير مشابه لوجبة الإفطار.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور أحمد عبد الرحمن، رئيس الإدارة المركزية للحماية الاجتماعية، ووكيل وزارة التضامن الاجتماعي، إن مطعم المحروسة تختص به وزارة التضامن من حيث التشغيل والتمويل.

وأضاف عبدالرحمن في تصريح لـ”ليبرالي”، أن مطعم المحروسة في رمسيس يُقدم حاليًا 4 آلاف وجبة يوميًا ما بين “فطار وغداء وعشاء”، منوهًا بأن متوسط تكلفة الوجبة 100 جنيه، لاسيما وجبة الغداء، والتي ترتفع قيمتها المالية مقارنة بالوجبتين الأخرتين.

الوجبات ليست قليلة.. وتُقدم وفقًا لأحدث أنظمة التغذية العالمية
وبسؤاله عن شكوى بعض البسطاء من المترددين على مطعم المحروسة، بأن كميات الطعام” قليلة”، عقب وكيل وزارة التضامن الاجتماعي، بأن” الوجبات في مطعم المحروسة ليست قليلة.. إلا أنها تُقدم وفقًا لأحدث أنظمة التغذية العالمية ويعتمد على السعرات الحرارية لكل وجبة وما يحتاجه المواطن من كل وجبة”.

بدورها، أكدت وزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة مايا مرسي، على أن مطعم “المحروسة” بمنطقة رمسيس يأتي في إطار مبادرة “مطابخ المحروسة” التي أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعي في يناير من العام الماضي، بهدف توفير وجبات غذائية يومية مطهية بجودة عالية من خلال مطابخ مركزية موزعة على مستوى الجمهورية، وتتعاون فيها مع وزارة الأوقاف والتي تسهم من خلال مواردها الدعوية والمجتمعية في دعم المبادرات التنموية.

توفير وجبات غذائية يومية للأسر الأولى بالرعاية
وتعمل المبادرة على توفير وجبات غذائية يومية للأسر الأولى بالرعاية، مع إتاحة فرص عمل للمرأة المعيلة داخل المطابخ، فضلا عن تعزيز التكافل المجتمعي عبر شراكات مؤسسية فاعلة بين أجهزة الدولة والمجتمع المدني.

وأشارت “مرسي” إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي، وبالتعاون مع صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية، أطلقت مسابقة “أهل الخير” سواء في المرحلة الأولى لاختيار حملات الإطعام الأكثر تأثيرًا، والمرحلة الثانية التي تستمر حتى ليلة رمضان المقبل، داعية جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والمبادرات للمشاركة عبر الموقع الرسمي للمسابقة.

ومن جانبه، أكد محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، أن المحافظة تولي اهتمامًا كبيرًا بمبادرات الإطعام وخدمة الأسر الأولى بالرعاية تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بدعم الأسر وتحسين مستوى معيشتها وتوسيع قاعدة التكافل الاجتماعي للوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين من تلك الأسر بالتعاون مع كافة جهات الدولة والمجتمع المدنى.

الإطعام ليس مجرد “عمل خيري”.. بل “صمام أمان اجتماعي”
وأضاف محافظ القاهرة، أن مبادرة مطبخ المحروسة تمثل روح التضامن والتعاون المصري ، مثمنًا التعاون المستمر مع وزارت التضامن الاجتماعي، والتنمية المحلية، والأوقاف في تعزيز التكافل الاجتماعي، وتحقيق العدالة للمواطنين.

وعلى الصعيد الاجتعاعي، قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، إن إطعام الطعام في مصر ليس مجرد “عمل خيري” أو سد جوع، بل هو “صمام أمان اجتماعي”، لافتة إلى أن  المجتمع المصري بطبعه مجتمع “تراحمي” وليس “تعاقدي”؛،بمعنى أن الناس تشعر بمسؤولية أخلاقية ودينية تجاه بعضها.

وأضافت “خضر” في تصريح لـ”ليبرالي”، أن:” مبادرات الإطعام مثل مطعم المحروسة في رمسيس لتقديم الوجبات بالمجان وغيره، تُخفف من حدة “الفوارق الطبقية” وتمنع شعور الفئات الأكثر احتياجًا بالعزلة أو الحقد الاجتماعي، لأنهم بيشعروا أن المجتمع لسة فاكرهم، لاسيما وإن كان على المستوى الحكومي والرسمي، وتساعد على سد ثغرات اقتصادية واضحة وتعزز من شبكة أمان موازية لجهود الدولة”.

وأشارت أستاذ علم الاجتماع إلى أن:” الثقافة المصرية، تتضمن قدسية العيش والملح، ومبادرات الإطعام تُجمع الناس على ترابيزة واحدة، ما يخلق نوع من التضامن العضوي إللي بيقرب المسافات الإنسانية بين طبقات المجتمع”، منوهة بأنه سابقًا كان الموضوع مقتصر على “العطف الفردي”، أما حاليًا الفكرة تطورت لمؤسسات مجتمع مدني.