
ثورة يناير كانت نتاجًا طبيعيًا لتراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة
الثلاثون من يونيو لم تعد تمثل اليوم عاملًا مؤثرًا.. والثالث من يوليو هو الإطار الحاكم
الحديث عن “يناير” و”يونيو” كأنهما معسكران متقابلان لم يعد مفيدًا
جبهة الإنقاذ لم تكن تحالفًا سياسيًا عابرًا.. بل تجسيدًا حقيقيًا للوحدة الوطنية
من لم يكن اشتراكيًا في سن العشرين فلا قلب له.. ومن ظل اشتراكيًا بعد سن الأربعين فلا عقل له
أدعو إلى مصالحة وطنية شاملة وصادقة وأعتبرها المدخل الحقيقي لبناء جبهة وطنية متماسكة
أطالب بالإفراج عن جميع المحبوسين في قضايا الرأي والتعبير السلمي وفتح المجال العام أمام حرية الفكر والعمل الحزبي
مصر لا تحتاج إلى تعديل الدستور ولكن بحاجة ماسة إلى تغيير حكومي
حسن القباني
أؤمن بأن مصر بلد محفوظ بعناية الله.. هكذا قال الدكتور أحمد البرعي في حديثه إلى “ليبرالي”، الذي كان بمثابة نافذةٍ تطل بعين الخبير المتمرس على حقبة لها خصوصيتها من تاريخ مصر الحديث، ووبوصفه باحثًا وسياسيا وأكاديميا ومسئولًا، ارتبط بتاريخ ممتد لهذا الوطن، ورسخ في ضميره هذا اليقين.
وفي هذا الحوار الشامل، يقدم الوزير الأسبق في حكومتي الدكتور عصام شرف والدكتور حازم الببلاوي، وأستاذ التشريعات الاجتماعية والخبير الدولي، شهادته على أبرز أحداث المرحلة الممتدة منذ عام 2011، ورؤيته للإصلاح السياسي والتشريعي، ومستقبل البرلمان والحكومة والدولة المصرية، ومطالب الموالاة بتعديل الدستور.
كما قدم البرعي تشيخصه للحاضر، وتصوره للمستقبل من أجل عبور مصر أزمتها الراهنة، قوامه المصالحة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وسياسات اقتصادية أكثر وضوحًا واستدامة.
ويمكنكم متابعة الحوار بالفيديو عبر بودكاست ساسة ونواب على “ليبرالي”.
الأوضاع المصرية
كيف ترى مصر اليوم؟ وأين تقف في هذه اللحظة؟
يصعب تقديم إجابة قاطعة عن هذا السؤال؛ فمصر مرت، منذ القرن العشرين وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة ومتلاحقة، جعلت من الصعب إصدار أحكام نهائية على واقعها الراهن أو التنبؤ بمسارها المستقبلي بدقة.
ومع ذلك، أؤمن بأن مصر بلد محفوظ بعناية الله. فعلى الرغم من مشاركتي عن قرب في عدد من المحطات الوطنية، فإنني أرى أن قدرة هذا البلد على تجاوز الأزمات المتلاحقة أمر يدعو إلى التأمل. فمن يقرأ تاريخ مصر الحديث يدرك أن دولًا كثيرة ما كانت لتصمد أمام حجم التحولات التي مرت بها مصر خلال العقود الماضية.
لكن صمود الدولة لا يعني غياب المشكلات؛ فقد أدى تغير السياسات الاقتصادية والسياسية وتذبذبها عبر سنوات طويلة إلى تراكم أزمات معقدة لن يكون تجاوزها أمرًا يسيرًا.
ورغم ذلك، تظل أكبر نقاط قوة مصر هي شعبها. فكثير من أصدقائي الأجانب الذين يزورون البلاد يعبرون دائمًا عن إعجابهم بطيبة المصريين وبساطتهم وحسن استقبالهم، وهو ما يجعلني أعتقد أن هذا الشعب يستحق أوضاعًا أفضل بكثير مما يعيشها اليوم.
عنق الزجاجة
هناك من يرى أن مصر تمر اليوم بعنق زجاجة اقتصادي واجتماعي. كيف تقرأ هذه المرحلة؟
أرى أن الأولوية الأولى تكمن في تبني سياسة اقتصادية واضحة ومستقرة، لأن غياب الاستقرار في التوجهات الاقتصادية كان أحد الأسباب الرئيسية لما نواجهه اليوم.
وقد تناولت هذه القضية في كتابي الأخير “تطور التشريعات الاجتماعية في مصر بين السياسة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية”، حيث حاولت تتبع العلاقة الوثيقة بين التشريعات والتحولات الاقتصادية والسياسية.
ولفهم الأزمة الحالية، ينبغي العودة إلى التاريخ، وتحديدًا إلى ما بعد ثورة يوليو 1952.
قبل عام 1952 كانت مصر تعرف نظامًا حزبيًا حقيقيًا؛ إذ كانت الأغلبية البرلمانية هي التي تشكل الحكومة، بينما كان الملك يسود ولا يحكم، وهو ما وضع البلاد على مسار ديمقراطي واضح.
أما اقتصاديًا، فقد كانت مصر تُصنف بين الدول المرشحة للتحول إلى قوة صناعية كبرى، مستندة إلى تجارب ناجحة مثل بنك مصر وصناعات غزل المحلة وغيرها.
واستمر الاقتصاد الحر حتى أوائل الستينيات، قبل أن تؤدي أزمة تمويل السد العالي ورفض البنك الدولي تمويله إلى التحول نحو الاتحاد السوفيتي، وما تبع ذلك من تبني الاقتصاد الموجه والحزب الواحد وإلغاء التعددية السياسية.
ومع تولي الرئيس أنور السادات الحكم، اتجهت الدولة إلى اقتصاد السوق، لتبدأ مرحلة امتزجت فيها سياسات الاقتصاد الموجه باقتصاد السوق، قبل أن تتجه في عهد الرئيس حسني مبارك إلى تطبيق برامج الخصخصة والالتزام بسياسات البنك الدولي.
ولم تقتصر هذه التحولات على الاقتصاد وحده، بل امتدت إلى البنية السياسية أيضًا؛ إذ أعاد الرئيس السادات نظام المنابر السياسية، الذي تطور لاحقًا إلى نظام الأحزاب في عهد الرئيس مبارك.
غياب الهوية الاقتصادية
تقصد أن مصر غيرت هويتها الاقتصادية والسياسية أربع مرات خلال أربعين عامًا؟
نعم. فمنذ عام 1952 وحتى عام 1992 تبدلت التوجهات الاقتصادية والسياسية أكثر من مرة، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا حدث منذ عام 1992 وحتى اليوم؟
في تقديري، عانت مصر خلال هذه الفترة من غياب رؤية اقتصادية وسياسية واضحة، فلم يعد للدولة مشروع اقتصادي محدد أو هوية مستقرة يمكن البناء عليها.
الاستثناء الوحيد الذي منحني قدرًا من التفاؤل كان خلال مشاركتي في حكومة الدكتور حازم الببلاوي بعد الثلاثين من يونيو.
فقد كان الدكتور الببلاوي يمتلك تصورًا اقتصاديًا واضحًا، شاركه في صياغته الدكتور زياد بهاء الدين والدكتور أحمد جلال، وقام على مبدأ بسيط: أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في الصحة والتعليم، مع ضمان جودتهما ومجانيتهما، بينما يقود القطاع الخاص النشاط الاقتصادي والاستثماري باعتباره المحرك الرئيسي للنمو.
هناك من يرى أنك تراجعت عن قناعاتك الاشتراكية القديمة. كيف ترد؟
هذا غير صحيح. جيلنا الذي نشأ في الجامعات خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر كان يتبنى الفكر الاشتراكي إلى حد بعيد، لكن الإنسان لا ينبغي أن يظل أسير فكرة واحدة طوال حياته من دون مراجعة وتجديد في ضوء التجربة والواقع.
وقد تغيرت رؤيتي عندما سافرت إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه. وأتذكر هنا مقولة أستاذنا الراحل الدكتور جابر جاد عبد الرحمن، الذي كان يرى أن الباحث ينبغي أن يطّلع على مختلف المدارس الفكرية والاقتصادية حتى تتسع رؤيته ولا يقع في أسر نموذج واحد.
وفي هذا السياق، حضرت محاكمة لطلاب شاركوا في أحداث مايو 1968 بفرنسا، فقال محاميهم عبارة لا أنساها: “من لم يكن اشتراكيًا في سن العشرين فلا قلب له، ومن ظل اشتراكيًا بعد سن الأربعين فلا عقل له”.
هذه العبارة تلخص فكرتي؛ فالسياسات لا تُبنى على الجمود العقائدي، بل على ما يناسب ظروف المجتمع واحتياجاته. ولهذا أرى اليوم أن الأزمة الاجتماعية التي تعيشها مصر لا تقل خطورة عن الأزمة الاقتصادية، بل هي في جانب كبير منها نتيجة لها.
ثورة 25 يناير ومسؤولية الأزمة
هناك من يحمل ثورة يناير مسؤولية ما وصلت إليه مصر. هل توافق؟
لا أوافق إطلاقًا. فالأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت تتراكم منذ عقود طويلة قبل عام 2011. صحيح أن شعارات الثورة كانت سياسية في ظاهرها، لكنها كانت تعكس أيضًا غضبًا اجتماعيًا عميقًا بسبب غياب العدالة وتفشي الفساد وتجميل الواقع.
وعندما راجعت تطور التشريعات الاجتماعية في مصر، وجدت كمًا هائلًا من القوانين والقرارات المتناقضة التي تراكمت عبر السنوات. لذلك أقول إن ثورة يناير لم تصنع الأزمة، بل كانت تعبيرًا عن أزمة كانت موجودة بالفعل.

في تقديري، كانت ثورة يناير محاولة لاستعادة الحياة النيابية الحقيقية، وإقامة برلمان منتخب بحرية يعبر عن إرادة الناس.
لكن المشكلة أن الدولة، منذ عام 1952، كرست لدى كثير من المواطنين شعورًا بأن أصواتهم لا تؤثر. وأنا شخصيًا لم أشارك في الانتخابات إلا مرة واحدة، لأنني كنت أعتقد أن النتيجة محسومة سلفًا.
الدول التي تنجح سياسيًا هي التي تمتلك أحزابًا حقيقية تشعر بمسؤوليتها أمام الناخبين، وهذا ما افتقدناه بعد إلغاء الأحزاب وتجريف المؤسسات الوسيطة، وفي مقدمتها النقابات المهنية والعمالية.
العلاقة بين يناير و30 يونيو
هل قضت 30 يونيو على مكاسب يناير؟
لا أرى ذلك. أغلب القوى المدنية التي شاركت في يناير خرجت أيضًا في 30 يونيو وهي متمسكة بالمبادئ نفسها التي رفعتها في الثورة الأولى.
كنا نعتقد آنذاك أن البلاد تتجه إلى طريق مسدود، وأن هناك حاجة إلى تصحيح المسار. قد يختلف الناس في تقييم ما حدث، لكنني لا أرى أن المشاركة في 30 يونيو كانت انقلابًا على مطالب يناير.

الخلاف بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين لم يبدأ عام 2013، بل هو خلاف تاريخي ممتد منذ عقود.
وشخصيًا لم أكن مؤيدًا لوصول الإخوان إلى الحكم، لكنني في الوقت نفسه كنت أتمنى تجنب الصدام العنيف ومحاولة الحفاظ على وحدة المجتمع. أما تحميل طرف واحد كامل المسؤولية عما جرى فمسألة أكثر تعقيدًا من أن تُحسم بحكم قاطع.
جبهة الإنقاذ الوطني
كيف تقيم تجربة جبهة الإنقاذ؟
أرى أنها كانت تجربة مهمة للغاية؛ لأنها جمعت للمرة الأولى معظم أطياف التيار المدني على طاولة واحدة.
ضمت الجبهة شخصيات كبيرة مثل منير فخري عبد النور، وعبد الغفار شكر، وجورج إسحاق، وغيرهم من الرموز الوطنية. وكانت الخلافات داخلها حادة أحيانًا، لكن شخصيات مثل عمرو موسى ومحمد البرادعي لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على تماسكها.
لذلك لا أعتبر جبهة الإنقاذ مجرد تحالف عابر، بل تجربة حقيقية للوحدة الوطنية المدنية.
ماذا بقي من 30 يونيو؟
في رأيي، كانت 30 يونيو هبة شعبية لإنهاء حكم الإخوان. لكن الحديث اليوم عن “يناير” و”يونيو” كأنهما معسكران متقابلان لم يعد مفيدًا.
المشكلة الأساسية أصبحت في السياسات التي أُديرت بها الدولة بعد ذلك، وخاصة السياسات الاقتصادية التي فشلت، في تقديري، في بناء مسار تنموي مستدام، وهو ما ساهم في الوصول إلى الأزمة الاقتصادية الحالية.
هل أصبح 3 يوليو هو التاريخ الحاكم؟
نعم، أعتقد أن الترتيبات التي تأسست بعد الثالث من يوليو 2013 هي التي شكلت الإطار الحاكم للمرحلة الحالية، أكثر من تأثير شعارات أو مطالب يناير ويونيو.
البعض يزعم أن التيار المدني نار “جزاء سنمار”.. ما ردك؟
لا أحب هذا التعبير، لكن ما أستطيع قوله إن القوى المدنية التي راهنت على التغيير الديمقراطي لم تنجح حتى الآن في تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها في يناير.
كواليس تولي الحقائب الوزارية
دعنا نتطرق إلى تجربة رموز وقوى 25 من يناير في سدة الحكم.. أود معرفة كيف جاء اختيارك للحكومة؟ وما هو ردك على مقولة إن رجال يناير بمختلف مشاربهم أخفقوا في اختبار السلطة والحكم ؟
فيما يتعلق بكيفية وصولي إلى سدة الوزارة، فإنني أرى ذلك مسارًا طبيعيًا وتتويجًا لمسيرتي المهنية والأكاديمية الطويلة؛ فقد كنت أول معيد يتم تعيينه في قسم “التشريعات الاجتماعية” عند تأسيسه بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وتدرجت في هذا التخصص الدقيق والحيوي حتى نلت درجة الأستاذية الكاملة (Full Professor). ومن هنا، جاء اختياري انطلاقًا من تخصصي العلمي وخبرتي الطويلة، وليس كترقية سياسية عابرة. ودعني أروي لك واقعة تاريخية جرت معي تعكس هذا المسار.
خلال فترة دراستي في بعثتي الأكاديمية بفرنسا، كان موضوع رسالتي للدكتوراه يتمحور حول “دور النقابات العمالية بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي”. وقبل موعد مناقشة الرسالة بنحو ستة أشهر، زار باريس أستاذنا الراحل الدكتور جابر جاد عبد الرحمن، رئيس جامعة القاهرة وعميد حقوق القاهرة الأسبق، وكعادته عند زيارة فرنسا كان يستدعيني لأرافقه بسيارتي لقضاء بعض المهام. وخلال غدائنا معًا، سألني باهتمام: “ماذا كتبت عن تجربة مصر في رسالتك يا أحمد؟” فأجبته بصدق: “في الواقع يا دكتور، لم أتناول التجربة المصرية في أطروحتي؛ بل ركزت على دراسة النموذج السوفيتي كممثل للنظام الاشتراكي، والنموذج الفرنسي كممثل للنظام الغربي الليبرالي”.
وحينها، بادرني بعتاب شديد وأبوي قائلًا: “وكيف لا تكتب شيئًا عن مصر؟ ألست هنا في هذه البعثة ممولًا من أموال الشعب المصري الكادح والغلابة لتدرس وتعود بفائدة لوطنك؟ كيف تبخل عليهم بجهدك العلمي وتغفل دراسة واقعهم؟” لقد تركت هذه الكلمات العميقة أثرًا بالغًا ونقشًا لا يُمحى في وجداني، وكانت هي الدافع الأساسي الذي جعلني أذرع حياتي المهنية والأكاديمية بالكامل لمعالجة قضايا العمل وحقوق العمال والتنظيم النقابي في مصر.
ومن هنا جاء اختياري لملء منصب وزير القوى العاملة والهجرة في أول تشكيل حكومي تشهده مصر عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011. وجاء هذا الترشيح من قِبل أستاذي الجليل الراحل الدكتور يحيى الجمل، نائب رئيس الوزراء آنذاك؛ فرغم كونه أستاذًا للقانون العام، إلا أنه كان يتابع كل خطوة في مسيرتي العلمية وكان داعمًا ومؤمنًا برؤيتي لإصلاح تشريعات العمل.
وعندما توليت الحقيبة الوزارية، كان هدفي واضحًا ومحددًا في ملفين رئيسيين دافعت عنهما طويلًا في أبحاثي ودراساتي: الأول هو “الحريات النقابية” وإلغاء القانون الجائر رقم 35 لسنة 1976 الذي ظل جاثمًا على صدور الحركة العمالية لعقود طوال ولم يتغير حتى صدر القانون الجديد في عام 2018؛ إذ كنت أسعى لتطبيق الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر والخاصة بحرية التنظيم النقابي. والملف الثاني هو إقرار نظام عادل لـ “الحد الأدنى للأجور”. وتضاف إلى هذين الملفين معركة ثالثة بالغة الخطورة، وهي قضية “أموال التأمينات والمعاشات” التي تم دمجها بوزارة المالية في عهد الوزير الأسبق يوسف بطرس غالي، والتي خضنا من أجل استردادها معارك قضائية ودستورية كبرى.
حكومة الببلاوي وقضية المعاشات
بعد حكومة الدكتور عصام شرف القصيرة، جاءت حكومة انتقالية بالغة الأهمية والدقة بقيادة الدكتور حازم الببلاوي وسط صخب وجدل سياسي عارم. ماكواليس انضمامك؟
انضمامي لحكومة الدكتور الببلاوي جاء بطريقة بالغة الغرابة والمفارقة. فقد كتبت مقالاً تحليلياً في جريدة الأهرام انتقدت فيه بشدة تبديد أموال التأمينات الاجتماعية وسوء إدارتها. وكان الدكتور الببلاوي وقتها يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير المالية في حكومة سابقة. إثر هذا المقال، نشبت بيننا مشادة كلامية وخلاف فكري حاد جدًا حول هذا الملف، وتدخلت أطراف متعددة فيه.
والمفارقة أنه عندما كُلف الدكتور الببلاوي بتشكيل حكومته لاحقًا، وبدلاً من إقصائي بسبب الخلاف القديم، اتصل بي عارضًا عليّ تولي المسؤولية. وكنت حينها أرغب في العودة لوزارة القوى العاملة، ولكنه بادرني بالقول: “لقد انتقدت بشدة ملف التأمينات الاجتماعية وكتبت عنه بمرارة؛ لذا أريدك أن تتبنى وتتولى وزارة التضامن الاجتماعي لتشرف بنفسك على إصلاح هذا الملف واسترداد أموال المعاشات”.
وكان هذا هو السبب الأساسي وراء قبولي المهمة وتحمل المسؤولية بذهنية “صاحب المشروع” وليس مجرد موظف تنفيذي أو وزير تقليدي. لقد كان قراري بالانضمام للوزارة في ذلك المنعطف التاريخي قرارًا سياسيًا بالدرجة الأولى قبل أن يكون قرارًا اجتماعيًا أو مهنيًا؛ فقد كنت مؤمنًا تمامًا وما زال الواقع المعاصر في مصر يثبت صحة هذه الرؤية بأن “القضية الاجتماعية” بجميع أبعادها وتأثيراتها قد غدت القضية المصيرية والأكثر خطورة وأهمية في مستقبل مصر، ولا يمكن حل الأزمات السياسية أو الاقتصادية دون إرساء أسس متينة للعدالة الاجتماعية وضمان حقوق الفئات الأكثر احتياجًا والعمال وأصحاب المعاشات.
تقييم دور البرادعي
كيف تقيم دور الدكتور محمد البرادعي؟ وكيف تنظر إلى استقالته ؟
كنت قريبًا من الدكتور محمد البرادعي خلال تلك المرحلة، خاصة أثناء حكومة الدكتور عصام شرف، ولذلك أستطيع القول إنه لم يكن يسعى إلى منصب أو سلطة منذ عودته إلى مصر.
كان يحمل تصورًا وطنيًا يقوم على استعادة الاستقرار، بالتوازي مع بناء دولة تحترم القانون وتتبنى إصلاحًا اقتصاديًا واجتماعيًا حقيقيًا.
وأذكر أنه، فور عودته إلى مصر، رفض أي مظاهر رسمية للاستقبال، واستقل سيارة أجرة إلى منزله، في رسالة تعكس شخصيته وأسلوبه.
لكن تطورات الأحداث تجاوزت ما كان يتوقعه. فقد كان يسعى إلى التوصل لتسوية سياسية تقوم على تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة، إلا أن الأحداث اتجهت إلى مسار مختلف انتهى بمواجهة دامية، وهو ما دفعه إلى تقديم استقالته.
أما تقييم قراره، فهو في النهاية تقدير شخصي يعود إليه وحده، لكن لا أخفي أن رحيله أضعف القوى المدنية كثيرًا؛ لأن أي تجمع سياسي يحتاج إلى شخصية تحظى بقدر من القبول والقدرة على إدارة الخلافات، وكان البرادعي يؤدي هذا الدور بدرجة كبيرة.

أسباب تعثر القوى المدنية في الحكم
هناك اتهام صريح يوجه لكم، كرموز وقوى مدنية داعمة لمشروع يناير، بأنكم قدمتم تجربة في إدارة الدولة والحكومة اتسمت بالفشل وعدم الفاعلية. ما تعليقك؟
تعليقي الصريح هو أن نجاح هذه التجارب الحكومية آنذاك كان أمرًا شبه مستحيل نظير الظروف الموضوعية الحاكمة للمشهد. فقد كانت البلاد تعيش حالة من الاستقطاب الحاد والنزاع السياسي المحموم بين مختلف التيارات والقوى السياسية المتصارعة على السلطة وتوجيه هوية الدولة.
علاوة على ذلك، فإن الحكومات التي شاركنا فيها كانت حكومات انتقالية مؤقتة لم تُمكَّن فعليًا من أدوات وأجهزة الدولة العميقة بالشكل الكافي والمطلوب لتطبيق برامجها الإصلاحية ورؤيتها الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة على أرض الواقع.
أبناء المؤسسات الرسمية
في هذا السياق، يرى البعض أن “إدارة الدولة” ينبغي أن تقتصر حصريًا على أبناء المؤسسات الرسمية للدولة؛ في حين ينحصر دور القوى المدنية والمعارضة في الوجود داخل البرلمان أو المشاركة المحدودة والرمزية كحد أقصى لقدراتها. ما هو تعليقك على هذا الطرح؟
أرى أن هذه المقولة الشائعة هي فرضية نظرية لم تُختبر اختبارًا حقيقيًا وعادلًا في ظل ظروف ديمقراطية مستقرة؛ وبالتالي لا يمكن قبولها كحقيقة مطلقة.
وأود الإشارة هنا إلى تجربة حكومة الدكتور حازم الببلاوي؛ فلو أتيح لهذه الحكومة الوقت الكافي والمستقر للعمل والتمكين، لكانت قادرة على إحداث تحولات وتغييرات هيكلية كبرى وإيجابية للغاية في مسار الدولة الاقتصادي والاجتماعي. ولكن، وللأسف الشديد، لم تمنح الحكومة الوقت الكافي لإتمام مشروعها؛ نظرًا لصدور قرار سياسي مفاجئ يطلب من الدكتور الببلاوي تقديم استقالة حكومته بالكامل، وهو ما أجهض تلك التجربة الواعدة في مهدها.
عمرو موسى وجبهة الإنقاذ
تذكره كثيرًا..كيف تقيم دور المرشح الرئاسي الأسبق عمرو موسى في هذه الفترة؟
أرى أن عمرو موسى من أبرز الشخصيات السياسية في مصر المعاصرة، ويتمتع بقدرة كبيرة على إدارة التوافقات وبناء الجسور بين المختلفين.
ورغم وجود تباينات في الرؤى بينه وبين الدكتور البرادعي خلال بعض مراحل عمل جبهة الإنقاذ، فإنه أدى دورًا مهمًا في الحفاظ على تماسكها.
كما أرى أن رئاسته للجنة الخمسين لإعداد دستور 2014 كانت تجربة ناجحة، وأعتبر دستور 2014 من أفضل الدساتير التي عرفتها مصر الحديثة، ولا ينافسه في قيمته، من وجهة نظري، سوى دستور 1923.
دستور 2014
بالحديث عنه.. هل ترى أن دستور 2014 يُطبق على أرض الواقع؟
بعيدًا عن القوانين التي لم تصدر حتى الآن، أرى أن القضية الأهم تتمثل في عدم الالتزام ببعض النصوص الدستورية ذاتها.
فعندما قرأت مشروع الدستور، استوقفني النص الذي ألزم الدولة بتخصيص نسب محددة من الناتج القومي للإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي.
وقد اعتبرت هذا النص من أهم ما جاء في الدستور، لأنه يربط التنمية بالاستثمار في الإنسان.
لكن الواقع يشير إلى أن هذه الالتزامات لم تُنفذ بالصورة التي نص عليها الدستور.
وبصراحة، لا أجد مبررًا قانونيًا أو سياسيًا لتجاوز نصوص دستورية جرى التوافق عليها. فالدستور هو العقد الأعلى الذي يجب أن تلتزم به جميع مؤسسات الدولة.
تعديل الدستور
يُثار الحديث حاليًا من قِبل بعض الأعضاء داخل البرلمان بمجلسيه (الشيوخ والنواب) حول أهمية إجراء تعديلات دستورية جديدة. ما هو موقفك الدقيق مما يُثار في هذا الشأن؟
لا، لسنا بحاجة إطلاقًا إلى تعديل الدستور مجددًا. إن الأولوية القصوى والمسار الأصح ليس البحث عن تعديلات جديدة، بل السعي الجاد والمخلص لتفعيل واحترام النصوص الدستورية القائمة بالفعل والتي توافق عليها المجتمع وصوت لصالحها.
تغيير الحكومة
هل ترى أننا بحاجة فعليًا إلى إجراء تعديل على الحكومة الحالية؟
نعم، قولاً واحداً وبلا تردد، نحن بحاجة إلى تغيير وتعديل هذه الحكومة.
الحكومة القائمة، وعلى الرغم من ضمها لبعض الشخصيات الجيدة والمحترمة التي لا يمكنني إنكار كفاءتها الفردية، إلا أنها تعاني من ثغرات واضحة وفجوات عميقة في أدائها وتشكيلها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه أثناء مشاورات تشكيل هذه الحكومة، بادرت جهات وشخصيات عديدة بالتنبيه والتحذير من مغبة اختيار بعض الأسماء لشغل حقائب وزارية بعينها، ومنها وزارة الثقافة ووزارات أخرى أيضاً؛ إذ لا يتناسب تولي هؤلاء الوزراء لهذه المناصب مع دقة وصعوبة المواقف الراهنة والتحديات البالغة التي تواجهها مصر في الوقت الحالي، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الصعيد السياسي كذلك.
تقييم البرلمان
نذهب إلى أداء البرلمان.. كيف رأيته خلال السنوات الأخيرة؟
سأقول رأيًا قد يراه البعض قاسيًا، لكنه يعبر عن قناعتي.
كلما تابعت أداء البرلمان، تذكرت مشاهد مجلس الأمة بعد هزيمة يونيو 1967، حين كان بعض النواب يوافقون على كل ما يُعرض عليهم من دون نقاش حقيقي. وللأسف، أرى أن هذه الصورة تتكرر اليوم.
فالبرلمان، في تقديري، لم يمارس دوره التشريعي والرقابي بالصورة التي يفترضها الدستور، وهو ما أضعف مكانة المؤسسة التشريعية.
أولويات التشريع
ما أهم القوانين التي يحتاجها البرلمان؟
في رأيي، هناك ثلاثة ملفات تشريعية تحتل الأولوية.
أولًا: قانون التأمينات الاجتماعية
هذا الملف ما زال يعاني آثار القرارات التي أدت إلى ضم أموال صناديق التأمينات إلى الخزانة العامة.
ولا يكفي الحديث عن رد الأموال، بل لا بد من وجود دراسات اكتوارية مستقلة تضمن قدرة النظام على الوفاء بالتزاماته مستقبلًا.
وعندما عُرض عليّ مشروع القانون قبل صدوره، طالبت بإجراء دراسة اكتوارية شاملة.
أما رفع سن التقاعد إلى الخامسة والستين، فلا أراه وحده حلًا للمشكلة، لأن الأزمة أعمق من ذلك.
ثانيًا: الحد الأدنى للأجور
الحد الأدنى للأجور يمثل خط الدفاع الأول عن الفئات الأكثر احتياجًا.
وأدرك أن أصحاب الأعمال يواجهون ظروفًا اقتصادية صعبة، لكن العامل هو الطرف الأضعف، ومن ثم فإن حماية قدرته على العيش الكريم مسؤولية لا يجوز التخلي عنها.
ثالثًا: قانون العمل
أتمنى أن يصدر قانون عمل متوازن ينظم علاقات العمل الفردية والجماعية معًا.
فالنقابات ليست خصمًا لأصحاب الأعمال، وإنما شريك في تحقيق الاستقرار داخل المنشآت، والمفاوضة الجماعية، عندما تُمارس بصورة صحيحة، تحقق مصلحة جميع الأطراف.
وللأسف، ما زال هذا الجانب شبه غائب عن التطبيق في مصر، رغم أهميته الكبيرة.
أوضاع العامل المصري
بحكم عملك في منظمة العمل الدولية وخبراتك.. كيف تقيم أوضاع العامل المصري اليوم؟
يتميز العامل المصري، تاريخيًا، بالصبر والقدرة على التحمّل، كما أن ثقافته وتكوينه الاجتماعي يجعلان اللجوء إلى الإضرابات الواسعة أقل شيوعًا مقارنة بما يحدث في كثير من الدول الصناعية.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن هذا يعني غياب الاحتقان.
فالحراك الذي سبق ثورة يناير لم يكن سياسيًا فقط، بل سبقه حراك عمالي واسع في مواقع صناعية كبرى، مثل غزل المحلة وكفر الدوار، وكان مؤشرًا واضحًا على وجود أزمة اجتماعية متفاقمة.
وأتذكر أنني شاركت في زيارة إلى عمال شركة غزل المحلة خلال إحدى موجات الاحتجاج، برفقة إحدى الشخصيات العامة، لمحاولة احتواء الأزمة.
وفي طريق العودة قلت له:”إذا كنا ننجح في احتواء كل احتجاج على حدة، فماذا سيحدث إذا اندلعت الاحتجاجات في عدة مواقع صناعية في الوقت نفسه؟”
لكن الرد كان أن السياسات القائمة لن تتغير، وأعتقد أن هذا كان أحد المؤشرات التي سبقت انفجار الأوضاع لاحقًا.
العامل المصري قد يقبل بالقليل، لكن هذا القليل يجب ألا يقل عن الحد الأدنى الذي يضمن حياة كريمة.ولهذا أتحفظ على الطريقة التي يُحدد بها الحد الأدنى للأجور.
فالرقم في حد ذاته لا يكفي، إذا كانت الاستقطاعات المختلفة تؤدي إلى انخفاض الدخل الفعلي بصورة كبيرة.
ومن وجهة نظري، ينبغي أن يستند تحديد الحد الأدنى للأجور إلى ما يعرف بـ«سلة المستهلك»، أي التكلفة الحقيقية لمعيشة أسرة متوسطة، بما يشمل الغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، والسكن، والمواصلات، مع قدر معقول من الترفيه.
هذا هو الأساس العلمي الذي تُبنى عليه سياسات الأجور، وليس مجرد إعلان أرقام لا تعكس الواقع المعيشي.
مستقبل مصر
في الختام.. إلى أين تمضي مصر؟
أعتقد أن مصر تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتجاوز أزمتها الحالية، لكن ذلك يتطلب اتخاذ مجموعة من الخطوات الأساسية.

أولًا: مصالحة وطنية شاملة
أرى أن المصالحة الوطنية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها، لأنها السبيل إلى تخفيف الاحتقان الداخلي وبناء جبهة وطنية أكثر تماسكًا.
وأعتقد أن البداية الطبيعية لهذا المسار تتمثل في الإفراج عن جميع المحبوسين في قضايا الرأي والتعبير السلمي، وفتح المجال العام أمام حرية الرأي، والعمل الحزبي، والمشاركة السياسية.
ثانيًا: جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية أولوية
لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام من دون عدالة اجتماعية. فالاستقرار الاقتصادي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الاجتماعي، وهو ما يفرض على الدولة الاهتمام بالطبقات الوسطى والأقل دخلًا، وضمان حقوقها الأساسية.
ثالثًا: إعادة ترتيب أولويات الإنفاق
في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، أرى ضرورة إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام. فالمشروعات التي لا تحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا يمكن تأجيلها إلى حين تحسن الأوضاع، بينما ينبغي توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة، لأنها الأكثر قدرة على زيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، وتوفير العملة الأجنبية.
كما أن استمرار الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتمويل مشروعات لا تحقق عائدًا سريعًا يثير، في تقديري، قدرًا كبيرًا من القلق بشأن الاستدامة المالية.
ولهذا أرى أن من الضروري وجود خطة اقتصادية واضحة، تُصارح المواطنين بحقيقة التحديات، وتوضح كيفية التعامل معها خلال السنوات المقبلة.






