
اشتهر الملحن والموسيقار الكبير، محمود الشريف، صاحب أول أوبرا مصرية، بتقديم الأغاني الوطنية التي حفرت مكانها في وجدان المصريين، ومن أشهرها نشيد “الله أكبر”، حيث بدأ مشواره الفني وهو في الخامسة عشرة من عمره، وقدم نحو 800 لحن من الموسيقى الشرقية الأصيلة، قبل أن يرحل في مثل هذا اليوم، 29 يوليو عام 1990.
وُلد الموسيقار محمود الشريف عام 1912 بمدينة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، وتربى في حي باكوس بالإسكندرية، درس العود وهو في الثانية عشرة من عمره، وعشق الموسيقى منذ الصغر، وبدأ ممارسة هواية الغناء والتلحين في السهرات الخاصة وعلى مسارح الإسكندرية، ونظرًا لقوة صوته، عُرف باسم “محمود الراديو”.
نشأ محمود الشريف في بيت تميز بحب الوطن والروح الوطنية، فقد كان له شقيقان؛ الأول إسماعيل، عازف آلة الترامبون في فرقة الأمير عمر طوسون، وهو الذي علمه قراءة النوتة الموسيقية، أما الثاني فكان مصارعًا كبيرًا في الإسكندرية دفعه لتعلم المصارعة وهو صغير، حتى حصل على بطولات وزن الريشة، واتُهم شقيقاه بمعاداة الإنجليز، فأُصيب الأول برصاصه في قدمه، فيما أُودع الثاني السجن بعد اعتدائه على أحد الكونستبلات الإنجليز.

وبدأت شهرة الموسيقار محمود الشريف عندما سافر إلى القاهرة والتحق بفرقة بديعة مصابني عام 1928 ممثلًا ومطربًا وملحنًا، وهناك تعرف على المطرب الشعبي محمد عبد المطلب، وقدم أول ألحانه بالإذاعة بمصاحبة تخت شرقي من خلال أغنية “بتسأليني بحبك ليه.. سؤال غريب مجاوبش عليه”، وكان عازف العود فيها الموسيقار محمد عبد الوهاب، كما لحن لفريد الأطرش وإبراهيم حمودة في بداياتهما الفنية.
ومنذ افتتاح الإذاعة المصرية، كان محمود الشريف أول من تبنى فكرة البرامج والصور الغنائية الإذاعية، فقدم البرنامج الغنائي “الدندورمة”، ثم “عذراء الربيع” و”قطر الندى” و”أرزاق”، التي غنى فيها “الدنيا أرزاق قسمها الخلاق سبحانه الرزاق” من كلمات عبد الفتاح مصطفى، كما قام بتلحين أول أوبرا غنائية مصرية قدمتها الإذاعة بعنوان “روما تحترق”.
وقدم محمود الشريف أكثر من 400 أغنية، من أشهرها: “بطلوا ده واسمعوا ده.. ياما لسه هنشوف وياما” لعزيز عثمان من فيلم “لعبة الست”، و”شمس وقمرين ربي يخلي” لصباح، و”تلات سلامات يا واحشني تلات أيام” لمحمد قنديل، و”على الحلوة والمرة مش كنا متعهدين” لعبد الغني السيد، و”اوصفولي الحب” لنجاة الصغيرة، و”يا حسن يا خولي الجنينة” لشادية، و”عيني بترف يا حبة عيني” لكارم محمود، و”يا سيدي أمرك أمرك يا سيدي” لعبد الحليم حافظ، وغيرها من الأعمال الخالدة.

كما لحن محمود الشريف معظم المونولوجات الغنائية منذ أربعينيات القرن الماضي لكل من شكوكو وإسماعيل يس وثريا حلمي وسعاد مكاوي، وقدم نشيد “الله أكبر” الذي هز قلوب الملايين، والذي وصفه الملحن كمال الطويل بأنه أقوى نشيد قيل في معركة 1956، فيما وصفه محمد عبد الوهاب بأنه النشيد الوحيد الذي مس قلبه من أول لحظة.
وفي عام 1946، تزوج الموسيقار محمود الشريف من كوكب الشرق أم كلثوم، إلا أنه -كما قيل- كان زواجًا سريًا قصير العمر، ويروي الشريف قصة تعارفه معها قائلًا:” كان اللقاء الأول في مكتب الإذاعي محمد فتحي، ثم كنا في نقابة الموسيقيين وكانت هي النقيبة وأنا السكرتير العام، وبعد ذلك صار الحب ثم الزواج، وأعترف أنني وُلدت مرتين؛ يوم أن ولدتني أمي ويوم أن أحببت أم كلثوم”.
وحصل الموسيقار محمود الشريف على العديد من التكريمات والأوسمة، حيث منحته الدولة وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1958، وجائزة الجدارة عام 1978، ثم جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1989، ليظل واحدًا من أبرز رواد الموسيقى العربية الذين أثروا الحياة الفنية بأعمال خالدة ما زالت تعيش في وجدان الأجيال.







