جه يكحلها.. عماها
تخيل معي المشهد: مؤتمر صحفي كبير، بتوجيهات من رئاسة الوزراء، وزير التربية والتعليم، ووزير الإعلام يجلسان في الصدارة، والقاعة مليئة بالصحفيين ورؤساء التحرير، السؤال البديهي، أين مؤدوا ومتلقوا الخدمة؟.
أين الطالب؟.
أين ولي الأمر؟.
أين المعلم؟.
أين أولئك الذين تُصنع القرارات من أجلهم أصلاً؟.
لا أحد منهم موجود، المجتمع الحقيقي غائب، والمجتمع الحاضر هم فقط ممثلي الإعلام ليقنعوا مؤدي ومتلقي الخدمة بالسرديات الوهمية.
وزير الإعلام قال إن الهدف من المؤتمر هو استعراض الرأي والرأي الآخر، جميل، لكن ما قرأناه وسمعناه وشاهدناه كان رأيًا واحدًا وصوتًا واحدًا يستعرض إنجازات، فوجدنا، قال الوزير، وأكد الوزير، وأوضح الوزير، واستعرض الوزير، فأين الرأي الآخر؟ هل ضل الطريق؟، أم أنه لم يُدعَ أصلاً؟، حتى الأسئلة التي طُرحت كانت موجهة، والإجابات كانت جاهزة في العرض التقديمي ليؤكد أن المؤتمر سيناريو متفق عليه، فهل نحن أمام مؤتمر صحفي أم أمام عرض مسرحي غير متقن؟.
وزير الإعلام،
وزير التربية والتعليم،
صحفيين ورؤساء صحف…
كل ما دار لم يكن إلا تلميع… تلميع… تلميع.
أفيقوا فلن يتحول النحاس ذهبًا… فلماذا لا تنقبون عن الذهب الحقيقي؟.
الحقيقة التي لا تتغير ظهرت في زيارة قصيرة وعفوية من محافظ لمحافظة ليست صغيرة ولا نائية، بلا مؤتمرات ولا بيانات، ولا عروض تقديمية تم إعدادها في مكاتب مكيفة، فقط زيارة مفاجئة قبل بداية الدراسة بأسبوع.
فانكشفت الحقيقة كاملة.
ديسكات مكسورة.
أسوار غير موجودة.
لا صرف، لا مياه، لا كهرباء.
لا أمن، لا عمال نظافة.
ديسكات موضوعة في طرقة المبنى ليجلس عليها المعلمون لتحضير دروسهم، لأن غرفهم وغرف الأنشطة وبعض المعامل تحولت إلى فصول لخفض الكثافة، هذه هي الحقيقة التي لا تحتاج إلى عروض تقديمية.
وفي المؤتمر يتباهى الرجل الأول في الوزارة بقيمة مرتبات المعلمين الإجمالية، وكأنه لا يعلم أن المعلم لا يرى إلا الصافي الذي يخرج من البيرول، ولا يعرف ما تم خصمه، يستعرض الإجمالي، والمعلم يعيش على الصافي، في مشهد كاشف لحقيقة الفجوة الإعلامية بين البيانات المعلنة والحقيقة المستترة.
والأعجب أن في المؤتمر بيان يقول إنه تم القضاء على عجز المعلمين في المواد الأساسية، وفي نفس المؤتمر يُعلن تعيين 43 ألف معلم، فأي الروايتين نصدق؟.
إما أن التعيينات لهذا العدد الكبير لا ضرورة لها بعد سد العجز، وإما أن التقارير السابقة التي خرجت في صورة بيانات الوزارة وتقارير الجهات الدولية كانت غير دقيقة، و لا يوجد احتمال ثالث، ومن هنا تهتز الثقة بكل ما يتم إعلانه سواء محلي أو دولي
هذا هو التطبيق العملي للمثل القائل جه يكحلها.. عماها.



