خبير طاقة: رفع أسعار الكهرباء ليس الحل.. والفقد والسرقات وكفاءة الطاقة أولى بالإصلاح

المهندس محمد عطية: معالجة أزمة الكهرباء تبدأ بخفض تكلفة المنظومة لا بتحميل المواطن أعباء جديدة.. ولا أستطيع الجزم بأن الزيادة الأخيرة هي الأخيرة هذا العام


قال المهندس محمد عطية، خبير الطاقة، إن الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء تعكس الضغوط التي تواجهها الدولة نتيجة اتساع الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلك، إلا أن الاعتماد على رفع التعريفة بشكل متكرر لا يمثل الحل الأكثر كفاءة أو استدامة لمعالجة الأزمة، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بخفض تكلفة تشغيل المنظومة، وليس بزيادة الأعباء على المواطنين.

وأوضح عطية، في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن أحدًا لا ينكر وجود فجوة حقيقية بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، في ظل ارتفاع أسعار الوقود، وتراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، واللجوء إلى استيراد الغاز والاعتماد على المازوت لتأمين احتياجات محطات الكهرباء، إلا أن السؤال الأهم هو ما إذا كان رفع الأسعار هو الخيار الأفضل لسد هذه الفجوة.

وأضاف أن ملف الفقد والسرقات في شبكة الكهرباء يمثل أحد أهم الملفات التي ينبغي التعامل معها بجدية، مشيرًا إلى أن معدلات الفقد في بعض شركات التوزيع لا تزال تدور حول 18%، بينما تستهدف الدولة خفضها إلى نحو 16.5%، في حين تتراوح هذه النسبة في الدول ذات الشبكات المتقدمة بين 5% و8% فقط.

وأكد أن كل نقطة مئوية يتم خفضها من الفقد تعني استرداد ما يقرب من 2 إلى 2.5 مليار كيلووات ساعة سنويًا، وهي كميات توفر مئات الملايين من الجنيهات من تكلفة الوقود والتشغيل، دون الحاجة إلى تحميل المواطنين زيادات جديدة في الأسعار.

وأشار إلى أن كفاءة الطاقة تمثل الملف الأكثر أهمية في المرحلة الحالية، واصفًا إياها بأنها “الوقود الأول”، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، لأن أرخص كيلووات ساعة هي التي لا يتم إنتاجها من الأساس.

وأوضح أن الدراسات الدولية تشير إلى أن برامج كفاءة الطاقة قادرة على خفض استهلاك الكهرباء في القطاعات السكنية والصناعية والتجارية بنسبة تتراوح بين 15% و30% دون التأثير على الإنتاج أو جودة الخدمة، لافتًا إلى أن الحكومة المصرية أعلنت تحقيق وفورات تقارب 900 مليون دولار خلال عشرة أشهر نتيجة إجراءات ترشيد استهلاك الوقود والطاقة، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في الكفاءة يحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا.

هيكلة سوق الكهرباء مفتاح الحل

وشدد خبير الطاقة على أن إعادة هيكلة سوق الكهرباء تمثل أحد أهم مفاتيح الحل، مؤكدًا أن الدولة لا ينبغي أن تكون المستثمر الوحيد في قطاع الطاقة المتجددة، وإنما المنظم للسوق، مع منح القطاع الخاص دورًا أكبر في إنتاج وبيع الكهرباء من مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وأوضح أن الإطار التشريعي الحالي يسمح باتفاقيات شراء الكهرباء والبيع المباشر، إلا أن المطلوب هو تسريع إجراءات التنفيذ، وتبسيط التراخيص، ورفع قدرة الشبكة القومية على استيعاب المزيد من مشروعات الطاقة المتجددة.

وأضاف أن تمكين المصانع والمناطق الصناعية من شراء الكهرباء مباشرة من محطات الطاقة الشمسية أو الرياح بعقود طويلة الأجل سيؤدي إلى خفض الاعتماد على الغاز والمازوت، وتقليل الضغط على الموازنة العامة، وجذب استثمارات بمليارات الدولارات، فضلًا عن تعزيز تنافسية الصناعة المصرية في ظل التوجه العالمي نحو تطبيق معايير البصمة الكربونية على المنتجات.

وأكد عطية أن التوسع في دور القطاع الخاص بمجال الطاقة المتجددة لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة اقتصادية وصناعية تسهم في خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز النمو.

مستقبل سعر الكهرباء

وحول إمكانية أن تكون الزيادة الحالية هي الأخيرة خلال العام الجاري، قال عطية إنه لم يكن يتوقع صدور هذه الزيادة في هذا التوقيت، ولذلك لا يستطيع الجزم بأنها ستكون الأخيرة، موضحًا أن قرارات تسعير الكهرباء أصبحت ترتبط بعدد كبير من المتغيرات الاقتصادية والمالية، وليس بجدول زمني ثابت.

وأشار إلى أن مستقبل الأسعار سيتوقف على تطورات أسعار الوقود عالميًا، وسعر صرف الجنيه، وتكلفة إنتاج الكهرباء، وأوضاع الموازنة العامة، وسياسات الحكومة الخاصة باستكمال إصلاح منظومة الدعم، مؤكدًا أن أي تغير جوهري في هذه العوامل قد يدفع إلى إعادة النظر في التعريفة مرة أخرى.

وأضاف أن أي زيادة جديدة في أسعار الكهرباء ستكون لها انعكاسات مباشرة على تكلفة الإنتاج الصناعي والخدمات، كما ستفرض ضغوطًا تضخمية إضافية تؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يتطلب تحقيق توازن بين الاستدامة المالية للدولة وحماية الاقتصاد والمستهلك.

وأكد عطية أن الحل المستدام لا يكمن في رفع الأسعار بشكل متكرر، وإنما في إصلاح المنظومة من الداخل، عبر مكافحة الفقد وسرقات التيار، وإطلاق برنامج وطني واسع لكفاءة الطاقة، وتسريع تحرير سوق الكهرباء، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الطاقة المتجددة، بما يحقق وفرًا دائمًا للدولة ويحد من الحاجة إلى زيادات جديدة في أسعار الكهرباء مستقبلًا.