الصادرات المصرية تتراجع.. هل تدفع الحكومة المنتجين إلى خارج المنافسة؟

لم تعد أزمة الصادرات المصرية مجرد مشكلة مرتبطة بالطلب العالمي أو اضطرابات التجارة الدولية، إذ تكشف قراءة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، عن أن جزءًا مهمًا من الأزمة يبدأ داخل السوق المصري نفسه، حيث يواجه المنتجون والمصدرون منظومة من القيود والتكاليف والإجراءات التي تضعف قدرتهم على المنافسة قبل أن يصل المنتج إلى بوابة التصدير.
وبحسب دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية تحت عنوان «تطور الصادرات المصرية في النصف الأول من عام 2026 من واقع بارومتر الأعمال»، فقد تراجعت الصادرات غير البترولية إلى نحو 10.8 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، بانخفاض يقارب 16% سنويًا و5% مقارنة بالربع السابق، قبل أن تتحسن إلى 12.5 مليار دولار في الربع الثاني من نفس العام.
ويري المركز أن التحسن في الربع الثاني لا يخفي المشكلة الأساسية؛ وهي ضعف الصناعة التحويلية وارتفاع تكلفة ممارسة النشاط الاقتصاد، موضحًا أنه عند زيادة تكلفة الطاقة والخامات والنقل والتمويل والإجراءات الحكومية، تقلصت قدرة المنتج المصري على تقديم سعر تنافسي في الخارج.

ورصد المركز ضمن أبرز المعوقات التي تواجه قطاع الصناعة: التضخم، وضعف الخدمات اللوجستية، وصعوبة تدبير المواد الخام، والإجراءات الحكومية، وإجراءات التصدير، والنظام الضريبي والجمارك، ونقص العمالة الماهرة، والتمويل وتقلبات سعر الصرف، موضحًأ أنه عندما تكون الأزمة العالمية خارج سيطرة الحكومة، فإن تكلفة التعامل معها داخل الاقتصاد المصري تظل إلى حد كبير مرتبطة بكفاءة المؤسسات وسرعة الإصلاح.
البيروقراطية تتحول إلى تكلفة على المصدر
وأشار المركز إلى أن هناك مشكلات في التعامل مع الجهات الحكومية، من بينها بطء الإجراءات، والبيروقراطية، وتعدد الجهات الرقابية، وهي عوامل لا تظهر بالضرورة في قوائم الضرائب أو أسعار الطاقة، لكنها تتحول في النهاية إلى تكلفة إضافية يتحملها المنتج، إذ أن تلك التكلفة لا يدفعها المصدر وحده؛ بل تنعكس على السعر النهائي للسلعة وعلى قدرة الشركة المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وأوضحت الدراسة أن المشكلة لا تكمن في المنتج المصري، وإنما أن بيئة ممارسة النشاط تضيف إليه تكاليف لا يتحملها منافسوه بالقدر نفسه.

الشركات الصغيرة الأكثر تأثرًا
وكشفت الدراسة تفاوتًا واضحًا بين الشركات بحسب الحجم، إذ تمتلك الشركات الكبيرة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات والوصول إلى الأسواق وتدبير التمويل ومستلزمات الإنتاج، بينما الشركات الصغيرة والمتوسطة، فتواجه قيودًا أكبر في التمويل والاستيراد والحصول على العمالة الماهرة، فضلًا عن تأثرها بصورة أكبر بتقلبات السياسات والتكاليف.
وأشار المركز إلى أن هناك محاولات من الحكومة نحو الحاجة إلى زيادة الصادرات، بينما تواجه الشركات الأكثر عددًا داخل الاقتصاد قيودًا تجعلها أقل قدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، رغم ارتفاع الصادرات غير البترولية إلى 12.5 مليار دولار في الربع الثاني، موضحًا أن زيادة أرقام الصادرات لا تتوقف على فترة زمنية سواء ربع أو عام، ولكن بكيفية بناء قطاع صناعي قوي ومستدام قادر على التصدير.
وأوضح المركز أن الطريق يمر عبر معالجة الاختناقات التي تواجه الصناعة، وخفض تكلفة الإنتاج والمعاملات، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتيسير استيراد مستلزمات الإنتاج، وتوفير التمويل، ورفع كفاءة العمالة، داعيًا إلى تحول هيكلي في الصادرات المصرية من المنتجات الأقل قيمة مضافة إلى منتجات أكثر تقدمًا وتكنولوجيا، خاصة في ظل تغير خريطة التجارة العالمية وزيادة الطلب على المنتجات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
زيادة الصادرات أم زيادة قدرة القطاع الخاص؟
وكشف المركز عن أن قضية الصادرات المصرية بالنسبة للاقتصاد القومي لا تتوقف على الأرقام ولكن، تتضمن أيضًا التوجيهات لدور القطاع الخاص بالعمل على مضاعفة صادراته؛ بالرغم من ارتفاع ارتفاع تكلفة الإنتاج واستمرار عدد كبير من الإجراءات والقيود التي تواجه ذلك القطاع.
وشدد المركز على أن زيادة الصادرات ليست قرارًا إداريًا، ولا تتحقق بمجرد وضع مستهدفات رقمية؛ وإنما هي نتيجة مباشرة لقدرة الشركات على الإنتاج بتكلفة تنافسية، والحصول على التمويل والخامات، والتحرك بسرعة، والوصول إلى الأسواق دون أعباء إجرائية تعرقل توسعها، مشيرًا إلى أن إصلاح بيئة الأعمال وتقليل تدخلات وإجراءات الدولة غير الضرورية لا يمثلان ملفًا منفصلًا عن الصادرات، بل جزءًا أساسيًا من معركة القدرة التنافسية للمنتج المصري.
وقال المركز إن الاختبار الحقيقي لسياسة التصدير ليس بعدد المبادرات التي تعلنها الحكومة، وإنما قدرة مصنع خاص على زيادة إنتاجه وتصديره وتحقيق عائد أكبر دون أن تتحول الإجراءات والتكاليف المحلية إلى عائق أمام توسعه






