تصاعد القتال في غرب تيجراي.. هل تعود الحرب الأهلية من جديد في أثيوبيا؟

أعادت التطورات العسكرية التي شهدتها منطقة غرب تيجراي، اليوم السبت، الأزمة الإثيوبية إلى صدارة المشهد الإقليمي، بعد أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب توقيع اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2022، وفقًا للبيانات الصادرة عن حكومة إقليم تيجراي والجهات التابعة لها اليوم.

اندلعت مواجهات جديدة في غرب الإقليم، مع اتهام القوات الفيدرالية الإثيوبية ببدء العمليات العسكرية واستخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة، إلى جانب تحريك تعزيزات عسكرية باتجاه مناطق التماس، وفي المقابل، لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات للحين، كما لم تكتمل بعد الصورة من خلال بيانات رسمية متطابقة من جميع الأطراف.

ورغم أن الوقائع الميدانية لا تزال محل تباين، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في طبيعة الاشتباكات، وإنما في توقيتها السياسي، إذ تأتي في مرحلة كان يُفترض أن تشهد تنفيًذا أوسع لبنود اتفاق بريتوريا، ومعالجة الملفات الخلافية عبر الوسائل السياسية، لا العودة إلى الخيارات العسكرية.

غرب تيجراي.. العقدة التي لم يحلها اتفاق بريتوريا 

تكشف التطورات الأخيرة أن غرب تيجراي لا يزال يمثل الحلقة الأضعف في اتفاق بريتوريا، فمنذ وقف الحرب، بقيت هذه المنطقة موضع خلاف بين الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم تيجراي، في ظل تعقيدات تتعلق بالإدارة المحلية، وعودة النازحين، والترتيبات الأمنية، ومستقبل السيطرة على المنطقة.

ولهذا، فإن أي تصعيد عسكري في غرب تيجراي لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة ميدانية محدودة، لا باعتباره انعكاسًا أفضل معالجة أحد أهم الملفات السياسية التي تركها اتفاق بريتوريا دون تسوية نهائية، كما أن استمرار الغموض بشأن الوضع القانوني والإداري للمنطقة جعلها قابلة للانفجار في أي وقت، خاصة مع غياب توافق سياسي شامل بين الأطراف.

قراءة في خطاب حكومة تيجراي 

البيانات الصادرة اليوم السبت الأول من أغسطس عن حكومة تيجراي لم تقتصر على الإعلان عن وقوع اشتباكات، بل حملت خطابًا سياسيًا متكاملاً يستهدف تحميل الحكومة الفيدرالية المسؤولية الكاملة عن أي جولة جديدة من الحرب.

كما تضمنت دعوات مباشرة إلى الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، للتدخل العاجل من أجل احتواء التصعيد ومنع انهيار اتفاق السلام.

وفي الوقت نفسه، دعت حكومة الإقليم السكان والقوى السياسية والمؤسسات الدينية والمجتمعية، إلى رفع مستوى الجاهزية والاستعداد، وهو ما يعكس أن سلطات تيجراي تنظر إلى التطورات الحالية باعتبارها أكثر من مجرد اشتباكات عابرة، بل احتمالاً لعودة مواجهة واسعة إذا استمرت العمليات العسكرية.

الحرب الإعلامية تسبق الحرب الميدانية

تزامن التصعيد مع نشاط إعلامي مكثف من الجهات المؤيدة لتيجراي، ركز على اتهام الحكومة الإثيوبية بإشعال الحرب، مع التأكيد على أن قوات دفاع تيجراي تتحرك في إطار الدفاع عن الإقليم، وفي المقابل، عادةً ما تقدم الحكومة الفيدرالية رواية مغايرة في مثل هذه الأزمات، وهو ما يجعل المشهد الإعلامي جزءًا من الصراع نفسه.

وتسعى جميع الأطراف، في مثل هذه الحالات، إلى تثبيت روايتها أمام المجتمع الدولى منذ الساعات الأولى للأزمة، إدراكًا منها أن الموقف الدولي يتأثر بدرجة كبيرة بمن ينجح في صياغة السردية الاولى للأحداث.

اتفاق بريتوريا أمام أخطر اختبار 

إذا استمرت المواجهات أو اتسع نطاقها، فإن اتفاق بريتوريا سيكون أمام أخطر منذ توقيعه، فالنجاح الذي حققه الاتفاق تمثل في وقف الحرب الشاملة، لكنه لم ينجح في بناء تسوية سياسية مستدامة تعالج جذور الأزمة، خصوصًا في ما يتعلق بغرب تيجراي، وعودة النازحين، وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية.

ولذلك، فإن تجدد القتال إذا تأكد واتسع قد يفتح الباب أمام تراجع الثقة بين الأطراف، ويؤدي إلى تعطيل بقية بنود الاتفاق، بما فيها إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات، وبرامج التعافي الاقتصادي في الإقليم.

الأبعاد الإقليمية والدولية 

لا تقتصر تداعيات أي تصعيد في تيجراي على الداخل الإثيوبي، بل تمتد إلى القرن الأفريقي بأكمله، في إثيوبيا تمثل دولة محورية في التوازنات الإقليمية، وأي اضطراب أمني واسع قد ينعكس على السودان، والبحر الأحمر، وحركة التجارة، وملفات الأمن الإقليمي.

كما أن عودة المواجهات قد تعيد الاهتمام الدولي بالملف الإثيوبي، بعد فترة انخفض خلالها مستوى الانخراط الدولي مقارنة بسنوات الحرب، وهو ما يفسر حرص حكومة تيجراي على مخاطبة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين منذ الساعات الأولى للتصعيد.

السيناريوهات المحتملة 

تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية:-

سيناريو الأول: يتمثل في احتواء التصعيد عبر تدخلات سياسية ودبلوماسية عاجلة تمنع اتساع المواجهات.

سيناريو الثاني: يتمثل في استمرار الاشتباكات ضمن نطاق جغرافي محدود، مع بقاء اتفاق بريتوريا قائمًا شكليًا لكنه فاقدًا لقدرته على إدارة الأزمة.

السيناريو الثالث: وهو الأكثر خطورة فيتمثل في انهيار التفاهمات الأمنية وعودة الحرب على نطاق واسع، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية على إثيوبيا والمنطقة

 تقدير موقف

تعكس تطورات، اليوم السبت، أن الأزمة الإثيوبية لم تدخل بعد مرحلة التسوية النهائية، وأن وقف إطلاق النار لم يكن كافيًا لإزالة أسباب الصراع، فالقضايا المؤجلة، وعلى رأسها وضع غرب تيجراي، لا تزال قادرة على إعادة إنتاج المواجهة في أي لحظة إذا غابت المعالجات السياسية.

وبغض النظر عن الروايات المتبادلة بشأن المسؤولية عن بدء العمليات العسكرية، فإن المؤكد هو أن استمرار التصعيد سيقوض الثقة التي يُني عليها اتفاق بريتوريا وسيعيد إثيوبيا إلى دائرة الاستنزاف الأمني والسياسي، ومن ثم فإن التحرك العاجل من جانب الاتحاد الأفريقي والوسطاء الدوليين لم يعد خيارًا دبلوماسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية  للحيلولة دون انزلاق البلاد إلى جولة جديدة من الصراع، قد تكون تداعياتها أكثر تعقيدًا من الحرب السابقة، ليس على إثيوبيا وحدها، وإنما على مجمل استقرار القرن الأفريقي.