
الكلاب الضالة تدخل متحف السمبوزيوم وتتبرز بين الأعمال الفنية..
أسوان تمتلك كل مقومات عاصمة النحت لكن الإهمال يبدد هذه الثروة
تمثال مجدي يعقوب كان يجب أن يُعرض داخل المستشفى لا في ميدان عام
بُعد أسوان عن العاصمة تسبب في قلة الاهتمام وتأخر كثير من الخدمات
من قلب أسوان، حيث الجرانيت الذي حمل ملامح الحضارة المصرية عبر آلاف السنين، يواصل النحات النوبي طارق جمال الدين رحلته مع الفن، مؤمنًا بأن الموهبة هي حجر الأساس للإبداع قبل أي دراسة أكاديمية، وفي حواره مع “ليبرالي”، يتحدث عن واقع فن النحت في أسوان، وينتقد ما آلت إليه أوضاع متحف سمبوزيوم أسوان المفتوح، كاشفًا عن التحديات التي تواجه الفنانين التلقائيين، كما يوجه رسالة إلى المسؤولين بضرورة إعادة الاعتبار للفن باعتباره أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، وإلى نص الحوار:
لماذا ارتبط فن النحت بأسوان واستمر فيها عبر آلاف السنين؟
أسوان ليست مجرد مدينة، بل لوحة ربانية مكتملة العناصر. إذا نظرت إلى نيلها ستجده يحتضن صخورها الوعائية فائقة الجمال، وعلى ضفافه تقف الجبال الرملية الصفراء شامخة، بينما تتوسط النهر جزر خضراء تضفي حالة من التناغم المذهل، كل هذا الجمال يصنع بيئة استثنائية، ويخلق حالة إبداعية لدى أبناء هذه الأرض السمراء الطيبة، ولذلك أقول دائمًا إن أسوان بطبيعتها تُحرّض على الإبداع.
ما أبرز التحديات التي تواجه فناني أسوان؟
المشكلة الحقيقية ليست في الفنان، فالفنان يمتلك موهبته وأدواته، وإنما في إهمال المسؤولين. المسؤول هو من يضع العقبات أمام الفنان، بينما يحتاج المبدع فقط إلى من يفتح له الطريق ويمنحه الفرصة.

كيف ترى وضع متحف سمبوزيوم أسوان المفتوح؟
للأسف المكان غير مؤهل لأن يُطلق عليه متحف مفتوح. عندما تزوره تشعر وكأنك داخل محجر جرانيت، وليس في متحف يضم أعمالا فنية عالمية. هناك قطع موضوعة أعلى الجبل بطريقة لا تسمح للزائر بالتفاعل معها أو فهم الرسالة التي أراد الفنان إيصالها من خلال العمل.
العمل الفني يحتاج إلى مساحة مناسبة حوله، حتى يتمكن الزائر من الدوران حوله وتأمله وقراءة تفاصيله، وهذا هو المتعارف عليه في المتاحف العالمية، لكنه غير متوفر في متحف السمبوزيوم بأسوان، أما الأعمال الموجودة على مستوى الأرض، فتعاني أيضًا من سوء العرض والإهمال.
وأتذكر أن تمثال الدكتور مجدي يعقوب كان في فترة من الفترات مُلقى على الأرض في مشهد مؤسف لا يليق بقيمة العمل أو بقيمة الشخصية التي يجسدها، والأكثر إيلامًا أن المكان يفتقد لأبسط مظاهر الرعاية، حتى إن الكلاب الضالة تدخل إليه وتتبرز وسط الأعمال الفنية، هذا أمر لا يسيء إلى المكان فقط، بل يُعد إهانة للفن نفسه، أي زائر سيدخل الآن سيشعر بالنفور، ولذلك أصبح متحف السمبوزيوم خارج خريطة المزارات السياحية، وربما يكون ذلك أفضل في وضعه الحالي لأنه غير مؤهل لاستقبال الزوار سواء من الأجانب أو المصريين.
ما أهمية سمبوزيوم أسوان في تاريخ النحت المصري؟
الكثيرون لا يعرفون أن أول تمثال جرانيت يُنحت في مصر من بعد العصر المصري القديم كان تمثال نهضة مصر للفنان محمود مختار، والموجود أمام جامعة القاهرة، وبعد ذلك جاء الفنان الكبير آدم حنين، رحمه الله، بفكرة إقامة سمبوزيوم أسوان، وكان الهدف الأساسي كسر حاجز الخوف بين الفنان وخامة الجرانيت الأسواني، وإثبات أن الفنان المصري قادر على تطويع هذه الخامة الصعبة وإنتاج أعمال عالمية.
لماذا لم تستغل أسوان إمكانياتها في مجال النحت رغم توافر خامة الجرانيت؟
الإجابة لها أكثر من جانب، الطبيعي أن تكون المحافظة والجهات الثقافية هي صاحبة المبادرة في إنشاء مراكز لتعليم النحت واكتشاف المواهب، وقد طرحت هذه الفكرة أكثر من مرة على مسؤولين في أسوان، حتى قصر ثقافة أسوان، الذي كان المتنفس الوحيد للمواهب، ما زال يخضع للترميم منذ سنوات طويلة، ولا أحد يعرف سبب هذا التأخير، وعندما افتُتحت مكتبة مصر العامة بأسوان قبل عامين تطوعت لتعليم الأطفال فن النحت، لكنني فوجئت بطريقة غير مناسبة لإدارة النشاط، حيث كان المكان أشبه بفصل دراسي مليء بالصراخ، بينما تعليم الفن يحتاج إلى الهدوء وإلى أشخاص يعرفون أولا كيف يتعاملون مع الأطفال قبل أن يعلموهم الفن، وللأسف، بُعد أسوان أكثر من ألف كيلومتر عن العاصمة تسبب في تأخر كثير من الخدمات والاهتمام، رغم أننا أولى بأن نكون في مقدمة المحافظات في مجال النحت.

ما أبرز ملاحظاتك على المشاركة في سمبوزيوم أسوان؟
من أكثر الأمور التي كنت أرفضها اشتراط وزارة الثقافة أن يكون المشارك فنانًا أكاديميًا فقط. هذا الشرط يحرم الفنانين التلقائيين من فرصة المشاركة، رغم أن الفن في النهاية لغة واحدة، والموهبة لا ترتبط بالشهادة الأكاديمية.
هل ترى أن الأعمال الفنية في أسوان تُعرض بالشكل المناسب؟
للأسف لا، هناك أزمة حقيقية في طريقة توزيع ورص التماثيل في الأماكن العامة، حتى أصبحت محل سخرية من بعض المواطنين، السبب أن من يتولى وضع الأعمال في كثير من الأحيان موظف غير متخصص، بينما عرض التمثال علم وفن له قواعده.
كيف تفسر سخرية بعض الأهالي من تماثيل السمبوزيوم؟
جزء من المشكلة يعود إلى أن كثيرًا من المواطنين ليست لديهم ثقافة التمثال الميداني، لكن هناك أيضًا أخطاء في التنفيذ، كنا نتمنى أن يظل تمثال الأديب الكبير عباس محمود العقاد في مكانه بجوار قبره، وكان من أروع التماثيل في مصر، لكن للأسف نُقل إلى المخازن سنوات، ثم إلى حي العقاد، واستُبدل بتمثال آخر لا يشبه العقاد على الإطلاق، بل يبدو وكأنه محارب يستعد لمعركة.
أما تمثال الدكتور مجدي يعقوب، فكان في رأيي تمثالًا متحفيًا وليس ميدانيًا، وهناك فرق كبير بين النوعين، كان الأنسب عرضه داخل المستشفى، سواء عند المدخل أو في إحدى القاعات الرئيسية، وليس في موقع مفتوح لا يتناسب مع طبيعة العمل.

من أبرز رواد فن النحت الذين أنجبتهم أسوان؟
أسوان قدمت أسماء كبيرة أثرت الحركة الفنية المصرية، على رأسهم الفنان الراحل سيد عبد الظاهر، ابن قرية غرب أسوان، والحاصل على المركز الأول في بينالي الإسكندرية الدولي، وكان مبدعًا في النحت على الأخشاب، بل يُعد الوحيد الذي نحت على خشب الدوم شديد الصلابة، كما لا يمكن أن ننسى الفنان الكبير إدريس النقيب، شيخ الفنانين التلقائيين وصاحب “مملكة إبليس”، والذي كان له دور كبير في انتشار الفن التلقائي.
وهناك أيضًا الفنان أحمد عباس، والفنان نائل بطيط، والفنان محمود الشنقرابي، والفنانة مها جميل، والفنان علي عبد الفتاح، وجميعهم تركوا بصمة مهمة في الحركة التشكيلية.

تطالب بوضع تمثال للفنان آدم حنين في مكان عام بأسوان.. لماذا؟
أطالب بوضع تمثال للفنان الكبير آدم حنين في أحد أهم ميادين أسوان، ليس فقط لأنه صاحب فكرة إقامة سمبوزيوم أسوان الدولي، وإنما لأنه أحد أعظم النحاتين المصريين، ويكفي أنه شارك عام 1989 في مشروع ترميم تمثال أبو الهول، وهو حدث تاريخي لا يشارك فيه إلا كبار الفنانين أصحاب الخبرة والقيمة، وقد جمعتني به مقابلة منذ نحو 25 عامًا، وطلب مني وقتها استكمال قطعة فنية لفنان أوروبي، لكنني اعتذرت لأسباب معنوية خاصة بي، وظللت أكن له كل التقدير والاحترام.
ما رسالتك للمسؤولين عن الثقافة في مصر؟
رسالتي واضحة، وهي ضرورة الاهتمام بالفنان الفطري، لأن الفن في بداياته لم يكن قائمًا على الأكاديميات، بل كان تعبيرًا تلقائيًا حرًا بعيدًا عن القيود. وأكبر دليل على ذلك الفنان الراحل سيد عبد الظاهر، الذي تفوق على عدد كبير من الفنانين الأكاديميين، وفاز بالمركز الأول في بينالي الإسكندرية الدولي بعمل فني مميز نحته من خشب الدوم، وهو من أصعب أنواع الأخشاب، ليؤكد أن الموهبة الحقيقية قادرة على فرض نفسها عندما تجد الفرصة، والفن الحقيقي ملك للجميع، وليس حكرًا على أحد، ويحتاج إلى إدارة تحترم قيمته وتدرك أنه أحد أهم وجوه القوة الناعمة لمصر.







