فن ومنوعات

«عيش وفن».. تجربة «مهدي» تعيد اكتشاف التراث المحلي من خلال الحكايات اليومية وتحويلها إلى أعمال فنية

ماذا لو لم تكن الأكلة التي توضع أمامنا على المائدة مجرد طعام وكانت تحمل داخلها حكاية بيت، وذكريات أم، وتفاصيل عن حياة أشخاص رحلوا، وعادات تغيرت، ومجتمع تبدلت ملامحه مع مرور السنوات، من هذا السؤال تبدأ حكاية مشروع «عيش وفن»، الذي تحاول من خلاله فرقة «دارك» المسرحية الاقتراب من التراث المحلي بطريقة مختلفة؛ لا باعتباره ماضيًا محفوظًا في الكتب، ولا مجموعة من الحكايات التي نكتفي بسردها والاحتفاء بها، وإنما باعتباره ذاكرة حية يمكن إعادة اكتشافها وتحويلها إلى فن معاصر.

في مدينة شبين القناطر، بدأت التجربة من تفاصيل تبدو بسيطة للوهلة الأولى، أكلة شعبية، وصفة متوارثة، حكاية ترويها سيدة مسنة، أو ذكرى مرتبطة بسوق قديم، لكن خلف هذه التفاصيل تختبئ حكايات أكبر عن الناس والبيوت والعلاقات الاجتماعية والظروف الاقتصادية والتحولات التي شهدها المجتمع، وهنا يصبح الطعام مدخلًا لفهم الإنسان ومجتمعه.

الفنان مهدي محمد: «كل أكلة تقريبًا وراءها حكاية»

الفنان مهدي محمد، أحد القائمين على التجربة، يرى أن الطعام يمكن أن يكون أكثر من مجرد شيء نستهلكه يوميًا، فكل أكلة تقريبًا، بحسب وصفه، تقف خلفها حكاية، وخلف الحكاية أشخاص وبيوت وعادات وتحولات اجتماعية واقتصادية.

ومن هنا جاءت الدورة الأولى من «عيش وفن» تحت عنوان «سكلانس»، وانطلقت في أغسطس الماضي بهدف جمع تاريخ وحكايات الأكل في شبين القناطر، ثم إعادة قراءتها وتحويلها إلى أعمال فنية معاصرة، خاصة في المسرح وفنون العرائس.

الفكرة لا تقوم على جمع وصفات الطعام وحفظها، وإنما على البحث عما وراءها، فعندما تجلس سيدة كبيرة لتحكي عن أكلة كانت تصنعها والدتها، فأنت لا تستمع إلى طريقة إعداد الطعام فقط، بل تفتح معها بابًا إلى بيت قديم، وظروف اقتصادية، وعلاقات أسرية، ومناسبات اجتماعية، وطريقة حياة ربما لم تعد موجودة بالشكل نفسه، لذلك بدأ فريق «دارك» يتعامل مع الطعام باعتباره «وثيقة ثقافية»، مستعينًا بأدوات البحث الأنثروبولوجي لجمع الحكايات وفهمها، قبل أن يأتي الفن ليعيد تقديمها من زاوية جديدة.

التراث يعيش بيننا

الفكرة لم تولد من فراغ؛ ففرقة «دارك» تعمل منذ سنوات على التراث والحكايات الشعبية، وخلال هذه الرحلة اكتشف القائمون عليها أن التراث لا يعيش فقط داخل الكتب أو في الحكايات المشهورة، بل موجود في تفاصيل الحياة اليومية؛ في طريقة إعداد الطعام، وفي الكلام المتداول بين الناس، وفي العادات، وفي الأماكن، وفي الذكريات التي يحتفظ بها كبار السن.

ومن هنا يحاول «عيش وفن» أن ينقل التعامل مع التراث من فكرة «الحفظ» إلى فكرة «الفهم»، فالأنثروبولوجيا، كما يشرح مهدي محمد، تتيح النظر إلى الحكاية الشعبية باعتبارها أكثر من قصة جميلة؛ إذ تفتح أسئلة حول سبب ظهورها، ومن كان يرويها، وما الذي تقوله عن المجتمع، وكيف تغيرت بمرور الزمن، ثم يأتي الفن ليمنح هذه المادة حياة جديدة.

قد تتحول حكاية عن أكلة شعبية إلى عرض مسرحي، لكن العرض في هذه الحالة لا يكون عن الأكلة وحدها؛ فمن خلالها يمكن الوصول إلى قضايا أكبر مثل الطبقة، والهجرة، والعلاقات الأسرية، والاقتصاد، والذاكرة، والتحولات الاجتماعية، وهنا تكمن الفكرة الأساسية للمشروع، إنتاج فن معاصر له جذور في المجتمع، لكنه لا يبقى أسيرًا للماضي.

 

من الحكاية إلى المسرح

في «عيش وفن»، لا ينظر إلى أهل المدينة باعتبارهم مجرد جمهور ينتظر مشاهدة العمل الفني في نهايته، بل يصبحون جزءًا من عملية إنتاجه منذ البداية.

الشباب هم أحد العناصر الأساسية في التجربة، إذ يستهدف المشروع تدريبهم على الكتابة للمسرح، وتصميم العرائس، والإخراج والحكي، إلى جانب تدريبهم على جمع الحكايات وإجراء المقابلات والتوثيق بالصوت والصورة، لكن في المقابل، هناك أصحاب الحكايات أنفسهم؛ كبار السن، والنساء، وأصحاب المهن المرتبطة بالطعام والأسواق، الذين يحتفظون بجزء كبير من الذاكرة المحلية.

وهنا تتغير العلاقة التقليدية بين الفنان والجمهور، فصاحب الحكاية لا يصبح مجرد شخص يروي قصة للفنان، والفنان لا يصبح مجرد شخص يأخذها ويقدمها على المسرح، وإنما تتحول العملية إلى مساحة مشتركة للبحث والتجريب وإعادة اكتشاف الذاكرة.

ويطمح المشروع مستقبلًا إلى أن يصبح برنامجًا مستدامًا يتناول في كل عام مفردة مختلفة من مفردات التراث المحلي، مع إنشاء أرشيف للحكايات والمواد البصرية، وإنتاج عروض فنية ومحتوى رقمي ومواد بحثية وتعليمية يمكن أن تصل إلى جمهور خارج شبين القناطر.

من «خمسينة حكاوي» إلى «عيش وفن»

لا تمثل التجربة بداية علاقة «دارك» بالتراث المحلي، وإنما تأتي امتدادًا لمشروعات سابقة، من بينها مشروع «خمسينة حكاوي قهاوي شبين القناطر» الذي بدأ عام 2022، إلى جانب ذلك، تعمل الفرقة من خلال مشروعاتها المسرحية ومشروعات العرائس على بناء مساحة يكون فيها الفن جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع، وليس نشاطًا منفصلًا عنه.

ومنذ تأسيس «دارك» في مارس 2012 بمدينة شبين القناطر، ارتبط المشروع بفكرة أوسع لدى القائمين عليه، تقوم على الإيمان بأن الفن ليس رفاهية، وإنما وسيلة لبناء الإنسان، وخلق مساحات للحوار، ومساعدة المجتمع على التعبير عن نفسه ومناقشة قضاياه.

ولذلك يعتمد «عيش وفن» على شبكة من الشراكات المحلية، من بينها توجيه التربية المسرحية في شبين القناطر وعدد من الجمعيات الأهلية، إلى جانب التعاون مع معهد جوته بالقاهرة في إطار برنامج «على مدد».

 

رحلة بدأت من الهندسة

وراء هذا المشروع رحلة شخصية لمهدي محمد نفسه، الذي لم يبدأ حياته المهنية من المسرح أو المجال الثقافي، وإنما درس الهندسة الكهربائية، لكن المسرح كان حاضرًا في حياته منذ الطفولة.

وفي الثامنة من عمره شارك في المسرح المدرسي، ثم واصل التجربة خلال مراحل الدراسة، قبل أن ينضم بعد التخرج إلى فرق حرة وهواة، ويشارك في ورش للتمثيل والكتابة والإخراج.

وظلت الهندسة جزءًا من مساره، لكن الفن بدأ يأخذ مساحة أكبر، خصوصًا بعد يناير 2011، حين دفعته التحولات التي شهدها المجتمع إلى التفكير في دور الثقافة والفنون في مواجهة أزمات مثل قبول الآخر وحرية الرأي والتعبير.

في تلك اللحظة بدأ السؤال الحقيقي، ماذا يستطيع أن يفعل؟، كانت الإجابة بالنسبة إليه هي العودة من القاهرة إلى مجتمعه المحلي، والعمل وسط الناس.

لم تكن العودة مجرد تغيير في المكان، وإنما كانت اختيارًا لفكرة يؤمن بها؛ أن يكون الفن وسيلة «للعمل مع الناس»، وليس فقط «العمل من أجل الناس».

ومن هنا أصبحت «دارك» بالنسبة إليه مشروعًا يجمع بين الفن والعمل المجتمعي، ويمنح الناس مساحة للتعبير والتعلم والتجريب والاختلاف، وفي الوقت نفسه لاكتشاف حكاياتهم وذاكرتهم.

الفنان لا يملك الإجابات

ربما تختصر فلسفة «عيش وفن» كلها في رؤية مهدي محمد لدور الفنان، هو لا يرى أن مهمة الفنان أن يقف أمام الجمهور ليخبره بما يجب أن يفكر فيه، وإنما أن يساعده على اكتشاف الأسئلة التي ربما لم يفكر فيها من قبل، بحسب مهدي: «أهم ما يمكن أن يفعله الفنان ليس أن يقدم إجابات جاهزة للناس، وإنما أن يساعدهم على طرح الأسئلة الصحيحة».

وهكذا تصبح أكلة شعبية نقطة بداية لحوار أكبر، وتتحول حكاية قديمة إلى مادة لفهم الحاضر، ويصبح التراث وسيلة لاكتشاف المجتمع بدلًا من أن يكون مجرد صورة محفوظة من الماضي.

في النهاية، لا يحاول «عيش وفن» أن يقول للناس تعالوا نشاهد تراث أجدادكم، وإنما يطرح سؤالًا أكثر قربًا من حياتهم، ماذا يقول هذا التراث عن حياتنا نحن اليوم؟، وربما هنا تحديدًا تكمن قوة الفكرة؛ في أن الأشياء التي نمر بها كل يوم دون أن نتوقف أمامها، قد تحمل في داخلها ذاكرة مجتمع كامل.

زر الذهاب إلى الأعلى