حوارات

د. خالد عزب في حوار خاص لـ«ليبرالي»: مصر فقدت هويتها العمرانية.. والمدن الجديدة تحولت إلى «مدن أشباح»

الفائز بجائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع لـ«ليبرالي»: الآثار الإسلامية ليست بنايات معزولة.. وغياب التنمية المستدامة يفقد المدن التراثية روحها ويحرم مصر من موارد ضخمة

 

  • د. خالد عزب: غياب التنمية المستدامة عن المدن التراثية يفقدها روحها ويحرم مصر من موارد ضخمة
  • بعض المدن الجديدة تحولت إلى «مدن أشباح» بسبب تجاهل طبيعة المجتمعات
  • مشروعي القادم كتاب عن عمارة الجامع الأزهر من العصر الفاطمي إلى القرن العشرين
  • الآثار الإسلامية ليست بنايات مستقلة.. والمجتمع جزء أساسي من عمليات الحفاظ

حصل الدكتور خالد عزب، الباحث والمؤرخ المصري المتخصص في الآثار الإسلامية، على جائزة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للإبداع في دورتها الثانية عشرة لعامي 2025-2026، في مجال «المدينة العربية وقضاياها ومشروعاتها العمرانية»، عن كتابه «المدينة الإسلامية: تراث البهجة والعمران»، في إنجاز يعكس أهمية الدراسات التي تربط بين التراث العمراني العربي وقضايا المدينة المعاصرة.

وتعد الجائزة من أبرز الجوائز التي تمنح في المملكة الأردنية الهاشمية في هذا المجال، وجاء فوز الكتاب تقديرًا لما يطرحه من رؤية تتناول المدينة الإسلامية من منظور يتجاوز دراسة المباني منفردة، إلى فهم علاقتها بالمجتمع والعمران والتحولات التي شهدتها المدينة العربية.

وفي حوار خاص مع «ليبرالي»، يتحدث الدكتور خالد عزب عن كواليس فوزه بالجائزة، ولماذا لم يكن يتوقع الحصول عليها، ويكشف عن مشروعه البحثي المقبل حول عمارة الجامع الأزهر، كما يطرح رؤيته لأزمة التخطيط العمراني في مصر، ومستقبل المدن الجديدة، وضرورة إعادة النظر في سياسات الحفاظ على الآثار والمباني ذات القيمة التاريخية.

ويتطرق الحوار أيضًا إلى واقع الآثار الإسلامية في مصر، وأهمية إدماج المجتمعات المحلية في عمليات الحفاظ على المناطق التراثية، وضرورة الانتقال من مفهوم حماية المبنى الأثري إلى الحفاظ على المدينة التراثية باعتبارها منظومة متكاملة.

بعد الفوز بجائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع.. ما المشروع البحثي القادم الذي تستعد له؟

مشروعي القادم هو كتاب عن عمارة الجامع الأزهر، إذ لا يعقل ألا يصدر في مصر كتاب عن الجامع الذي تلخص عمارته تاريخ العمارة والفنون والخط العربي في مصر، من العصر الفاطمي إلى القرن العشرين.

فالجامع الأزهر يمثل جامعة لكل العناصر المعمارية والزخرفية التي ميزت العمارة المصرية في تلك العصور، ومن ثم فإن دراسة عمارته تتيح قراءة جانب مهم من تاريخ الفن والعمارة في مصر عبر قرون طويلة.

هل كنت تتوقع الفوز بجائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع؟

في الحقيقة، لم أكن أتوقع الفوز بالجائزة، لكن موضوع الكتاب كان هو موضوع جائزة هذا العام، فقد طرحت فيه بُعدين أساسيين؛ المدينة التراثية الإسلامية والمدينة المعاصرة، وهو ما رشح الكتاب للفوز.

كتاب المدينة الإسلامية.. تراث البهجة والعمران: كتاب يوثق ملامح ومكونات المدينة الإسلامية وتاريخها، وحاز بسببه على جائزة الملك عبد الله الثاني للإبداع.

وأعتقد أن أهمية الكتاب تأتي من محاولته الربط بين التراث العمراني وقضايا المدينة الحديثة، وعدم النظر إلى التراث باعتباره مجرد ماضٍ منفصل عن حاضرنا.

كيف ترى التعامل مع ملف الآثار الإسلامية في مصر؟

أولًا، التعامل يجري وفق ما هو متاح، وهناك حاليًا مشروعات جيدة، كما يرأس قطاع الآثار الإسلامية عالم جليل هو الدكتور ضياء زهران، وهناك جهود ومشروعات جيدة في هذا المجال، لكن الوصول إلى نظرة شاملة تقود إلى الحفاظ على الآثار الإسلامية يحتاج إلى تغيير في فلسفة إدارة الآثار الإسلامية.

ومن المهم أيضًا اعتبار المجتمع الساكن في المناطق التراثية جزءًا من عمليات الحفاظ؛ فالآثار ليست بنايات مستقلة عن محيطها، وإنما هي جزء من المجتمع والمدينة وحياة الناس.

وبالتالي، فإن مفهوم التنمية المستدامة للمدن الأثرية يغيب عن مصر، وهذا الأمر يفقد هذه المدن روحها، كما يفقد مصر موارد ضخمة كان من الممكن أن تأتي لو جرى العمل وفق هذا المفهوم.

والحفاظ على الأثر لا يعني تجميده أو عزله عن الحياة، وإنما يجب أن يكون جزءًا من منظومة تنموية متكاملة، تحافظ على قيمته التاريخية والمعمارية، وفي الوقت نفسه تجعل المجتمع المحيط به شريكًا ومستفيدًا من عملية الحفاظ.

لذلك نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم حماية المبنى الأثري إلى مفهوم أوسع هو حماية المدينة التراثية بكل عناصرها؛ الإنسان، والمبنى، والنسيج العمراني، والحرف التقليدية، والأنشطة الاقتصادية والثقافية المرتبطة بالمكان.

ماذا تنتظر من مصر في مجال التخطيط والعمران والحفاظ على التراث؟

في الحقيقة، هناك فجوة وتناقض في مجال التخطيط والعمران في مصر، وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة شاملة.

يجب أن نسأل: كيف نخطط مدننا بما يجعلها تستجيب لمتطلبات المجتمع؟، فالمدن ليست بنايات، ولكنها مجتمع يعمر ويعيش فيها، وعليه فإن البناء ركن يحتاج إلى جانبه أركان أخرى.

ومن هنا، فإن تجربة المدن الجديدة في مصر تحتاج إلى مراجعة شاملة، لأن نجاح المدينة لا يقاس فقط بعدد المباني التي شُيدت، وإنما بقدرتها على توفير مجتمع حي ومتفاعل وقادر على الاستقرار فيها.

هل ترى أن طبيعة المجتمع يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من عملية التخطيط العمراني؟

بالتأكيد، يجب دراسة طبيعة المجتمعات في مصر قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بإنشاء مجتمع عمراني، فالصعيد، على سبيل المثال، له طبيعته الخاصة، وإذا جرى أخذ هذه الطبيعة في الاعتبار، ستختلف حركة العمران.

وهذا أحد أسباب تحول بعض المدن الجديدة إلى مدن أشباح بلا سكان؛ لأن التخطيط العمراني لا يمكن أن ينجح بمعزل عن دراسة المجتمع الذي يفترض أن يعيش داخل هذه المدن.

المدينة ليست مجموعة مبانٍ فقط، وإنما هي علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وإذا لم نضع هذه العناصر في الاعتبار عند التخطيط، فإننا قد ننشئ مباني وطرقًا وأحياء، لكننا لا ننشئ بالضرورة مدينة حقيقية.

د. خالد عزب: حماية الأثر لا تعني تجميده.. ونحتاج إلى الانتقال من المبنى الأثري إلى «المدينة التراثية».. وماذا عن الحفاظ على الآثار والمباني ذات القيمة التاريخية في مصر؟

أما الحفاظ على الآثار، فإن سياسة وزارة الآثار التي سنها وزير الآثار السابق خالد العناني بشطب الآثار يجب أن تراجع، وأن يعاد تسجيل ما شطب.

كما يجب تسجيل آثار لم تسجل حتى الآن، مثل دار القضاء العالي، ومعهد الموسيقى العربية، وقصر سعيد حليم، وغيرها كثير.

فهذه المباني ليست مجرد منشآت قديمة، وإنما تمثل أجزاء من تاريخ مصر وهويتها العمرانية والمعمارية، والحفاظ عليها يجب أن يكون جزءًا من رؤية أشمل للتعامل مع التراث.

ما رسالتك إلى أصحاب القرار فيما يخص التخطيط والعمران والحفاظ على التراث؟

يجب أن تجرى مراجعات شاملة، مصر فقدت هويتها العمرانية والمعمارية، وهذه الهوية لا يمكن استعادتها من خلال التعامل مع المباني منفردة، وإنما من خلال رؤية متكاملة للمدينة والمجتمع معًا.

كما يجب دراسة طبيعة المجتمعات في مصر قبل اتخاذ قرار أي مجتمع عمراني جديد.

الصعيد له طبيعته، والقاهرة لها طبيعتها، والمدن الساحلية لها طبيعتها، وبالتالي لا يمكن أن يكون لدينا نموذج عمراني واحد يصلح لكل المجتمعات المصرية.

إذا جرى أخذ طبيعة المجتمع في الاعتبار، ستختلف حركة العمران، وسنكون أمام مدن أكثر قدرة على الحياة والاستمرار، بدلًا من إنشاء تجمعات عمرانية لا تجد طريقها إلى الاستقرار السكاني.

وفي النهاية، فإن التخطيط الناجح ليس هو الذي يبني أكبر عدد من المباني، وإنما الذي يبني مدينة قادرة على الحياة وتحافظ على هويتها وتستجيب لاحتياجات الإنسان الذي يعيش فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى