التصعيد الإعلامي بين أسمرة وأديس أبابا.. هل تمهد الحرب على السردية لمواجهة جديدة في القرن الأفريقي؟

لم يعد التوتر بين إريتريا وإثيوبيا يقتصر على الخلافات الدبلوماسية أو التباينات الأمنية، بل انتقل خلال الأسابيع الأخيرة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها “الحرب على السردية”، فبينما تواصل الحكومة الإثيوبية طرح قضية “الوصول السيادي إلى البحر” باعتبارها ضرورة استراتيجية لمستقبل الدولة الإثيوبية، تتحرك أسمرة في المقابل لإعادة تعريف هذا الخطاب باعتباره مشروعًا سياسيًا يمهد للمساس بسيادة الدول المجاورة، وعلى رأسها إريتريا.

وفي هذا السياق، اكتسبت المنشورات الأخيرة لوزير الإعلام الإريتري، يماني جبر مسقل، أهمية استثنائية، ليس لأنها تضمنت انتقادات لأديس أبابا، وإنما لأنها مثلت تحولاً في طبيعة الخطاب الرسمي الإريتري؛ حيث انتقل من الاكتفاء بنفي الاتهامات والرد على التصريحات الإثيوبية، إلى بناء رواية سياسية متكاملة تستهدف الداخل الإريتري، والرأي العام الإقليمي، والفاعلين الدوليين في آن واحد. 

ويعكس هذا التحول إدراك القيادة الإريترية أن الصراع المقبل إن وقع لن يبدأ بإطلاق النار، بل سيبدأ بمحاولة كل طرف فرض روايته بشأن أسباب الأزمة، وتحميل الطرف الآخر المسؤولية السياسية والقانونية عن أي تصعيد.

رصد الخطاب الرسمي الإريتري
خلال أقل من يومين، نشر وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل، منشورين متتاليين عبر حسابه الرسمي على منصة “أكس”، شكلا معًا رسالة سياسية متكاملة.

في المنشور الأول، ركز الوزير يماني، على رفض الخطاب الإثيوبي المتعلق بالحصول على منفذ بحري، معتبرًا أن إثيوبيا تحاول إضفاء شرعية على مطالب تمس سيادة الدول المجاورة، وأن الحديث المتكرر عن الوصول السيادي إلى البحر الأحمر، يعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي الإثيوبي يتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى اعتبارات جيوسياسية وعسكرية.
 
أما المنشور الثاني؛ فقد اتخذ منحى أكثر حدة، إذ اتهم وسائل الإعلام الرسمية الإثيوبية، وعلى رأسها وكالة الأنباء الإثيوبية وهيئة البث ووكالة فانا، بقيادة حملة إعلامية ممنهجة ضد إريتريا، تقوم وفق الرواية الإريترية على أربع ركائز رئيسية:-

  • التشكيك في شرعية استقلال إريتريا.
  • الترويج لفكرة الحصول على منفذ بحري بالتفاوض أو بالقوة.
  • إثارة قضية جزر “دهلك” باعتبارها امتدادًا للعمق الاستراتيجي الإثيوبي.
  • تقديم مبررات اقتصادية للحرب بدعوى تقليل تكاليف استخدام الموانئ.

ولم يكتف الوزير بعرض هذه النقاط، بل وصفها بأنها خطوط حمراء واعتبر أم أي دولة ذات سيادة لا يمكنها القبول بمثل هذا الخطاب، قبل أن يربط السياسة الإثيوبية بملفات إقليمية أخرى، مثل مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، والأزمة السودانية، معتبرًا أن أديس أبابا أصبحت من وجهة النظر الإريترية عاملاً في إنتاج الأزمات داخل القرن الأفريقي.


لماذا اختارت أسمرة هذا التوقيت؟
السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمضمون المنشورات، وإنما بتوقيتها، فإريتريا اعتادت خلال السنوات الماضية الرد على التصريحات الإثيوبية بصورة محدودة، إلا أن الانتقال إلة خطاب تصعيدي متكرر خلال فترة قصيرة يعكس وجود تقدير سياسي داخل أسمرة، بأن البيئة الإقليمية تشهد تحولًا قد يفرض إعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي.

هناك أربعة عوامل رئيسية تفسر هذا التوقيت:
أولاً، تزايد حضور قضية البحر في الخطاب الرسمي الإثيوبي، فمنذ أن أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد أن حصول إثيوبيا على منفذ بحري يمثل قضية وجودية، لم تعد أسمرة تنظر إلى هذا الطرح باعتباره مجرد نقاش اقتصادي، وإنما بوصفه تحولاً في العقيدة الجيوسياسية الإثيوبية، خصوصًا مع تكرار الحديث عن “الحقوق التاريخية، والمصالح الاستراتيجية”.

ثانيًا، التحولات داخل إثيوبيا نفسها، فالحكومة الإثيوبية تواجه تحديات متشابكة، تشمل استمرار الاضطرابات في إقليمي أمهرة وأوروميا، وصعوبات تنفيذ اتفاق بريتوريا بصورة كاملة، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية المتزايدة، ومن منظور إريتري، قد يدفع هذا الواقع القيادة الإثيوبية إلى تعزيز الخطاب القومي المرتبط بالبحر لتوحيد الجبهة الداخلية.

ثالثًا، التغيرات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر، فقد تحولت المنطقة خلال العامين الماضيين إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي، في ظل الحرب في السودان، وتصاعد أهمية الممرات البحرية، وازدياد اهتمام القوى الدولية بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، ترى أسمرة أن أي نقاش حول الموانئ أو الجزر لم يعد شأنًا ثنائيًا، بل أصبح جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي.

أما العامل الرابع، فهو رغبة أسمرة في نقل الخلاف إلى الساحة الدولية، فبدلاً من الاكتفاء بالرد على أديس أبابا، تسعى إريتريا إلى ترسيخ رواية مفادها أن إثيوبيا هي الطرف الذي يغير قواعد النظام الإقليمي عبر التشكيك في الحدود والسيادة، بما يمنح أسمرة أفضلية سياسية إذا تصاعدت الأزمة مستقبلاً.

من الحرب العسكرية إلى حرب السرديات
يكشف خطاب وزير الإعلام الإريتري عن تحول واضح في مفهوم الردع، فبدلاً من التلويح بالرد العسكري، تركز أسمرة على ردع الخطاب السياسي نفسه، عبر وصفه بأنه مقدمة لتبرير أي تحرك مستقبلي.

وهذا يعني أن القيادة الإريترية لا تعتبر الإعلام الإثيوبي مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تنظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة صناعة القرار السياسي، وأن الرسائل التي تبثها المؤسسات الرسمية ليست معزولة عن التفكير الاستراتيجي للدولة.

لذلك؛ فإن استهداف الوزير لوسائل الإعلام الرسمية بالاسم لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل محاولة لإثبات أن الخطاب الصادر عنها يعكس سياسة حكومية منظمة، وليس اجتهادات إعلامية فردية.

الرسائل الاستراتيجية الكامنة خلف الخطاب الإريتري..  من الرد الإعلامي إلى إعادة بناء ميزان الردع
إذا كان من الخطأ قراءة منشورات وزير الإعلام الإريتري باعتبارها مجرد ردود فعل على ما تنشره وسائل الإعلام الإثيوبية، فإن الخطأ الأكبر يتمثل في فصلها عن التحولات التي يشهدها القرن الأفريقي منذ توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022.

فمنذ انتهاء حرب تيجراي، لم تتجه المنطقة نحو الاستقرار الكامل، بل انتقلت بؤرة التوتر تدريجيًا إلى ملفات جديدة، أبرزها مستقبل العلاقة بين أسمرة وأديس أبابا، ومستقبل البحر الأحمر، وحدود النفوذ الإقليمي.

في هذا السياق، يبدو أن القيادة الإريترية تنظر إلى الخطاب الإثيوبي حول الوصول السيادي إلى البحر، باعتباره إعادة صياغة للعقيدة الجيوسياسية الإثيوبية، وليس مجرد مطلب افتصادي، ومن هنا، فإن الرد الإريتري لم يعد يقتصر على تفنيد التصريحات، وإنما يسعى إلى إعادة تعريف طبيعة التهديد أمام  المجتمع الدولي.

أولاً: لماذا استهدف يماني جبر مستقل الإعلام الإثيوبي؟
اللافت في المنشور الأخير أنه لم يهاجم رئيس الوزراء آبي أحمد بصورة مباشرة، بل ركز على المؤسسات الإعلامية الرسمية، مثل وكالة الأنباء الإثيوبية وهيئة البث ووكالة فانا.

هذا الاختيار يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ تسعى أسمرة إلى الإيحاء بأن ما يُبث عبر هذه المنصات لا يمثل آراء إعلامية، بل يعكس اتجاهًا رسميًا للدولة الإثيوبية وبهذا، يصبح الإعلام جزءًا من أدوات السياسة الخارجية، وليس مجرد ناقل لها.

كما تحاول إريتريا، من خلال هذا الطرح، إثبات أن أي تصعيد مستقبلي لن يكون مفاجئًا، وإنما سبقه تمهيد إعلامي ونفسي داخل إثيوبيا، بما يسمح لها مستقبلاً بالقول إن الحرب إن وقعت لم تكن نتيجة حادث حدودي، بل نتيجة خطاب سياسي وإعلامي متراكم.

ثانيًا: البحر الأحمر .. جوهر الأزمة وليس عنوانها
رغم أن الخطاب الإثيوبي يربط قضية المنفذ البحري بالاعتبارات الاقتصادية، فإن القراءة الإريترية تتجاوز هذا التفسير.

فمن منظور أسمرة، فإن امتلاك إثيوبيا منفذًا سياديًا على البحر الأحمر لا يُعني فقط خفض تكاليف التجارة، بل يُعني إعادة توزيع موازين القوة في القرن الأفريقي.

ولهذا السبب، لم يتعامل وزير الإعلام الإريتري مع قضية البحر باعتبارها ملفًا تفاوضيًا، وإنما باعتبارها قضية سيادة غير قابلة للنقاش.

كما أن إدراج جزر دهلك ضمن الخطاب الإريتري يعكس قناعة بأن أي نقاش حول العمق الاستراتيجي، قد يتحول مستقبلاً إلى مبرر للمطالبة بترتيبات أمنية أو عسكرية تمس الأراضي الإريترية.

ثالثًا: اتفاق بريتوريا .. نهاية حرب وبداية خلاف جديد
يكشف التعصيد الحالي أن اتفاق بريتوريا لم ينه جميع تداعيات حرب تيجراي، فإريتريا، التي شاركت عسكريًا في الحرب إلى جانب الجيش الإثيوبي، كانت تتوقع أن يفضي الافتقا إلى ترتيبات أمنية تراعي مصالحها، لكنها وجدت نفسها تدريجيًا خارج كثير من التفاهمات اللاحقة.

ومن هنا، تنظر أسمرة إلى محاولات أديس أبابا إعادة بناء علاقاتها مع بعض القوى الدولية والإقليمية باعتبارها قد تأتي على حساب المصالح الإريترية، خاصة إذا اقترنت بإعادة طرح ملف البحر الأحمر، لذلك، فإن الخطاب الإريتري الحالي يعكس أيضًا إعادة تموضع سياسي بعد مرحلة ما بعد بريتوريا، أكثر مما يعكس مجرد خلاف إعلامي.

رابعًا: السودان البعد الغائب في الأزمة
لم يكن من المصادفة أن يربط وزير الإعلام الإريتري بين الخطاب الإثيوبي والأزمة السودانية، فالخرطوم تمثل بالنسبة لأسمرة عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الإقليمي، واستمرار الحرب السودانية أوجد فراغًا استراتيجيًا على الضفة الغربية للبحر الأحمر، وزاد من تعقيد حسابات جميع الفاعلين.

وعندما تشير أسمرة إلى ما تعتبره دورًا إثيوبيًا في الأزمة السودانية، فهي لا تسعى فقط إلى توجيه انتقاد سياسي، بل إلى تقديم صورة أشمل مفادها أن السياسة الإثيوبية أصبحت  من وجهة نظرها  مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي.

وبذلك، تحاول إريتريا توسيع نطاق القضية، بحيث لا تبدو أزمة ثنائية مع إثيوبيا، وإنما جزءًا من نمط إقليمي أوسع.