اتهامات بتدخل قوات الدعم السريع في تيجراي.. قراءة في دلالات التوقيت واحتمالات التصعيد الإقليمي 

أثار البيان الصادر عن قوات دفاع تيجراي، والذي اتهم قوات الدعم السريع السودانية بالمشاركة إلى جانب الجيش الإثيوبي في عمليات عسكرية ضد الإقليم، تساؤلات جديدة حول طبيعة التحولات الأمنية في القرن الأفريقي، وإمكانية انتقال الصراعات الداخلية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا عبر انخراط أطراف إقليمية فيها، ورغم أن هذه الاتهامات لم تؤكدها الحكومة الإثيوبية أو قوات الدعم السريع، فإنها تمثل مؤشرًا يستحق التحليل، ليس فقط من زاوية صحتها، وإنما من زاوية الرسائل السياسية التي يسعى البيان إلى إيصالها.

 أولاً: دلالات توقيت الاتهام

جاء البيان في مرحلة تشهد فيها إثيوبيا حالة من التوتر السياسي والأمني، رغم مرور سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى رسميًا الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي.

فقد واجهت الاتفاق منذ توقيعه تحديات تتعلق بتنفيذ بنوده، خاصة ما يرتبط بملفات نزع السلاح، وعودة النازحين، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وهو ما  جعل السلام هشًا وقابلًا للاهتزاز مع أي تطور ميداني.

 وفي الوقت نفسه، لا تزال الحرب في السودان تلقي بظلالها على دول الجوار، في ظل الحدود المفتوحة، وحركة اللاجئين، واتهامات متبادلة بشأن انتقال السلاح والمقاتلين، لذلك فإن الإشارة إلى قوات الدعم السريع في هذا التوقيت لا تبدو عشوائية، بل تعكس محاولة لربط التطورات داخل إثيوبيا بالمشهد الإقليمي الأوسع.

ثانيًا: لماذا ذُكى الدعم السريع؟

هناك عدة تفسيرات محتملة وراء توجيه الاتهام إلى قوات الدعم السريع.

الأول أن قوات تيجراي تسعى إلى تصوير الصراع باعتباره لم يعد مواجهة داخلية مع الحكومة الإثيوبية، بل أصبح يضم أطرافًا خارجية، بما يمنحها مبررًا سياسيًا للمطالبة باهتمام دولي أكبر.

أما التفسير الثاني، فيرتبط بطبيعة البيئة الأمنية الحالية في المنطقة، حيث أدت الحرب السودانية إلى إضعاف الرقابة على الحدود، وزيادة المخاوف من انتقال عناصر مسلحة أو شبكات تهريب بين البلدين، وهو ما يغذي الشكوك حتى في غياب أدلة معلنة.

التفسير الثالث يتعلق بالحرب الإعلامية، إذ تعتمد أطراف النزاعات المسلحة على البيانات السياسية لبناء روايتها الخاصة، وحشد الرأي العام الداخلي، والتأثير في مواقف المجتمع الدولي، وهو ما يجعل مثل هذه الاتهامات جزءًا من معركة الروايات بقدر ما هي جزء من المعركة العسكرية.

ثالثًا: هل يخدم التدخل إن صح مصالح الدعم السريع؟

حتى الآن لا توجد معلومات مستقلة تؤكد مشاركة قوات الدعم السريع في القتال داخل إثيوبيا، لكن من الناحية التحليلية، فإن أي انخراط مباشر في الساحة الإثيوبية سيحمل مخاطر كبيرة على هذه القوات، التي تواجه بالفعل حربًا مفتوحة داخل السودان وتحديات عسكرية وسياسية متزايدة.

ومن ثم، فإن فتح جبهة جديدة خارج الحدود قد يضاعف الضغوط عليها، إلا إذا كان هذا التدخل إن وجد يقتصر على أشكال محدودة من التعاون اللوجستي أو الاستخباراتي، وهو أمر لا يمكن تأكيده في ظل غياب الأدلة.

وفي المقابل، قد يكون إدراج اسم الدعم السريع في البيان محاولة من قوات تيجراي لتوسيع نطاق القضية وإبرازها باعتبارها أزمة إقليمية، بما يزيد من فرص اهتمام المنظمات الدولية بها.

رابعًا : الانعكاسات على إثيوبيا

إذا استمرت الاتهامات المتبادلة بين الأطراف، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقويض الثقة التي قام عليها اتفاق بريتوريا، خاصة إذا اعتبرت قوات تيجراي أن الحكومة الإثيوبية استعانت بقوة خارجية في إدارة الصراع.

كما قد يدفع ذلك الحكومة الإثيوبية إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، وهو ما يزيد من احتمالات تجدد المواجهات المسلحة في شمال البلاد، ويؤخر جهود إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية.

خامسًا: التأثير على القرن الأفريقي 

تكمن خطورة هذه الاتهامات في أنها تأتي في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية، فالقرن الأفريقي يشهد أصلاً أزمات متزامنة تشمل الحرب السودانية، والتوترات الإثيوبية الداخلية، والخلافات الحدودية، والتنافس الدولي على البحر الأحمر.

وأي توسع في دائرة الصراع قد يؤدي إلى زيادة تدفقات اللاجئين، وارتفاع مخاطر تهريب السلاح، وتعقيد جهود الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، كما قد يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الإقليمية والدولية.

سادسًا: السيناريوهات المحتملة 

السيناريو الأول: احتواء الأزمة، يتمثل في نفس رسمي للاتهامات واستمرار الالتزام باتفاق بريتوريا، مع تجنب أي تصعيد عسكري جديد، ويظل هذا السيناريو ممكنًا إذا تحركت الوساطات الإقليمية بسرعة.

السيناريو الثاني: تصعيد إعلامي دون مواجهة واسعة، تستمر الأطراف في تبادل الاتهامات واستخدام الحرب الإعلامية دون انتقالها إلى عمليات عسكرية كبيرة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.

السيناريو الثالث: اتساع نطاق الصراع، ويتمثل في دخول أطراف جديدة إلى المواجهة أو تصاعد العمليات العسكرية على الحدود الإثيوبية السودانية، وهو سيناريو ستكون له تداعيات خطيرة على أمن القرن الأفريقي لكنه يحتاج إلى مؤشرات ميدانية أقوى مما هو متوافر حاليًا.

تقدير موقف

تعكس الاتهامات التي وجهتها قوات دفاع تيغراي حالة الهشاشة التي لا تزال تميز المشهد الإثيوبي بعد اتفاق بريتوريا، كما تكشف عن استمرار استخدام الخطاب السياسي والإعلامي كأداة في إدارة الصراع، وحتى الآن لا توجد أدلة مستقلة تؤكد مشاركة قوات الدعم السريع في العمليات العسكرية داخل تيغراي، الأمر الذي يستوجب التعامل مع هذه المزاعم بحذر، مع نسبها إلى مصدرها.

ومع ذلك، فإن أهمية البيان لا تكمن فقط في صحة الاتهامات أو عدمها، بل في كونه يعكس مخاوف متزايدة من تحول الأزمات المتزامنة في السودان وإثيوبيا إلى أزمات مترابطة، بما قد يغير طبيعة التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي.

 ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة ستتوقف إلى حد كبير على قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع انتقال الصراعات عبر الحدود، والحفاظ على مسارات التسوية السياسية، بما يحد من احتمالات انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار.