أسعار الورق تشتعل والمعارض تتأجل.. صراعات الخليج تربك النشر وتهدد صناعة الكتاب
ناشرون ومثقفون: ارتفاع التكاليف وتراجع المبيعات يهددان صناعة النشر والفعاليات الثقافية

لم تعد تداعيات الصراع الدائر في منطقة الخليج العربي تقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية أو الاقتصادية، بل امتدت لتطال أحد أهم روافد القوة الناعمة في مصر والعالم العربي، وهو قطاع النشر وصناعة الكتاب، ففي الوقت الذي تتأثر فيه حركة التجارة العالمية وطرق الملاحة البحرية وأسعار الطاقة، يجد الناشر المصري نفسه أمام موجة جديدة من التحديات، تبدأ بارتفاع تكلفة الورق والطباعة والشحن، وتنتهي عند تراجع القدرة الشرائية للقارئ، وتأجيل بعض المعارض العربية التي تمثل ركيزة أساسية في اقتصاد صناعة النشر.
وأجمع عدد من الناشرين والمثقفين والمتخصصين في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، على أن استمرار التوترات الإقليمية يهدد مستقبل صناعة الكتاب في مصر، ويضع الفعاليات الثقافية الكبرى، وعلى رأسها معرض القاهرة الدولي للكتاب، أمام تحديات غير مسبوقة، مؤكدين أن دعم الدولة لهذا القطاع أصبح ضرورة تتجاوز البعد الثقافي إلى اعتبارات الأمن القومي.

زياد إبراهيم: صناعة النشر لم تتعافَ منذ كورونا والحرب ضاعفت الأعباء
ما زالت صناعة الكتاب في مصر تعاني من تداعيات أزمة جائحة كورونا، التي تركت آثارًا عميقة على مختلف حلقات صناعة النشر، هذا ما يؤكده زياد إبراهيم عبد المجيد، مدير عام بيت الياسمين للنشر والتوزيع، والذي أكد كذلك أن القطاع لم يستطع حتى الآن استعادة كامل عافيته، وأوضح “عبد المجيد” أن صناعة النشر تواجه ضغوطًا اقتصادية متراكمة، الأمر الذي يستدعي تدخلًا حقيقيًا من الجهات المعنية عبر تقديم التيسيرات والحوافز والسياسات الداعمة، حتى تتمكن دور النشر من الاستمرار في أداء دورها الثقافي.
ويشير زياد إلى أن أبرز المشكلات تتمثل في الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها الورق وخامات الطباعة، والأمر الذي أدى إلى زيادة تكلفة إصدار الكتب، وانعكس بصورة مباشرة على أسعارها، وبالتالي على حجم المبيعات والإصدارات الجديدة.
وأضاف أن التوترات الجيوسياسية الراهنة، وفي مقدمتها الحرب الدائرة في منطقة الخليج، ساهمت في زيادة الضغوط على القطاع نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن والخامات، ما أدى إلى تحميل دور النشر أعباء إضافية في وقت تعاني فيه الأسواق من تراجع القوة الشرائية.
ورغم تلك التحديات، أكد “عبد المجيد” أن معرض القاهرة الدولي للكتاب سيظل أحد أهم الأحداث الثقافية في العالم العربي، مشيرًا إلى أن القارئ المصري يمتلك وعيًا وثقافة حقيقية، وهو ما ساهم في استمرار نجاح المعرض على مدار عقود طويلة، مشددًا على أن دعم صناعة الكتاب لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة للحفاظ على مكانة مصر الثقافية وريادتها في محيطها العربي.

عماد العدلي: عندما يخسر المواطن شراء الكتاب يلجأ بعضهم للنسخ المقرصنة
من جانبه، أكد الكاتب والناشر عماد العدلي، مدير عام مكتبة البحر الأحمر حاليًا، والمستشار الثقافي للمكتبة العامة بجمهورية مصر، أن أي أزمة اقتصادية تنعكس بشكل مباشر على صناعة الكتاب، سواء كانت ناتجة عن التضخم أو عن الحروب الإقليمية.
وقال إن القارئ عندما يجد نفسه مضطرًا للاختيار بين احتياجات أسرته الأساسية وبين شراء كتاب، فمن الطبيعي أن يمنح الأولوية لمتطلبات المعيشة، وهو ما أدى إلى تراجع معدلات شراء الكتب خلال الفترة الأخيرة، مضيفًا أن بعض القراء الذين لا يستطيعون الاستغناء عن القراءة أصبحوا يلجؤون إلى الكتب المقرصنة أو المزورة، وهو سلوك لم يكن كثير منهم يتصور أن يلجأ إليه، لكنه فرضته الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأشار إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على القارئ، وإنما امتدت إلى المؤسسات الثقافية نفسها، حيث أغلقت بعض المكتبات أبوابها، بينما تواجه بعض دور النشر صعوبات كبيرة في الاستمرار، مؤكدًا أن صناعة الكتاب تمثل قضية أمن قومي، وأن الاستثمار في القراءة يعني الاستثمار في الإنسان.
وأضاف “العدلي” لـ”ليبرالي”:” حينما تكسب قارئًا فأنت في المقابل تخسر إرهابيًا، وتخسر متطرفًا، وتخسر مجرمًا، وتخسر جاهلًا، ولذلك فإن دعم القراءة ليس دعمًا لسلعة، وإنما هو دعم لبناء الإنسان”، موضحًا أن المشكلة الأخطر تتمثل في خروج بعض القراء من دائرة القراءة، دون دخول أجيال جديدة إليها، وهو ما يهدد مستقبل الثقافة في المجتمع.
وأوضح أن الدولة تتحمل مسؤولية كبيرة في دعم صناعة النشر خلال هذه المرحلة، خاصة أن الأزمات الحالية حقيقية وليست مفتعلة، مشيرًا إلى أن تخفيف أعباء الإنتاج عن الناشرين سيكون له أثر مباشر على استمرار الصناعة.

محمد البعلي: المعارض العربية أصبحت شريانًا اقتصاديًا للناشرين وتأجيلها يهدد الصناعة
أما الكاتب والناشر محمد البعلي، مدير دار صفصافة للنشر ومؤسس ملتقى القاهرة الأدبي، فأكد أن الحرب في منطقة الخليج تجاوزت آثارها الجانب الأمني، لتنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والثقافة في مختلف الدول العربية، ومنها مصر.
وأوضح أن عددًا من دور النشر المصرية، خاصة الكبيرة والمتوسطة، تأثر بتأجيل بعض المعارض العربية الكبرى في الخليج، فضلاً عن حالة القلق التي تحيط بمعارض أخرى، وهو ما ينعكس على خطط النشر والتوزيع.
وأشار إلى أن المعارض العربية أصبحت تمثل نسبة كبيرة من إيرادات دور النشر المصرية، خاصة في ظل تراجع مساهمة المكتبات التقليدية في المبيعات نتيجة انخفاض القوة الشرائية داخل السوق المحلية.
وأضاف “البعلي” أن العديد من المؤسسات العربية تخصص ميزانيات شراء الكتب خلال المعارض، بما يجعلها موسمًا رئيسيًا لإبرام التعاقدات والصفقات، وهو ما أدى إلى اعتماد عدد كبير من دور النشر على هذه الفعاليات كمصدر أساسي للدخل.
ولفت إلى أن بعض الجوائز الأدبية العربية يتم الإعلان عنها على هامش هذه المعارض، وهو ما يسهم في الترويج للكتب الفائزة وزيادة مبيعاتها، وبالتالي فإن أي اضطراب يصيب هذه الفعاليات ينعكس على دورة صناعة الكتاب بالكامل.

خليل مأمون: معرض القاهرة الدولي للكتاب قد يواجه تحديات غير مسبوقة
من جانبه، أكد الباحث في الأنثروبولوجيا وعضو المجلس الأعلى للثقافة، خليل مأمون، أن صناعة النشر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأوضاع الاقتصادية والسياسية، باعتبار الكتاب منتجًا اقتصاديًا قبل أن يكون منتجًا ثقافيًا.
وأوضح أن استمرار التصعيد العسكري في المنطقة أدى إلى اضطرابات في حركة الملاحة البحرية وارتفاع أسعار الطاقة، الأمر الذي انعكس على تكاليف النقل والشحن، وبالتالي على أسعار الورق والطباعة والتوزيع.
وأشار إلى أن جميع حلقات صناعة الكتاب أصبحت تتأثر بهذه التطورات، بداية من استيراد الخامات وحتى وصول الكتاب إلى القارئ.
وتوقع “مأمون” أن تواجه الدورة المقبلة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب تحديات كبيرة إذا استمرت الأوضاع الحالية، خاصة مع احتمالات تراجع مشاركة بعض دور النشر العربية، وارتفاع تكاليف السفر والشحن، وتأثر حركة انتقال الناشرين والكتاب بين الدول.
وأكد أن سوق الثقافة بطبيعته يحتاج إلى بيئة مستقرة سياسيًا واقتصاديًا، وأن استمرار التوترات في الخليج ولبنان والعراق واليمن قد يؤثر على حجم المشاركة العربية والدولية في المعرض، وعلى مستوى الفعاليات الثقافية المصاحبة له، مشددًا على أن الحفاظ على المشروعات الثقافية الكبرى في المنطقة يتطلب توفير مناخ إقليمي أكثر استقرارًا يضمن استمرار حركة النشر والتبادل الثقافي.



