بين خفض التكلفة وتهديد الوظائف.. الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل صناعة النشر الأدبي

ناشرون ومصممون ومدققون لغويون يرصدون التحولات الجديدة.. الذكاء الاصطناعي يسرّع الإنتاج ويخفض التكلفة، لكنه يفتح الباب أمام منافسة جديدة ويجعل الخبرة البشرية أكثر ارتباطًا بالفكرة والقرار والجودة
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على قطاعات التكنولوجيا والبرمجة والصناعات الحديثة، بل امتد بصورة متسارعة إلى صناعة النشر الأدبي، بداية من كتابة المحتوى وتطوير الأفكار، مرورًا بالتدقيق اللغوي والتحرير، ووصولًا إلى تصميم أغلفة الكتب والإخراج الفني، فضلًا عن تأثيره غير المباشر على الطباعة والتوزيع.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن أدوات الذكاء الاصطناعي تمثل فرصة لتقليل الوقت والتكلفة ورفع القدرة على الإنتاج، يخشى آخرون من أن يؤدي الاعتماد المتزايد عليها إلى تراجع الطلب على بعض الوظائف، خصوصًا تلك التي يمكن تنفيذ أجزاء منها بصورة آلية.
لكن العاملين في صناعة النشر يرون أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد معادلة بين «الإنسان والآلة»، إذ يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف طبيعة الوظائف نفسها، وينقل قيمة بعض المهن من مرحلة التنفيذ المباشر إلى التفكير والإبداع واتخاذ القرار والمراجعة البشرية.

الناشر: الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة لتقليل الوقت والتكلفة
يقول الكاتب محمد جاسر، مؤسس دار فصحى للنشر والتوزيع، وعضو اتحاد الناشرين المصري، إن الدار تمتلك منصة للنشر الإلكتروني لمواكبة العصر، كما شاركت في معارض مصرية وعربية، وأصبحت أعمالها متوفرة على أكبر المنصات العربية الإلكترونية.
ويشير جاسر إلى أن إصدارات الدار تتجاوز 600 عمل ورقي خلال عامين فقط، وهو ما يعكس حجم الإنتاج الذي يمكن أن تتعامل معه دور النشر في ظل التطورات التكنولوجية المتلاحقة.
ويؤكد أن «الذكاء الصناعي أصبح لا غنى عنه في مجال النشر»، موضحًا أنه يوفر الوقت، كما أن تكلفته أقل من العامل البشري في بعض المهام، فضلًا عن أن من مميزاته إمكانية توفير أكثر من عينة أو تصور يمكن الاختيار بينها، وهو ما يقصده بشكل خاص في مجالات التصميم والمونتاج.
لكن جاسر يميز بين المجالات التي يرى أن الذكاء الاصطناعي حقق فيها نتائج مفيدة، وتلك التي لا يزال فيها العنصر البشري أكثر كفاءة، موضحًا أن التدقيق اللغوي أو التنسيق لا يجده يقدم مردودًا أفضل بالمقارنة مع العامل البشري، ويؤكد جاسر أنه كصاحب شركة يهمه المكسب وتقليل التكلفة، فالاعتبارات الاقتصادية تمثل عاملًا أساسيًا بالنسبة لأي مؤسسة تعمل في مجال النشر، والذكاء الاصطناعي قد يؤثر بصورة إيجابية في خفض التكلفة الإنتاجية في عالم الطباعة، وبالتالي يمكن أن يسهم في تقليل سعر عرض الكتب، وهو ما قد ينعكس في النهاية على القارئ وسوق الكتاب.
ولا يتوقف تصور جاسر عند حدود صناعة النشر الحالية، إذ يعتقد أن الذكاء الاصطناعي «سيحل كثيرًا مكان وظائف البشر»، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي قد يصل إلى مرحلة لا يحتاج فيها الإنسان إلى الضغط على شاشة الهاتف لتنفيذ ما يريد، بل يكفي أن يفكر في الأمر ليتم تنفيذه تلقائيًا، ويرى أن هذا التطور ربما يتم تطبيقه على مختلف الصناعات، بما فيها الصناعات الحرفية والفنون الإبداعية.
وفي مجال الكتابة تحديدًا، يلفت جاسر إلى أن البعض بدأ بالفعل في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي من أجل تحسين جودة العمل، بينما يصل الأمر في بعض الحالات إلى كتابة المحتوى بالكامل، بحيث يقدم المستخدم للذكاء الاصطناعي الفكرة فقط ويتولى هو صياغة المحتوى؛ ومن هنا يطرح جاسر تصورًا أكثر جذرية لمستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، قائلًا إن البشر قريباً «سيكونون مجرد متابعين ومراقبين للذكاء الصناعي».

أيمن عبد الباري: الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة العمل في التصميم.. والطباعة تعاني منذ سنوات بسبب التحول الرقمي
من جانبه، يقول أيمن عبد الباري، المخرج ومصمم المطبوعات، إنه يعمل في مجال الإخراج الفني منذ أكثر من 10 سنوات، بينما يمتد عمله في مجال الطباعة لأكثر من 30 عامًا، مشيرًا إلى أن ظهور الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي خلال السنوات الأخيرة أحدثا تأثيرًا واضحًا على طبيعة العمل في مجالي التصميم والإخراج الفني للكتب.
وأوضح عبد الباري أن تأثير الذكاء الاصطناعي جاء «بالسلب والإيجاب» في الوقت نفسه، لافتًا إلى أن بعض العاملين في المجال استطاعوا مواكبة التطور وتطوير أدواتهم ومهاراتهم، بينما لم يتمكن آخرون من التكيف مع المتغيرات الجديدة، ما دفعهم تدريجيًا إلى الابتعاد عن المجال.
وأضاف أن تأثير الذكاء الاصطناعي أصبح واضحًا بصورة خاصة في تصميم أغلفة الكتب، موضحًا أن عددًا من المصممين المحترفين أصبحوا يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الغلاف بالكامل، بينما يستخدم آخرون الذكاء الاصطناعي لإنتاج جزء من التصميم، ثم يستكملون العمل وإضافة اللمسات الفنية من خلال برامج التصميم التقليدية.
وفيما يتعلق بإخراج الكتب وتنسيقها، أشار عبد الباري إلى أن التأثير لا يزال محدودًا مقارنة بتصميم الأغلفة، موضحًا أن فكرة إعطاء كتاب كامل لأداة ذكاء اصطناعي وطلب تنسيقه وإخراجه بصورة نهائية لا تزال صعبة عمليًا.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن برامج التصميم والإخراج نفسها بدأت تتأثر بالتطور التكنولوجي، موضحًا أن برامج متخصصة مثل «InDesign» أصبحت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتضيف إليها أدوات وخصائص جديدة تساعد المصممين والمخرجين في أداء أعمالهم، ويؤكد عبد الباري أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من أدوات المهنة، وليس بالضرورة بديلًا كاملًا عن المتخصص.
ويرى عبد الباري أن الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة الطباعة والنشر يجب ألا ينفصل عن التحولات الرقمية التي سبقته، مؤكدًا أن الأزمة لم تبدأ مع ظهور الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما سبقتها تحولات كبيرة، خاصة منذ جائحة كورونا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن طبيعة الإعلان والترويج تغيرت بصورة كبيرة، مستشهدًا بأن افتتاح محل تجاري كان في السابق يعتمد على طباعة كميات كبيرة من المنشورات وتوزيعها في الشوارع، بينما أصبح صاحب النشاط حاليًا قادرًا على إطلاق إعلان ممول عبر «فيسبوك» يستهدف سكان المنطقة التي يوجد بها النشاط، دون الحاجة إلى طباعة وتوزيع آلاف المنشورات.
وأشار إلى أن هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على سوق الطباعة، قائلًا إن مطابع كبرى كانت تعتمد على إنتاج كميات ضخمة من الكتب والمجلات والصحف أصبحت تعاني من تراجع حجم العمل.
واستعاد عبد الباري موقفًا حدث معه خلال فترة جائحة كورونا، عندما تحدث مع أحد المسؤولين في مجال الطباعة عن تراجع حجم العمل، وسأله عن سبب الأزمة رغم وجود مطبوعات ومجلات كانت تصدر بأعداد كبيرة.
وأضاف أن المسؤول رد عليه بأن إحدى المجلات الشبابية كانت تطبع نحو 5 آلاف نسخة، ثم تعود كميات أكبر من المطبوع إلى المخازن دون بيع، وهو ما يعكس، بحسب عبد الباري، حجم التراجع الذي أصاب سوق المطبوعات الورقية.

مدققة لُغوية: الذكاء الاصطناعي قلل حجم بعض الأعمال لكنه لم يلغِ الحاجة إلى المتخصص
ترى المدققة اللغوية، دينا رمضان، أن تأثير الذكاء الاصطناعي على مهنة التدقيق اللغوي أصبح واضحًا بالفعل، لكنه لم يصل إلى حد إلغاء الحاجة إلى المدقق اللغوي المحترف.
وتقول إن الذكاء الاصطناعي «أثّر بالفعل في حجم الطلب على التدقيق اللغوي، لكنه لم يُلغِ الحاجة إلى المدقق اللغوي المحترف»، موضحة أنه ربما قلل من حجم العمل الذي كان يُسند إلى بعض المدققين من جانب الكُتّاب غير المحترفين أو الذين ليست لديهم خبرة كافية، خصوصًا في الأعمال البسيطة التي يمكن التعامل معها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
لكنها تؤكد أن الكُتّاب والباحثين المحترفين ما زالوا يلجؤون إلى المدقق اللغوي المتخصص؛ لأن التدقيق لا يقتصر على تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإنما يتطلب فهم السياق والأسلوب والمعنى وطبيعة النص والهدف منه.
وتوضح أن هذه الحاجة تظهر بشكل أكبر في الكتب والرسائل العلمية وأبحاث الماجستير وغيرها من النصوص التي تحتاج إلى دقة عالية والحفاظ على المعنى والمنهجية والأسلوب الأكاديمي.
ومن واقع تجربتها في العمل مع عدد من دور النشر، وكذلك مع الكُتّاب والباحثين بشكل مباشر، تقول رمضان إنها لم تشعر بأن عملها اختفى بسبب الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن الكُتّاب المحترفين والباحثين ما زالوا يتواصلون معها ويستعينون بخبرتها؛ لأنهم يعرفون جودة العمل الذي يحصلون عليه، وأن الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره الكبير، قد ينتج أحيانًا تصحيحات غير دقيقة أو أخطاء فادحة، وقد يغير المعنى الذي أراده الكاتب أو الباحث إذا لم تتم مراجعة النص بشريًا.
وبناءً على ذلك، ترى رمضان أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مساعدة مهمة في مجال التدقيق اللغوي، لكنه حتى الآن لا يستطيع أن يحل محل المدقق اللغوي المحترف، خصوصًا عندما يكون النص متخصصًا أو ذا قيمة علمية وأدبية عالية.

حسن عثمان: الذكاء الاصطناعي غيّر مهنة مصمم الغلاف أكثر مما ألغى دوره
وفي مجال تصميم أغلفة الكتب، يرى حسن عثمان، مصمم أغلفة الكتب، أن تأثير الذكاء الاصطناعي على عمله كمصمم جرافيك ليس كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه ليس بالضرورة تأثيرًا سلبيًا، موضحًا أن هناك عدة جوانب مؤثرة في هذه المسألة، يأتي في مقدمة هذه الجوانب، بحسب عثمان، «زيادة المنافسة»، إذ أصبح بإمكان أي شخص إنتاج أفكار أولية لأغلفة الكتب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي خلال دقائق، وهو ما أثر على الأعمال منخفضة الميزانية، وعلى جودة العمل المطلوب في بعض الحالات، بسبب الاعتماد على أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي لا تتوافر فيها روح الابتكار والتفكير والتعبير الكامل عن محتوى الكتاب أو الرواية بصورة تفصيلية تجذب القارئ.
ويشير عثمان إلى أن تصميمات المستوى المبتدئ ستصبح أكثر تنافسية، لأن الكاتب أو الناشر يستطيع الآن توليد عشرات الأفكار البصرية خلال دقائق، خصوصًا بالنسبة للأغلفة التي تعتمد على صورة جاهزة، إلى جانب العنوان واسم المؤلف، ويرى أن ذلك قد يضغط أسعار الأعمال السريعة والبسيطة.
الذكاء الاصطناعي يختصر ساعات من البحث
يرى عثمان في المقابل جانبًا إيجابيًا مهمًا، يتمثل في أن المصمم يستطيع أن يصبح أسرع في إنتاج الأفكار، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد اتجاهات بصرية مختلفة للغلاف، وإعداد «Moodboards» ومراجع بصرية، إلى جانب توليد أفكار للتركيب والإضاءة والألوان، لكنه يشدد على أن ذلك يتطلب متخصصًا في التصميم يستطيع توجيه الذكاء الاصطناعي وأدواته، وليس استخدامها بصورة عشوائية.
كما يرى أن الذكاء الاصطناعي يسمح بإنتاج نماذج أولية كثيرة قبل تنفيذ التصميم النهائي، موضحًا أنه بدلًا من قضاء ساعتين في البحث عن صورة مناسبة، يمكن الوصول إلى اتجاه بصري جيد خلال دقائق، ثم استخدام خبرة المصمم لتحويل هذا الاتجاه إلى غلاف احترافي. ومن ثم فالذكاء الاصطناعي، بالنسبة لمصمم لديه خبرة في تصميم أغلفة الكتب، «غيّر المهنة أكثر مما ألغى دور المصمم».
المصمم لا يصنع صورة جميلة فقط
يؤكد مصمم أغلفة الكتب أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة قوية جدًا في مرحلة البحث وتوليد الأفكار، وأنه يتيح للمصمم استكشاف اتجاهات بصرية خلال وقت قصير، وهي اتجاهات كان يمكن أن تستغرق ساعات طويلة من التجريب للوصول إليها، ويقول إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي أحيانًا كوسيلة للعصف الذهني، وأحيانًا للوصول إلى صورة أو إحساس بصري معين، لكنه يؤكد أن النتيجة النهائية لا تعتمد على الأداة وحدها، فمصمم الغلاف، من وجهة نظره، ليس مجرد شخص يصنع «صورة حلوة»، وإنما يحتاج إلى فهم الكتاب وشخصية الكاتب والجمهور المستهدف والسوق، وبعد ذلك يحول كل هذه العناصر إلى فكرة بصرية واحدة قادرة على جذب القارئ والتعبير عن محتوى الكتاب. ويضيف أن التحدي الحقيقي في الوقت الحالي ليس مجرد معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما معرفة «إمتى تستخدمه وإزاي توجهه وإزاي تضيف له رؤيتك وخبرتك بدل ما تخليه هو اللي يصمم بالنيابة عنك».
ويعتقد عثمان أن المصمم الذي ستكون له قيمة في الفترة المقبلة ليس بالضرورة هو الذي يعرف كيفية إنتاج أجمل صورة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما المصمم الذي يمتلك فكرة وذوقًا وفهمًا للسياق، وقدرة على اتخاذ القرار التصميمي الصحيح، واختيار الاتجاه البصري المناسب والمعبر عن التصميم، لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل أوجد أيضًا تحديات جديدة بين المصممين والأفراد والشركات.
ويشير عثمان إلى أنه من ناحية الأفراد، واجه مطالب وصفها بأنها من أغرب المطالب، عندما يقوم شخص بتوليد صورة من الذكاء الاصطناعي أو عمل تصميم، ثم يطلب من المصمم إعادة تصميمه من البداية بحيث يكون مطابقًا للتصميم نفسه. هذا الأمر يصعب في تجميع الـ«assets» المولدة من قبل الذكاء الاصطناعي، كما يتطلب وقتًا لإعادة بناء التصميم وتجهيزه في ملف مفتوح قابل للاستخدام.
الشركات أمام تحدٍ جديد
على مستوى الشركات، يشير عثمان إلى أن بعض الشركات تخلق اتجاهات بصرية باستخدام الذكاء الاصطناعي، ثم تطلب من المصمم أن يقوم بدور الذكاء الاصطناعي في توليد تصاميم مشابهة للتصاميم التي تم إنتاجها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، ولكن في أسرع وقت ودون استخدام أو توليد الصور بالذكاء الاصطناعي، وهذا يتطلب وقتًا وجهدًا في البحث والتصميم.
وفي ختام حديثه، ينصح عثمان المصممين بالعمل على تطوير وتيرة العمل مع الذكاء الاصطناعي، والفهم الحقيقي لسوق العمل لمواكبة هذا التحدي، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة وليس منافسًا، وفي المقابل، يطالب الشركات بأن تعمل على فهم الفرق بين التصميم الحقيقي والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في توليد تصاميم خلال وقت أقل، وأن تقارن هذه التصاميم بأعمال المصممين الحقيقية التي تتطلب وقتًا وجهدًا في البحث والتصميم.

صناعة النشر أمام مرحلة جديدة
تكشف شهادات العاملين في صناعة النشر أن الذكاء الاصطناعي لا يدخل إلى قطاع واحد داخل الصناعة، وإنما يتحرك عبر سلسلة الإنتاج بأكملها.
فالناشر يراه وسيلة محتملة لخفض الوقت والتكلفة وزيادة الإنتاج، بينما يراه المخرج الفني أداة أصبحت جزءًا من أدوات المهنة، لكنها لا تزال عاجزة في بعض مراحل الإخراج عن الاستغناء الكامل عن المتخصص.
أما المدقق اللغوي فيرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتعامل مع المهام البسيطة، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في فهم السياق والدلالة والمنهج والأسلوب، خصوصًا في الأعمال الأدبية والعلمية المتخصصة.
وفي تصميم أغلفة الكتب، يبدو التحول أكثر وضوحًا؛ إذ أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج عدد كبير من الأفكار والنماذج الأولية خلال دقائق، وهو ما يرفع سقف المنافسة ويضغط على بعض الأعمال البسيطة، لكنه في الوقت نفسه يمنح المصمم المحترف أدوات جديدة للبحث والعصف الذهني والاستكشاف البصري.
وبذلك، لا يبدو أن السؤال في صناعة النشر خلال المرحلة المقبلة سيكون فقط: «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟»، وإنما ربما يصبح السؤال الأكثر أهمية: ما المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذها، وما القيمة التي سيظل الإنسان قادرًا على تقديمها ولا يمكن اختزالها في مجرد إنتاج سريع؟






