رسوم وهمية وفسخ تعسفي.. كيف يُمول المطور العقاري عجزه من “جيب” المشتري؟
“دفعنا وما استلمناش”.. شكاوى العملاء تفضح معاناة الحاجزين مع شركات التطوير العقاري

“العقد شريعة المتعاقدين”.. متى يحق للمطور تحميل العميل زيادات جديدة؟
نائب وزير الإسكان: إنذارات للمطورين المتعثرين وسحب الأرض وفسخ التعاقد عند استمرار التعثر
عضو بمجلس النواب: غياب الانضباط بين البيع والتسليم يضاعف معاناة الحاجزين
المحامي محمد حسن: أموال المواطنين ليست وسيلة لتعويض خسائر المطورين المتعثرين
لم يعد حلم شراء “بيت كبير أو شقة جديدة” خطوة نحو الاستقرار، بل تحولت لدى شريحة واسعة من المواطنين إلى رحلة شاقة من الاستنزاف المادي والنفسي، بين تأخير متكرر في التسليم يمتد لسنوات، وعقود إذعان صُممت بنودها بحرفية لصالح الشركات على حساب حقوق المشتري، وباتت العلاقة بين المطور والمواطن علاقة غير متكافئة، يُطالب فيها الأول ببدائل وتأجيلات لا تنتهي، بينما يُكبل الثاني بالغرامات والشروط المالية القاسية.
ورغم ما سبق، لم تتوقف الأزمة عند حدود المواعيد المعطلة، بل امتدت لتشمل فرض رسوم إضافية غير مبررة تحت مسميات شتى كفروق الصيانة، فضلاً عن الآليات التعسفية المتبعة في احتساب أسعار “جدية الحجز” التي تُعقد عمليات الاسترداد وتصادر الحقوق، وتفرض سياسة الأمر الواقع على المشتري.
وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات الشكاوى من عملاء يؤكدون تعرضهم لمشكلات مع عدد من شركات التطوير العقاري، ومنها، إحدى الشكاوى المنشورة على جروب “شركات عقارات سيئة السمعة”، وقال عدد من العملاء الذين تعاقدوا منذ بداية مشروع العتال 101 بمدينة المستقبل سيتي، إنهم كانوا من أوائل المشترين، والتزموا بسداد المقدمات والأقساط في مواعيدها، إلا أنهم فوجئوا بعد أكثر من عامين بتغيير المخطط العام “الماستر بلان” للمشروع أكثر من مرة، وتغيير بعض الوحدات التي سبق حجزها، مع طرح وحدات جديدة بشروط ومزايا أفضل من تلك التي حصل عليها العملاء الأوائل.

600 ألف جنيه فروق مساحات.. رغم مرور أكثر من عامين على موعد التسليم
وأكد أصحاب الشكوى، أن الرسالة التي وصلت إليهم هي أن العميل الذي وثق بالشركة منذ البداية أصبح الأكثر تضررًا، مطالبين بالحفاظ على حقوقهم كاملة واحترام العقود المبرمة معهم.
وفي شكوى أخرى، قالت إحدى العميلات المتعاقدات مع مشروع خزام التابع لشركة الكازار، في جروب “شركات عقارات سيئة السمعة”، إنها اشترت وحدة منذ عام 2021، وحتى الآن لم تتسلمها رغم مرور أكثر من عامين على موعد التسليم، مؤكدة أن المبنى لا يزال في مرحلة الطوب، وأن الشركة طالبت العملاء بسداد مبالغ إضافية، من بينها نحو 600 ألف جنيه تحت بند فروق المساحات، و70 ألف جنيه مقابل توصيل الغاز، رغم عدم دخول الغاز أو الكهرباء أو المرافق إلى المشروع، بحسب روايتها.
وأضافت أن الشركة تكرر المطالبة بمبالغ جديدة بينما لا يزال المشروع متعثرًا، ووصفت مستوى خدمة العملاء بأنه “سيئ”، متهمة الشركة بالمبالغة في فرض الرسوم الإضافية.

“فسخ تعسفي” و”رسوم دون اتفاق”
ولم تتوقف الشكاوى عند هذا الحد، إذ نشرت رشا شحاتة سعودي، عبر جروب “هيئة تنظيم سوق العقار المصري – مطلب شعبي”، استغاثة قالت فيها، إنها وعددًا من المواطنين متضررون من شركة لافيردي للتطوير العقاري.
واتهمت الشركة بتأخير تسليم الوحدات لسنوات، وإجراء تعديلات على العقود دون موافقة العملاء، وفرض رسوم إضافية دون اتفاق، فضلًا عن فسخ بعض العقود بصورة تعسفية ورفض استلام الأقساط، مطالبة بإجراء تحقيق رسمي في مصير أموال العملاء، وتسليم الوحدات أو تعويض المتضررين بالقيمة السوقية، ومنع الشركة من إطلاق مشروعات جديدة لحين حل الأزمة.
وفي منشور آخر على الجروب نفسه، كتب محمد سليمان، أحد العملاء المتعاقدين على مشروع جولدن بارك التابع لشركة المعادي للتشييد، أنه اشترى وحدة قبل ثلاث سنوات، وكان من المقرر تسليمها في أكتوبر 2025، إلا أن الشركة –بحسب قوله– لم تبدأ تنفيذ العمارة حتى الآن، رغم سداده نحو نصف ثمن الوحدة، مشيرًا إلى أنه تقدم بشكاوى إلى جهات مختلفة قبل أن يلجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي لنشر قضيته.

تطبيق القانون والمحاسبة على إهدار حقوق العملاء
وفي السياق ذاته، قال المحامي محمد حسن، محامي عدد من المتضررين من شركات التطوير العقاري، إن أزمة استيلاء بعض شركات التطوير على أموال المواطنين لم تعد مجرد نزاعات تعاقدية، بل تحولت إلى قضية تمس حقوق آلاف الأسر التي استثمرت مدخراتها في وحدات لم تُسلم أو مشروعات توقفت دون مبررات واضحة.
وأكد “حسن” في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن الحل الحقيقي يبدأ بتطبيق القانون ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إهدار حقوق العملاء، مشددًا على أن الفصل في هذه الأزمة أصبح في يد القضاء والنيابة العامة، باعتبارهما الجهتين المختصتين بالتحقيق في الوقائع واتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي شركة يثبت ارتكابها مخالفات أو الاستيلاء على أموال المواطنين دون تنفيذ التزاماتها.
وأوضح محامي متضرري شركات التطوير، أن بعض المطورين حصلوا على مقدمات وأقساط بمئات الآلاف، بل والملايين من الجنيهات، ثم تعثروا في التنفيذ أو توقفوا عن استكمال المشروعات، وهو ما وضع آلاف الأسر في مأزق مالي وقانوني، وأفقد قطاعًا من المواطنين الثقة في بعض الشركات غير الجادة.

تهديد العملاء بإلغاء التعاقد
وأشار “حسن” إلى أن تحريك الدعاوى القضائية ومباشرة التحقيقات يمثل رسالة واضحة بأن حقوق المواطنين مصونة، وأن أي تجاوز لن يمر دون محاسبة، مطالبًا باتخاذ إجراءات تحفظية بحق الشركات التي يثبت تورطها في الإضرار بالعملاء، بما يضمن الحفاظ على أصولها وأموالها لحين الفصل في النزاعات.
وأفاد محامي متضرري شركات التطوير، بأن السوق العقارية المصرية تضم عددًا كبيرًا من الشركات الجادة، إلا أن استمرار تجاوزات بعض الشركات غير المنضبطة يضر بسمعة القطاع بالكامل، ويستوجب تدخلًا قانونيًا حاسمًا لإعادة الثقة في الاستثمار العقاري.
وكشف “حسن” عن أن الفترة الأخيرة شهدت لجوء عدد من شركات التطوير العقاري إلى مطالبة العملاء بسداد مبالغ إضافية تحت مسمى “فروق أسعار” أو “زيادة تكلفة التنفيذ”، بدعوى الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء ومدخلات التشييد، مع تهديد بعض العملاء بإلغاء التعاقد أو وقف إجراءات التسليم إذا رفضوا السداد.

منازعات قضائية تنتهي بإلزام الشركة بتنفيذ التزاماتها أو تعويض العميل
وتابع محامي متضرري شركات التطوير، بأن الأصل في العقود هو أن “العقد شريعة المتعاقدين”، وبالتالي لا يجوز لأي شركة تعديل سعر الوحدة أو فرض أعباء مالية جديدة من جانب واحد، إلا إذا كان العقد يتضمن نصًا صريحًا يجيز ذلك، أو إذا صدر حكم قضائي يقر هذا الحق وفقًا لظروف كل حالة.
وأضاف “حسن”، أن مجرد ارتفاع أسعار مواد البناء لا يمنح الشركة تلقائيًا الحق في تحميل العميل كامل الزيادة أو فسخ التعاقد بإرادتها المنفردة، موضحًا أن مدى مشروعية المطالبة بفروق الأسعار يخضع لفحص العقد والظروف المحيطة بالتنفيذ، وهو ما تفصل فيه المحاكم عند نشوب النزاع.
ولفت محامي متضرري شركات التطوير إلى أن تهديد العملاء بإلغاء التعاقد أو سحب الوحدة بسبب رفض سداد فروق أسعار، دون وجود سند قانوني أو تعاقدي واضح، قد يفتح الباب أمام منازعات قضائية تنتهي بإلزام الشركة بتنفيذ التزاماتها أو تعويض العميل، بحسب ما تقرره المحكمة في كل حالة.
غياب الانضباط بين آليات البيع والتسليم
وشدد “حسن” على أن الطريق القانوني الصحيح أمام الشركات التي تواجه ارتفاعًا استثنائيًا في التكلفة ليس فرض زيادات من جانب واحد، وإنما اللجوء إلى الآليات القانونية المنصوص عليها في العقود أو القضاء للفصل في النزاع.
ومن جانبها، تقدمت النائبة أسماء نشأت حجازي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، موجه إلى الدكتورة وزيرة الإسكان والمجتمعات العمرانية، بشأن شكاوى قطاع واسع من المواطنين من تأخر استلام وحداتهم السكنية المتفق عليها مع الشركات العقارية.
وأكدت “حجازي” على أن السوق العقاري المصري يواجه مشكلات مزمنة تتطلب حلولًا عاجلة، يأتي في مقدمتها غياب الانضباط بين آليات البيع والتسليم، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على حياة آلاف الشباب ويضاعف من أزمات السكن والزواج.

معالجة الأزمة ليست مستحيلة.. وتحتاج لإرادة حقيقية لتعديل التشريعات
وأوضحت النائبة، أن معالجة الأزمة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية لتعديل التشريعات، وتشديد الرقابة على شركات التطوير، ووضع المشتري في قلب المنظومة، مشيرة إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء خلال السنوات الأخيرة تسبب في تعثر عدد من شركات التطوير العقاري عن استكمال مشروعاتها أو الالتزام بمواعيد التسليم.
ولفتت إلى أن أبرز أسباب الأزمة تتمثل في ضعف الرقابة على الجداول الزمنية لتنفيذ المشروعات، والتزام بعض الشركات بخطط تسويقية تفوق قدرتها الفعلية على التنفيذ، إلى جانب أزمات السيولة التي واجهها عدد من المطورين نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء، فضلًا عن إعادة توجيه السيولة إلى مشروعات جديدة على حساب استكمال المشروعات القديمة.
وانتقدت النائبة غياب الآليات الرادعة لتعويض المشترين، مؤكدة أن كثيرًا من العقود الحالية تُحمّل العميل وحده أعباء التأخير، بينما لا تفرض غرامات حقيقية على المطور عند الإخلال بمواعيد التسليم.

سحب الأرض أو فسخ التعاقد في حال استمرار التعثر
وطالبت بإنشاء جهة مختصة لتلقي شكاوى الحاجزين، تتمتع بالحياد والصلاحيات اللازمة لاتخاذ إجراءات رادعة، تصل إلى سحب التراخيص ووقف نشاط الشركات الممتنعة عن التسليم دون مبرر.
وعلى الصعيد الرسمي، أكد الدكتور وليد عباس، نائب وزير الإسكان لشؤون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، أن الهيئة تتابع بشكل دوري معدلات تنفيذ مشروعات التطوير العقاري داخل المدن الجديدة، من خلال لجان فنية متخصصة ترصد نسب الإنجاز الفعلية وتقارنها بالبرامج الزمنية المعتمدة لكل مشروع، بما يضمن سرعة التدخل حال رصد أي تأخر في التنفيذ.
وأضاف “عباس”، أن الهيئة تبدأ بالتواصل مع الشركات التي تتراجع معدلات تنفيذها، وتوجه لها إنذارات رسمية لإزالة أسباب التأخير والالتزام بالجداول الزمنية، مؤكدًا أن الإجراءات القانونية تُطبق تدريجيًا وفقًا للوائح المنظمة، وتصل إلى سحب الأرض أو فسخ التعاقد في حال استمرار التعثر وعدم وجود مبررات مقبولة.

التوازن بين استثمارات المطورين وصون حقوق المواطنين
وأوضح نائب وزير الإسكان، أن وزارة الإسكان لا تستهدف معاقبة المستثمرين، وإنما تسعى إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على استثمارات المطورين وصون حقوق المواطنين الذين تعاقدوا على شراء الوحدات، لافتًا إلى أن الهيئة تمنح تيسيرات ومهلات إضافية للشركات الجادة التي أثبتت وجود نسب تنفيذ حقيقية وتأثرت بظروف استثنائية، وذلك بهدف استكمال المشروعات وتسليم الوحدات دون الإضرار بالعملاء.
وأشار “عباس” إلى أن التيسيرات التي أقرتها الدولة للمطورين العقاريين جاءت بهدف الحفاظ على استقرار السوق العقارية وتسريع معدلات التنفيذ، مؤكدًا أن هذه التيسيرات لا تعني التهاون في حقوق المشترين، وإنما ترتبط بالتزام الشركات بتنفيذ المشروعات واستكمالها وفق الجداول الزمنية المحددة.
وشدد “عباس” على أن هيئة المجتمعات العمرانية مستمرة في متابعة جميع المشروعات المقامة على أراضيها، وأنها تتخذ ما يلزم من إجراءات لضمان التزام الشركات بالتعاقدات، بما يحقق الانضباط داخل السوق العقارية ويحافظ على حقوق جميع الأطراف.






