في ذكرى ميلاده.. عزت أبو عوف من «البرنس» إلى أدوار كسرت القالب
- فنان بدأ حياته طبيبًا، وصنع اسمه في الموسيقى، ودخل عالم التمثيل مصادفة، لكن عزت أبو عوف لم يكتفِ بصورة الرجل الأرستقراطي، ونجح مع الوقت في بناء واحدة من أكثر الشخصيات التمثيلية تميزًا على الشاشة المصرية.
لم يكن عزت أبو عوف في حاجة إلى بطولة مطلقة حتى يترك بصمته على الشاشة، ولم تكن نجوميته مرتبطة بدور واحد أو شخصية صنعت شهرته بين ليلة وضحاها، كان حضوره من النوع الذي يتسلل إلى المشهد بهدوء، ثم يتركه مختلفًا بمجرد أن يغادره.
في بداياته التمثيلية، بدا وكأن ملامحه سبقت موهبته إلى الشاشة؛ رجل أنيق، هادئ، واثق، يحمل في حضوره شيئًا من عالم الأثرياء وأصحاب النفوذ، لذلك لم يكن غريبًا أن يجد نفسه محاصرًا في مساحة «البرنس»، والرجل الأرستقراطي، ورجل الأعمال، وهي المنطقة التي صنعت جانبًا كبيرًا من شهرته، لكنها في الوقت نفسه كادت تتحول إلى القالب الذي يصعب الخروج منه، إلا أن عزت أبو عوف لم يتوقف عند الصورة الأولى.

مع مرور السنوات، بدأ يوسع مساحة أدواره، ويمنح شخصياته طبقات مختلفة؛ فظهر الشرير والانتهازي ورجل الأعمال الفاسد، كما قدم الرجل الطيب والشخصية الاجتماعية المركبة، حتى أصبح حضوره على الشاشة مرتبطًا بقدرة خاصة على تقديم الشخصية ذات المكانة والنفوذ، دون أن تتحول إلى صورة نمطية.
وفي ذكرى ميلاده، التي توافق 21 أغسطس، تبدو تجربة عزت أبو عوف جديرة بالقراءة، ليس فقط باعتباره فنانًا متعدد المواهب، وإنما باعتباره نموذجًا لممثل استطاع أن يحول الـ«Typecasting»، أي حصر الفنان في نمط محدد من الشخصيات، من قيد إلى نقطة انطلاق، ثم بدأ تدريجيًا في كسر هذا القالب.
من الطب إلى الموسيقى.. ثم جاءت السينما من باب الصدفة
وُلد عزت أبو عوف في القاهرة عام 1948، ودرس الطب ومارس المهنة لفترة، قبل أن تحسم الموسيقى اتجاهه المهني، وتصبح البوابة الأولى إلى عالم الفن.

لم تكن الموسيقى بالنسبة إليه مجرد هواية عابرة؛ كان موسيقيًا وعازفًا وملحنًا، وخاض تجارب متعددة قبل أن يؤسس فرقته الشهيرة «فور إم»، التي ارتبط اسمها بمرحلة مهمة من تاريخ الموسيقى في مصر.
ومن هنا كان دخوله إلى التمثيل مختلفًا عن كثير من أبناء جيله، فهو لم يبدأ من معهد أو فرقة مسرحية، ولم يكن يخطط منذ البداية لأن يصبح ممثلًا، وإنما جاءت السينما لاحقًا، ومن باب لم يكن في حساباته.
كانت بدايته التمثيلية مع المخرج خيري بشارة في فيلم «آيس كريم في جليم» عام 1992.
وكان الدخول إلى التمثيل مختلفًا عن الطريق الذي سار فيه أبناء المهنة الذين بدأوا من المسرح أو معاهد التمثيل.
أبو عوف كان موسيقيًا قبل أن يكون ممثلًا، وظهر أمام الكاميرا بعدما أصبح له اسم معروف بالفعل في مجال آخر، لكن المفارقة أن السينما سرعان ما وجدت فيه صورة جاهزة.
لم يكن يحتاج إلى الكثير حتى يقنع المشاهد بأنه رجل ينتمي إلى طبقة اجتماعية مختلفة؛ ملامحه، وصوته، وهدوؤه، وطريقة حديثه كانت تقوم بجزء كبير من المهمة.
«البرنس».. الشخصية التي أحبها الجمهور وكاد يكرهها الممثل
كان عزت أبو عوف يمتلك واحدة من أكثر الهيئات وضوحًا في السينما المصرية؛ ولهذا أصبح مناسبًا تلقائيًا لأدوار أصحاب النفوذ والمال والسلطة.
ظهر في عدد من الأعمال بشخصيات تنتمي إلى هذا العالم، حتى أصبح لقب «البرنس» أقرب إلى اختصار للصورة التي كونها الجمهور عنه، لكن المشكلة التي تواجه أي ممثل ينجح في نمط معين هي أن النجاح نفسه قد يتحول إلى حصار.
فإذا أثبت الفنان قدرته على أداء الشخصية الثرية بصورة مقنعة، يصبح من السهل على المخرجين العودة إلى المنطقة نفسها في كل مرة، وإذا أحب الجمهور صورته في دور محدد، يصبح الخروج منها مخاطرة.

أبو عوف لم يدخل معركة مباشرة ضد هذه الصورة، وإنما تعامل معها بذكاء أكثر هدوءًا، بدأ يضيف إليها، ثم يناقضها، ثم يستخدمها لصالح شخصيات مختلفة، فالرجل الذي يبدو راقيًا يمكن أن يكون فاسدًا، والهادئ يمكن أن يكون انتهازيًا، وصاحب الهيبة يمكن أن يكون ضعيفًا أمام أزمة، والشخصية الأرستقراطية يمكن أن تحمل خلف مظهرها قدرًا من الشر أو السخرية، وهنا بدأ الممثل الحقيقي في الظهور خلف الصورة.
«طيور الظلام».. ملامح واحدة وشخصيات متعددة
في منتصف التسعينيات، بدأت اختيارات عزت أبو عوف تكشف عن رغبة واضحة في توسيع مساحته.
شارك في أعمال مثل «ليلة ساخنة» و«طيور الظلام»، إلى جانب «امرأة هزت عرش مصر» و«بخيت وعديلة» و«إشارة مرور» وغيرها من الأفلام التي ساهمت في تثبيت حضوره داخل السينما المصرية.
لم يعد وجوده مرتبطًا فقط بالرجل الأرستقراطي التقليدي، وإنما أصبح جزءًا من تركيبة الشخصيات التي تتحرك بين السلطة والمصلحة والضعف والطموح، وكانت إحدى أهم نقاط قوته أنه لم يتعامل مع الشر باعتباره انفعالًا صاخبًا.
فلم يكن يحتاج إلى الصراخ أو المبالغة حتى يقدم شخصية فاسدة أو انتهازية، يكفي أن تتغير نبرة صوته أو نظرته، أو أن يقول الجملة بالهدوء نفسه الذي اعتاد أن يستخدمه في أدوار الرجل المحترم، وهنا أصبح الهدوء نفسه أداة للتمثيل.
الدراما.. المساحة التي كشفت قدرته على بناء الشخصية
إذا كانت السينما قد عرفت عزت أبو عوف في مساحات زمنية محدودة، فإن الدراما التلفزيونية منحته فرصة مختلفة؛ شخصيات يمكن أن تتطور أمام الجمهور على مدار حلقات طويلة.
ظهر في أعمال بارزة مثل «العائلة» عام 1994، و«زيزينيا»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«أوبرا عايدة»، و«أم كلثوم»، و«الرجل الآخر»، و«عباس الأبيض في اليوم الأسود»، و«الدالي»، و«باب الخلق».
ومع هذه الأعمال، أصبح أبو عوف جزءًا من ذاكرة جيل كامل من الدراما المصرية.
في «زيزينيا» مثلًا، كانت طبيعة العمل الاجتماعية والتاريخية تتطلب شخصيات لها خلفية واضحة وحضور خاص، ولم يكن المطلوب مجرد ملامح أرستقراطية، وإنما القدرة على تجسيد عالم اجتماعي كامل دون الوقوع في الاستعراض.
وهذه المنطقة كانت مناسبة لأبو عوف، لأنه لم يكن من الممثلين الذين يحتاجون إلى شرح الشخصية للمشاهد، كان يستطيع أن يقدم خلفيتها الاجتماعية من طريقة جلوسه أو حديثه أو تعامله مع الآخرين.
وشارك “أبو عوف” في عشرات الأفلام، من بينها «إسماعيلية رايح جاي»، و«عبود على الحدود»، و«كشف المستور»، و«أرض الخوف»، و«بنات وسط البلد»، و«عمر وسلمى»، و«الجزيرة»، و«حسن ومرقص»، و«عودة الندلة»، لكن اللافت في مسيرته أن كثيرًا من أدواره لم تكن بحاجة إلى مساحة كبيرة حتى تظل في ذاكرة الجمهور.
الموسيقى لم تختفِ عندما بدأ التمثيل
لم تكن حياة عزت أبو عوف الموسيقية فصلًا انتهى بمجرد دخوله السينما، فالموسيقي الذي يعرف الإيقاع يعرف أيضًا قيمة التوقيت، وهذه خبرة مهمة أمام الكاميرا.
الجملة ليست وحدها التي تصنع المشهد؛ أحيانًا تكون لحظة الصمت أهم منها، وقد تكون نظرة واحدة أكثر تأثيرًا من حوار طويل، وربما ساعدته خلفيته الموسيقية على امتلاك هذا الإحساس بالإيقاع، ولذلك بدا أداؤه في كثير من المواقف اقتصاديًا، لا يبالغ في التعبير ولا يحاول لفت الانتباه إلى نفسه، وإنما يترك الشخصية تقوم بالمهمة.
من الممثل إلى رئيس مهرجان القاهرة
لم تتوقف رحلة أبو عوف عند التمثيل والموسيقى والإعلام، إذ تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2006، واستمر في المنصب حتى عام 2012.
كانت تلك تجربة مختلفة، انتقل خلالها من الوقوف أمام الكاميرا إلى موقع إداري وثقافي داخل واحد من أهم المهرجانات السينمائية في المنطقة.
وخلال سنوات رئاسته، سعى إلى استعادة حضور المهرجان وجذب أسماء سينمائية دولية بارزة، كما أصر على إقامة دورة عام 2012 رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد، وكانت تلك آخر دوراته في رئاسة المهرجان.
هذه المحطة كشفت جانبًا آخر من شخصيته الفنية؛ فهو لم يكن مجرد ممثل يعمل داخل الصناعة، وإنما كان حاضرًا أيضًا في المشهد السينمائي من موقع الإدارة والتنسيق والانفتاح على العالم.
عزت أبو عوف أمام الميكروفون
خاض “أبو عوف” تجربة إعلامية امتدت لسنوات، بدأت من التلفزيون المصري من خلال برنامج «هرم الأحلام» عام 2001، قبل أن ينتقل إلى قناة أوربت، حيث شارك شقيقته مها أبو عوف في تقديم برنامج «أنتيم»، ثم ارتبط لسنوات ببرنامج «القاهرة اليوم».
وكما كان حضوره في التمثيل هادئًا، اتسمت تجربته الإعلامية بالهدوء نفسه، لم يكن مذيعًا يبحث عن الاستعراض، وإنما اعتمد على صوته وطريقته المتزنة في إدارة الحديث، وهكذا، أضاف مجالًا آخر إلى رحلة بدأت بالطب، ثم الموسيقى، ثم التمثيل، قبل أن تمتد إلى الإعلام والعمل السينمائي.
وجدير بالذكر، أن عزت أبو عوف فارق الحياة في الأول من يوليو 2019، عن عمر ناهز 71 عامًا.






