التصوير بالموبايل بين توثيق الجرائم وانتهاك الخصوصية.. عصام شيحة يحذر من مخاطر “التريند”

تحول الهاتف المحمول خلال السنوات الأخيرة من مجرد وسيلة للتواصل إلى أداة للتوثيق والرصد، مع انتشار كاميرات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، إلا أن هذا الاستخدام أثار جدلًا متزايدًا حول الحدود الفاصلة بين توثيق الوقائع وكشف المخالفات، وبين انتهاك خصوصية المواطنين والتشهير بهم.
وأصبح تصوير الأشخاص والمواقف في الأماكن العامة والخاصة ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة متكررة، خاصة مع سعي البعض إلى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة والوصول إلى قوائم “التريند”، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى مشروعية التصوير والنشر، والضوابط القانونية التي تحكم هذه الممارسات.
كاميرا الهاتف أداة للتوثيق
وفي بعض الحالات، أثبتت كاميرات الهواتف المحمولة فاعليتها في توثيق وقائع وجرائم تحدث في الأماكن العامة، إذ ساهمت مقاطع مصورة بواسطة المواطنين في كشف وقائع تحرش وسرقة وتعديات، وساعدت في تحديد المتورطين فيها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
كما أسهم تداول بعض المقاطع في تسليط الضوء على قضايا مجتمعية، ولفت انتباه الجهات المعنية إلى وقائع أو سلوكيات تستوجب التدخل، ليصبح الهاتف المحمول في هذه الحالات وسيلة مساعدة في كشف المخالفات وتعزيز الرقابة المجتمعية.
لكن هذا الاستخدام الإيجابي لا يعني أن تصوير الأشخاص أو نشر المقاطع المصورة يصبح مباحًا بصورة مطلقة، إذ تظل هناك حدود تتعلق بالخصوصية وحقوق الأفراد، تختلف باختلاف طبيعة الواقعة وملابساتها وطريقة استخدام أو نشر المحتوى.
من التوثيق إلى التشهير
في المقابل، شهدت منصات التواصل الاجتماعي انتشار مقاطع مصورة لأشخاص في مواقف مختلفة، بعضها جرى اقتطاعه من سياقه أو نشره دون الحصول على موافقة أصحاب الشأن، بهدف تحقيق الانتشار أو زيادة المشاهدات أو تصفية حسابات شخصية.
وتتزايد خطورة هذه الممارسات عندما تتحول الصور أو مقاطع الفيديو إلى وسيلة للابتزاز أو الإساءة إلى السمعة، أو عندما يتم استخدامها للتدخل في تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد، بما قد يعرض أصحابها للمساءلة القانونية، بحسب طبيعة الواقعة والمحتوى المنشور.
كما لم يعد المواطن بمنأى عن التصوير العشوائي في وسائل النقل والمقاهي والأماكن العامة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تحول الهاتف المحمول إلى وسيلة لمراقبة الآخرين والتدخل في حياتهم الخاصة دون مبرر.
التصوير دون إذن انتهاك للخصوصية
أكد المحامي عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أن ظاهرة تصوير المواطنين دون علمهم أو إذنهم أصبحت “آفة مجتمعية” تتطلب مواجهة حاسمة، مشدداً على أن هذا السلوك يُعد انتهاكاً صريحاً للخصوصية واعتداءً مباشرًا على الحرية الشخصية التي كفلتها المواثيق الدولية وقانون العقوبات المصري.
وأوضح “شيحة” في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن هناك خلطاً واضحاً لدى البعض بين “توثيق الجرائم” وبين “الاعتداء على الخصوصية”، مشيراً إلى أنه على الرغم من سابقة مساهمة منصات التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على بعض القضايا وسرعة ضبط الجناة من قبل الأجهزة الأمنية، إلا أنها تحولت في الآونة الأخيرة إلى وسيلة للرقابة المتبادلة بين المواطنين، بدافع الركض وراء “التريند” أو حتى الانتقام والابتزاز، بعيداً عن المصلحة العامة.
وأضاف رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن المحاكم المصرية تتجه دوماً لتغليظ العقوبات في قضايا التصوير والابتزاز ونشر الصور دون حق، حيث تصل العقوبات في بعض الحالات إلى السجن لمدة 15 عاماً، فضلاً عن أحكام التعويض المدني لصالح الضحايا.
واختتم “شيحة” تصريحه بتأكيد حق كل مواطن يتعرض لانتهاك حريته الشخصية أو التعدي على خصوصيته باللجوء فوراً إلى النيابة العامة لملاحقة المعتدين جنائياً ومدنياً، طبقاً للمواد من (303) حتى (309) من قانون العقوبات المصري، والتي تجرم السب والقذف والتحقير من شأن الأفراد أو المساس بحرمة حياتهم الخاصة.






